محافظ مطروح يهنئ الأخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد    محافظ الغربية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة ماري جرجس بطنطا    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    متحدث الري يكشف تفاصيل حملات إزالة التعديات على مجرى نهر النيل    خبير اقتصادي: ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج يعزز استقرار الجنيه ويخفض التضخم    ستارمر: تحالف الراغبين يعتمد إطارًا لنشر قوات دولية في أوكرانيا بعد السلام    إصابة 4 إسرائيليين وقتيل حصيلة حادث دهس حافلة لمتظاهرين من التيار الحريدي بالقدس    حلب على صفيح ساخن.. اشتباكات عنيفة وطائرات مسيّرة توقف الدراسة والرحلات الجوية    نونو أوت؟ نوتنجهام يعمق جراح وست هام بهزيمة ومباراة عاشرة بلا فوز    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    تقارير: يونيفرسيداد يحدد سعر بيع «هدف الأهلي»    كأس عاصمة مصر - تعادل الاتحاد السكندري وزد في صراع خطف وصافة المجموعة    تقرير: عموتة والشعباني ضمن المرشحين لتدريب منتخب تونس    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    ننشر أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف بالمنيا.. صور    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    تعليق مفاجئ من مصطفى كامل على مشاكل النقابة الأخيرة    ضحك وإشادة من خالد جلال على مشهد ارتجالي طريف في كاستنج.. فيديو    بيان أوروبي يشدد على ضرورة إيصال المساعدات بسرعة وأمان ودون عوائق للفلسطينيين    «تميمة حظ».. تاريخ مواجهات مصر ضد كوت ديفوار قبل ربع نهائي أفريقيا    خبير مكافحة الإرهاب: ما جرى في فنزويلا حادثة تسليم وواشنطن قائمة على منطق الصفقات    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    «المتحدة» تبحث مستقبل الإبداع على منصات التواصل الاجتماعى    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    تحصين الكلاب ب«عين شمس»    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    شركتان عالميتان تقتربان من دخول سوق الأدوات المنزلية في مصر خلال 2026    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    خاص: حكاية " الليثي" قاتل والده بقنا.. الإدمان رفض ان ينتهي بجولات "الدعوة" والتردد على" العباسية "    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    وفد من «مستقبل وطن» يهنئ كنيسة العذراء بالتل الكبير بعيد الميلاد المجيد    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    من كولومبيا… منشقون عن الأجهزة الأمنية الفنزويلية يبحثون العودة لتأسيس «قيادة جديدة»    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    أغنية ل«أحمد كامل» سببا في صداقة عمرو مصطفى ومصطفى ناصر    وزارة التعليم تعلن جداول امتحانات الطلبة المصريين فى الخارج للتيرم الأول    الدنمارك: سيطرة أمريكا على جرينلاند ستؤدي لانهيار الناتو    الخارجية القطرية: منخرطون مع الوسطاء لإعادة فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    محافظ الغربية: استعدادات شاملة لاستقبال عيد الميلاد المجيد ورفع درجة الجاهزية بمحيط الكنائس    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر والكونغو الديمقراطية في مواجهة نارية.. من سينتزع بطاقة دور الثمانية؟    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جان دوست: عشت في كوباني وأُعجبت باللغة العربية
نشر في صوت البلد يوم 11 - 06 - 2016

حين تقرأ لجان دوست، تشعر أنك تقرأ رواية عالمية، ثم تتذكّر أن الرواية مكتوبة باللغة العربية. كأنك تقرأ أدباً مترجماً ولكنه في الوقت ذاته، مكتوب باللغة العربية.. ربما هذه إحدى أهم مواصفات الكاتب الكردي الذي يكتب باللغة العربية. لكن القارئ لا يشعر بأي تمييز بين عالمي جان، أي روايته الكردية المترجمة إلى العربية، روايته المكتوبة باللغة العربية مباشرة... العالمان يحويان الاشتغال الدقيق ذاته، كأنه يطرز رواياته، حرفاً بحرف، مشتغلاً بدقّة النحات، وهو يهجس بالشكل، بالتبويب، بالفصول... ليأخذنا في عوالم كتابية غير مألوفة، لا في الرواية العربية المعاصرة، ولا القديمة، فهو يمزج ببراعة القديم بالمعاصر، المحلي بالعالمي، إنه جان دوست، الذي لا يشبه غيره.
الثقافة الكردية ودور اللغة العربية:
يمكن اعتبار جان دوست من الكتاب القلائل الذين يكتبون وينشرون باللغتين (العربية والكردية)، وهذا يثير تساؤلات الانتماء للمشهد الثقافي الذي يكتب فيه، يقول دوست عن المشهد الكردي: «أنتمي للمشهد الثقافي الكردي بقوة. سواء بهمومي الروائية أو بحضوري وتفاعلي مع قراء يتوزعون على خارطة شاسعة تمتد من بانه وسنندج في كردستان الإيرانية مروراً بالسليمانية وأربيل في كردستان العراق إلى ديار بكر وماردين في كردستان التركية وحتى القامشلي وعامودا وبلاد الشتات. منحت لي ترجمة رواياتي إلى اللهجة الكردية السورانية فرصة الحضور في المشهد الكردي السوراني وهو مشهد غني جداً ومتنوع». ثم يفصّل دوست الحديث في تفاصيل المشهد: «المشهد الثقافي الكردي موجود بلا شك. وقد انتعشت الكتابة بالكردية بعد رفع الحظر عن اللغة الكردية في تركيا عام 1991 فنشأت دور نشر عديدة وبرزت إلى الوجود روايات قوية ودواوين شعرية جميلة وقواميس وكتب أطفال إلخ.. وكانت الثقافة الكردية بشقها الكرمانجي قبل ذلك تعبر عن نفسها في المهجر هرباً من القمع والحظر. في الجانب الآخر، أي المشهد الثقافي السوراني فنحن نشهد طفرة كبيرة بعد قيام إقليم كردستان حيث مئات الكتب تطبع وتنشر سنوياً وللمثقفين حضور بارز جداً في المشهد العام، وحيث حركة الترجمة من اللغات الأخرى إلى الكردية بلغت ذروتها في الأعوام الأخيرة. لكن للأسف فإن انقسام الكرد حالياً بين لهجتين رئيسيتين وتطور كل لهجة عن الأخرى بشكل مستقل يضعف إمكانيات توحيد اللغة الكردية. في اعتقادي أن الكردية تتجه لتصبح لغتين مستقلتين».
أما عن القارئ العربي، فيعتبره جان ذكياً وخبيراً في انتقاء الجيد، بالرغم من طغيان الرديء وجهل الكثير من القراء والقارئات. ويؤكد أن رواياته حظيت بقبول حسن خاصة ميرنامه التي صدرت عام 2011 عن مشروع كلمة في أبوظبي. كما حظيت رواية عشيق المترجم بالرغم من صدورها عن دار نشر جديدة برواج جيد واعتبرت الأكثر مبيعاً في عدد من مكتبات الإمارات.
وعن علاقته باللغة العربية، يحدثنا دوست: «أعجبت باللغة العربية منذ طفولتي. نشأت في بيت أبي الذي كان رجل دين عنده مكتبة كبيرة من كتب التراث لعل عمر بعضها ألف سنة. حتى أن مكتبته كانت تضم مخطوطات عمرها مئتا عام. قرأت المعلقات والشعر الجاهلي مع الشروحات، قرأت كتب الفقه والنحو والصرف ودرستها على والدي. تشبعت باللغة العربية وعشقتها. لغة رشيقة جميلة عالية التوتر مليئة بشحنات عاطفية يمكنك التعبير بها عن كل إحساس مهما صغر. اللغة العربية فتحت عيني على عوالم مدهشة من الإبداع وجنون الخيال. منحتني اللغة العربية فرصة دخول مملكة مترامية الأطراف، بل كون لا حدود له تسبح فيه شموس مشرقة. استفدت من هذه اللغة في تطوير لغتي الكردية أيضاً وكذلك تطوير أسلوبي في الكتابة والتعبير. ولعل هذه الميزة جعلت قراء اللغة الكردية في عموم تركيا يلتفتون إلى الأدب الكردي القادم من سوريا. لقد رأوا فيه تميزاً جميلاً لم يعرفوا سره».
إضافة لتعدد انتماءات جان دوست اللغوية، فهو ينتمي كذلك إلى أجناس أدبية عدة، بدأ بالشعر ثم القصة والرواية، كما اشتغل في الترجمة. يقول إن نار الشعر لم تنطفئ في داخله. ولا يمكن لأي كاتب أن يدير ظهره للشعر. كما أن جان، استفاد من أدواته الشعرية في الرواية بشكل كبير. ولعل أهم ما يعلق عليه القراء والنقاد بعد قراءة رواياته، كما يخبرنا دوست، هو اللغة الشعرية التي ربما يفرط فيها أحياناً.
ككاتب سوري يعيش في ألمانيا.. لا بد من الحديث عن الكتابة في المنفى. لكن دوست لا يعتبر نفسه كاتب منفى، رغم مرور ستة عشر عاماً من المنفى دون أن يرى وطنه وبلدته وحارته، وهي مدة كافية لأن تراكم مياهاً جوفية في باطن الخيال وقد حان الوقت لينفجر الينبوع، وفق تعبيرات دوست، والذي يضيف: «المكان الأوروبي أضاف لي عنصر الاندهاش في ما حولي. ما زلت أكتشف أوروبا. أراقبها بصمت. أعاني غربة روحية لا تختلف عن غربة تمرجي في دولة عربية تصر على عروبة سكانها بغض النظر عن انتماءاتهم القومية».
عالم جان الكتابي متعدد المستويات، وشخصياته تعيش في جو من التفاهم والتسامح والتحرر من الحواجز الهوياتية. ففي «عشيق المترجم» هناك بولس المسيحي والمترجم الذي يقع في غرام استير اليهودية ابنة اسحاق الأرمني وهناك الحوذي الكردي الذي يقع في هوى مياسة البدوية، أما في (وطن من ضباب)، فهناك بادين الآميدي الشاعر والمدرس والعاشق. هل يعود هذا المزيج الإنساني إلى خبرات شخصية مأخوذة من البيئة الذاتية أم خيال الروائي أو ثقافة؟ يقول جان دوست: «هناك التجربة الشخصية أولاً. عشت في كوباني مدينتي المدمرة الآن بفضل «تحريرها» في بيئة تتجاذبها هويات كثيرة. المسلمون والمسيحيون، الأرمن والكرد والتركمان والعرب. العشائر المتعددة المتناحرة. الطريقتان الصوفيتان القادرية والنقشبندية، الأحزاب المتصارعة، الغجر والقرباط، والمجموعات المنبوذة من المجتمع العشائري لأنها غير معروفة الأصل القبلي (المهاجرون) مع أنهم أكراد أقحاح قادمون من تركيا وهاربون من القمع ونتائج الثورات الجهيضة. هذه الجماعات كانت في تناحر مستمر. كل يفضل عرقه ودينه ومذهبه. كان أبي على سبيل المثال متعصباً دينياً يفضل مذهبه السني وطريقته النقشبندية ومذهبه الفقهي الشافعي ودينه الإسلامي على كل ما عدا ذلك؛ وبالعكس منه كان جدي والد أمي متسامحاً إلى أبعد الحدود وهو الذي استعان بثلاثة صناع من السريان لبناء محراب مسجده ومنبره».
ثم يذكر دوست بعض المصادر الثقافية التي أثرت حالة التسامح لديه: «في تراثنا الشرقي الصوفي أمثلة كبيرة على فكر التسامح. ابن عربي مثلاً والذي يعتبر قلبه مكاناً تجتمع فيه الكعبة ببيت الأصنام ويلتقي فيه التوراة بالقرآن والإنجيل. مثال آخر من تراثنا الكردي وهو أحمد خاني الشاعر الكبير صاحب مم وزين الذي استطاع أن يصرخ باسم الإنسانية كلها ويطالب الله ألا يدخل أحداً جحيمه حتى الكفار».
الحوار مع جان دوست ثري وطويل، تُجبرنا المساحات المُتاحة للتوقف واختزال الكثير، وفي انتظار جديد الروائي، لا بد من التوقف من وقت لآخر أمام عناوينه المهمّة، فهو فعلاً روائي لا يشبه غيره، ويصعب تصنيفه أو ردّه إلى مرجعيات روائية معروفة يُمكن القول إنه تأثر بإحداها، بل هو مجموعة اشتغالات وهواجس وثقافات وهويات، يحرّكها جميعاً دين واحد، هو الحب، كما يقول عن نفسه في صفحته على تويتر: أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ ركائبُه.
حين تقرأ لجان دوست، تشعر أنك تقرأ رواية عالمية، ثم تتذكّر أن الرواية مكتوبة باللغة العربية. كأنك تقرأ أدباً مترجماً ولكنه في الوقت ذاته، مكتوب باللغة العربية.. ربما هذه إحدى أهم مواصفات الكاتب الكردي الذي يكتب باللغة العربية. لكن القارئ لا يشعر بأي تمييز بين عالمي جان، أي روايته الكردية المترجمة إلى العربية، روايته المكتوبة باللغة العربية مباشرة... العالمان يحويان الاشتغال الدقيق ذاته، كأنه يطرز رواياته، حرفاً بحرف، مشتغلاً بدقّة النحات، وهو يهجس بالشكل، بالتبويب، بالفصول... ليأخذنا في عوالم كتابية غير مألوفة، لا في الرواية العربية المعاصرة، ولا القديمة، فهو يمزج ببراعة القديم بالمعاصر، المحلي بالعالمي، إنه جان دوست، الذي لا يشبه غيره.
الثقافة الكردية ودور اللغة العربية:
يمكن اعتبار جان دوست من الكتاب القلائل الذين يكتبون وينشرون باللغتين (العربية والكردية)، وهذا يثير تساؤلات الانتماء للمشهد الثقافي الذي يكتب فيه، يقول دوست عن المشهد الكردي: «أنتمي للمشهد الثقافي الكردي بقوة. سواء بهمومي الروائية أو بحضوري وتفاعلي مع قراء يتوزعون على خارطة شاسعة تمتد من بانه وسنندج في كردستان الإيرانية مروراً بالسليمانية وأربيل في كردستان العراق إلى ديار بكر وماردين في كردستان التركية وحتى القامشلي وعامودا وبلاد الشتات. منحت لي ترجمة رواياتي إلى اللهجة الكردية السورانية فرصة الحضور في المشهد الكردي السوراني وهو مشهد غني جداً ومتنوع». ثم يفصّل دوست الحديث في تفاصيل المشهد: «المشهد الثقافي الكردي موجود بلا شك. وقد انتعشت الكتابة بالكردية بعد رفع الحظر عن اللغة الكردية في تركيا عام 1991 فنشأت دور نشر عديدة وبرزت إلى الوجود روايات قوية ودواوين شعرية جميلة وقواميس وكتب أطفال إلخ.. وكانت الثقافة الكردية بشقها الكرمانجي قبل ذلك تعبر عن نفسها في المهجر هرباً من القمع والحظر. في الجانب الآخر، أي المشهد الثقافي السوراني فنحن نشهد طفرة كبيرة بعد قيام إقليم كردستان حيث مئات الكتب تطبع وتنشر سنوياً وللمثقفين حضور بارز جداً في المشهد العام، وحيث حركة الترجمة من اللغات الأخرى إلى الكردية بلغت ذروتها في الأعوام الأخيرة. لكن للأسف فإن انقسام الكرد حالياً بين لهجتين رئيسيتين وتطور كل لهجة عن الأخرى بشكل مستقل يضعف إمكانيات توحيد اللغة الكردية. في اعتقادي أن الكردية تتجه لتصبح لغتين مستقلتين».
أما عن القارئ العربي، فيعتبره جان ذكياً وخبيراً في انتقاء الجيد، بالرغم من طغيان الرديء وجهل الكثير من القراء والقارئات. ويؤكد أن رواياته حظيت بقبول حسن خاصة ميرنامه التي صدرت عام 2011 عن مشروع كلمة في أبوظبي. كما حظيت رواية عشيق المترجم بالرغم من صدورها عن دار نشر جديدة برواج جيد واعتبرت الأكثر مبيعاً في عدد من مكتبات الإمارات.
وعن علاقته باللغة العربية، يحدثنا دوست: «أعجبت باللغة العربية منذ طفولتي. نشأت في بيت أبي الذي كان رجل دين عنده مكتبة كبيرة من كتب التراث لعل عمر بعضها ألف سنة. حتى أن مكتبته كانت تضم مخطوطات عمرها مئتا عام. قرأت المعلقات والشعر الجاهلي مع الشروحات، قرأت كتب الفقه والنحو والصرف ودرستها على والدي. تشبعت باللغة العربية وعشقتها. لغة رشيقة جميلة عالية التوتر مليئة بشحنات عاطفية يمكنك التعبير بها عن كل إحساس مهما صغر. اللغة العربية فتحت عيني على عوالم مدهشة من الإبداع وجنون الخيال. منحتني اللغة العربية فرصة دخول مملكة مترامية الأطراف، بل كون لا حدود له تسبح فيه شموس مشرقة. استفدت من هذه اللغة في تطوير لغتي الكردية أيضاً وكذلك تطوير أسلوبي في الكتابة والتعبير. ولعل هذه الميزة جعلت قراء اللغة الكردية في عموم تركيا يلتفتون إلى الأدب الكردي القادم من سوريا. لقد رأوا فيه تميزاً جميلاً لم يعرفوا سره».
إضافة لتعدد انتماءات جان دوست اللغوية، فهو ينتمي كذلك إلى أجناس أدبية عدة، بدأ بالشعر ثم القصة والرواية، كما اشتغل في الترجمة. يقول إن نار الشعر لم تنطفئ في داخله. ولا يمكن لأي كاتب أن يدير ظهره للشعر. كما أن جان، استفاد من أدواته الشعرية في الرواية بشكل كبير. ولعل أهم ما يعلق عليه القراء والنقاد بعد قراءة رواياته، كما يخبرنا دوست، هو اللغة الشعرية التي ربما يفرط فيها أحياناً.
ككاتب سوري يعيش في ألمانيا.. لا بد من الحديث عن الكتابة في المنفى. لكن دوست لا يعتبر نفسه كاتب منفى، رغم مرور ستة عشر عاماً من المنفى دون أن يرى وطنه وبلدته وحارته، وهي مدة كافية لأن تراكم مياهاً جوفية في باطن الخيال وقد حان الوقت لينفجر الينبوع، وفق تعبيرات دوست، والذي يضيف: «المكان الأوروبي أضاف لي عنصر الاندهاش في ما حولي. ما زلت أكتشف أوروبا. أراقبها بصمت. أعاني غربة روحية لا تختلف عن غربة تمرجي في دولة عربية تصر على عروبة سكانها بغض النظر عن انتماءاتهم القومية».
عالم جان الكتابي متعدد المستويات، وشخصياته تعيش في جو من التفاهم والتسامح والتحرر من الحواجز الهوياتية. ففي «عشيق المترجم» هناك بولس المسيحي والمترجم الذي يقع في غرام استير اليهودية ابنة اسحاق الأرمني وهناك الحوذي الكردي الذي يقع في هوى مياسة البدوية، أما في (وطن من ضباب)، فهناك بادين الآميدي الشاعر والمدرس والعاشق. هل يعود هذا المزيج الإنساني إلى خبرات شخصية مأخوذة من البيئة الذاتية أم خيال الروائي أو ثقافة؟ يقول جان دوست: «هناك التجربة الشخصية أولاً. عشت في كوباني مدينتي المدمرة الآن بفضل «تحريرها» في بيئة تتجاذبها هويات كثيرة. المسلمون والمسيحيون، الأرمن والكرد والتركمان والعرب. العشائر المتعددة المتناحرة. الطريقتان الصوفيتان القادرية والنقشبندية، الأحزاب المتصارعة، الغجر والقرباط، والمجموعات المنبوذة من المجتمع العشائري لأنها غير معروفة الأصل القبلي (المهاجرون) مع أنهم أكراد أقحاح قادمون من تركيا وهاربون من القمع ونتائج الثورات الجهيضة. هذه الجماعات كانت في تناحر مستمر. كل يفضل عرقه ودينه ومذهبه. كان أبي على سبيل المثال متعصباً دينياً يفضل مذهبه السني وطريقته النقشبندية ومذهبه الفقهي الشافعي ودينه الإسلامي على كل ما عدا ذلك؛ وبالعكس منه كان جدي والد أمي متسامحاً إلى أبعد الحدود وهو الذي استعان بثلاثة صناع من السريان لبناء محراب مسجده ومنبره».
ثم يذكر دوست بعض المصادر الثقافية التي أثرت حالة التسامح لديه: «في تراثنا الشرقي الصوفي أمثلة كبيرة على فكر التسامح. ابن عربي مثلاً والذي يعتبر قلبه مكاناً تجتمع فيه الكعبة ببيت الأصنام ويلتقي فيه التوراة بالقرآن والإنجيل. مثال آخر من تراثنا الكردي وهو أحمد خاني الشاعر الكبير صاحب مم وزين الذي استطاع أن يصرخ باسم الإنسانية كلها ويطالب الله ألا يدخل أحداً جحيمه حتى الكفار».
الحوار مع جان دوست ثري وطويل، تُجبرنا المساحات المُتاحة للتوقف واختزال الكثير، وفي انتظار جديد الروائي، لا بد من التوقف من وقت لآخر أمام عناوينه المهمّة، فهو فعلاً روائي لا يشبه غيره، ويصعب تصنيفه أو ردّه إلى مرجعيات روائية معروفة يُمكن القول إنه تأثر بإحداها، بل هو مجموعة اشتغالات وهواجس وثقافات وهويات، يحرّكها جميعاً دين واحد، هو الحب، كما يقول عن نفسه في صفحته على تويتر: أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ ركائبُه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.