اليوم| بدء صرف منحة ال400 جنيهًا على بطاقة التموين... انتظر رسالة الاستلام على هاتفك    على أصوات هدر البوارج الحربية، جنيف تستضيف اليوم المحادثات النووية بين واشنطن وطهران    واشنطن: حجم طلبات شراء الأسلحة الأمريكية بلغ 900 مليار دولار    اليوم، قرعة ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا والكونفدرالية بمشاركة الرباعي المصري    حبس 5 أفارقة بتهمة الشروع في قتل مالك صالون حلاقة بالمنيرة الغربية    دار الإفتاء تستطلع هلال شهر رمضان اليوم    الرئيس الكيني: نسعى لتعزيز شراكتنا القوية مع مصر في التجارة والاستثمار والتصنيع    تاس نقلا عن مصدر: مفاوضات جنيف تسعى للاتفاق على مبادئ إطار لتسوية الأزمة الأوكرانية    حكم صوم يوم الشك بنية كفارة اليمين؟.. الإفتاء تجيب    ضبط سيدة متهمة بفرض «إتاوة» على سائق سيارة ميكروباص بأحد الطرق في الإسكندرية    نائب الشيوخ بالمنيا يطالب بتحديث تسعير العلاج على نفقة الدولة لضمان الاستدامة الصحية    بتوقيع عزيز الشافعي«إخوات» تشعل المشاعر قبل العرض.. أغنية "أولاد الراعي" تروي وجع الفراق ولمّة الدم بصوت إبراهيم الحكمي    تامر أمين لجمهور الأهلي بعد مباراة الجيش الملكي: العقل يقول أعمل حاجة تفيد فريقي مش الخصم    متحدث فتح: ضم أراضي الضفة امتداد للحرب على غزة    الصحة: إنهاء معاناة 3 ملايين مريض ضمن مبادرة قوائم الانتظار بتكلفة 31 مليار جنيه خلال 7 سنوات    الرجفة ليست مقياسا، 4 علامات تحذيرية مبكرة لمرض باركنسون    تصريحات عاجلة ل ترامب وقرارات بشأن "مجلس السلام فى غزة" وتايوان.. فيديو    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الثلاثاء 17فبراير    الإفتاء: التهنئة بقدوم شهر رمضان جائزة ولا حرج فيها    دعاء الفجر.. أدعية تزيل الهموم وتجلب الخير    حقيقة اهتمام مانشستر يونايتد وتشيلسي بالتعاقد مع يورجن كلوب    قمة الذكاء الاصطناعي «Ai Everything» تشهد توقيع كتاب تروما الصحافة الاقتصادية    الجمال القابضة وLectrobar توقعان اتفاقية شراكة في مجال أنظمة الباص واي    6 مطالب من المواطنين لمحافظ أسيوط الجديد الرقابة وتقنين الأراضي وتطوير العشوائيات    عمرو سعد يتكفل ب30 غارمًا وغارمة ب10 ملايين جنيه تزامنًا مع مسلسله «إفراج»    وزير الخارجية: مصر حققت ما لم تحققه أي دولة أخرى في 10 سنوات باستثمارات 600 مليار دولار في البنية التحتية    رئيس رابطة الأندية: لم نتلقَّ برنامجًا للمنتخب المشارك في كأس العرب    محافظ أسوان الجديد: الملف السياحي على رأس أولوياتنا خلال المرحلة الحالية    الجيش النيجيري يؤكد وصول قوات أمريكية للبلاد    السفير المصري لدى الفلبين يستقبل وفداً من الطلاب الدارسين في الجامعات الفلبينية    إحالة عامل للجنايات بتهمة إنهاء حياة زوجته حرقًا في الإسكندرية    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 17 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    وليد دعبس يدعو لاجتماع طارئ بسبب أزمة التحكيم: الأندية تُنفق الملايين وحقوقها تُهدر    لماذا لم يشارك محمد رمضان في سباق الدراما بعد جعفر العمدة؟.. ناقد فني يوضح    د.حماد عبدالله يكتب: "عبقرية" المصريين !!    ضبط «صيدلي» انتحل صفة طبيب بشري بسوهاج    طريقة عمل الأرز المقلي بقطع اللحم على الطريقة الآسيوية    جمال شقرة يدعو زاهي حواس إلى مناظرة علنية حول ثورة 23 يوليو وتاريخ مصر الحديث    السيطرة على حريق هائل بمخزن قطع غيار سيارات أسفل عقار سكني في بنها | صور    أمانة طاقم إسعاف.. "عادل وأسامة" أعادوا 370 ألف جنيه لمصاب بحادث بالبحيرة    جوان جارسيا: هدف تقدم جيرونا كان من مخالفة ولكن    أشرف داري يكشف عن شرطه الوحيد للرحيل عن الأهلي    ماروتا: تمثيل باستوني؟ يوفنتوس تأهل لأبطال أوروبا بسبب حادثة مشابهة ضدنا    سكوت ريتر: حاملة الطائرات أبراهام لينكولن هدف سهل لإيران مثل "بطة جالسة" تنتظر الغرق    الباحثة هاجر سيد أمين تحصل على درجة الماجستير بتقدير امتياز عن دراسة الأمثال الشعبية    جراحة مجهرية ببنها تنقذ رضيعاً من عيب خلقي بالمريء    أين تحفة برلين السينمائية؟.. تساؤلات مشروعة حول برمجة أفلام المسابقة الرسمية بالدورة ال76.. الجمهور ينتظر بشغف وتعطش رغم برودة الطقس فى ظل تراجع مستوى الأعمال المقدمة    بعد نهار حار.. انخفاض فى درجات الحرارة بمحافظة بورسعيد.. فيديو    أنوار وزينة رمضان.. فرحة أهالى بورسعيد بقرب حلول شهر رمضان.. فيديو    أخبار مصر اليوم: السيسي يشهد أداء المحافظين الجدد اليمين الدستورية.. رئيس الوزراء يستعرض أولويات المرحلة المقبلة في الملفات الاقتصادية.. الأرصاد تحذر من انخفاض كبير بدرجات الحرارة    نقابة الأشراف تحسم الجدل حول نسب «زينة» ونجليها    جامعة الدلتا التكنولوجية تشارك في ملتقى الشراكات التعليمية الدولية بالقاهرة    محافظ المنوفية الجديد يقدّم خالص الشكر للمحافظ السابق    تحصيل القمامة واكتمال منظومة ضبط التوكتوك.. أبرز ملفات محافظ الغربية الجديد    «المدينة التي لا تغادر القلب».. كلمات وداع مؤثرة لمحافظ الإسكندرية قبل رحيله    ذات يوم.. 16 فبراير 1955..الدكتور طه حسين يكشف للشاعر كامل الشناوى عن مشاعره أثناء طوافه حول الكعبة بمكة ووقوفه أمام قبر الرسول عليه السلام فى المدينة المنورة    طلب إحاطة بالنواب حول الكود الإعلامي للطفل وآليات تطبيقه في مواجهة الانتهاكات    عاجل- الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف بالمساجد خلال شهر رمضان 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نصر علام يكتب عن أزمة الرى
نشر في الوفد يوم 16 - 09 - 2011

إن ملف مياه حوض نهر النيل ملف شائك ومشاكله المائية بالغة التعقيد ومتعددة العناصر والأسباب، ولذلك فان بدائل الحلول قد تكون شديدة التباين كما أن الاختيار فيما بينها قد يكون
شديد الصعوبة. ان الاختيار أو التفضيل بين بدائل الحلول والمسارات في مثل هذا الملف الدولي الحساس لايخضع في الغالب لقواعد الصواب والخطأ بقدر خضوعه لتقديرات الخبراء للنتائج المتوقعة والآثار المترتبة علي تنفيذ كل من المسارات المقترحة. وقبل أن أعرض هنا مقترحاتي للحلول أود أن أؤكد احترامي وتقديري لأي اختلاف معي في الفكر أو في التحليلات الفنية طالما أن الهدف من الاختلاف هو تحقيق المصلحة العليا للوطن.
الحلول المقترحة هنا لمشاكل المياه لملف حوض النيل بعضها تقليدي وبعضها مختلف وأري أنها من الممكن أن تمثل محاور للتحرك المصري في هذا الملف المهم لمصر ومستقبلها. وهذه المحاور تشمل المحور الداخلي أي القومي، ومحور مصر والسودان، ومحور مصر والسودان والقوي السياسية الدولية والجهات المانحة، ومحور مصر والسودان ومشاريع السدود والتنمية المائية في دول المنبع، ومحور مصر والسودان ومبادرة حوض النيل والاتفاقية الاطارية. ويلاحظ هنا أن السودان يمثل الشريك الدائم لمصر في جميع محاور التحرك المصري الاقليمي لما يربط البلدين من أواصر وعلاقات أزلية بالاضافة الي اتفاقية 1959 المبرمة بين البلدين.
1- المحور الداخلي أو المحور القومي أهم هذه المحاور وأصعبها لأنها تتطلب تغييرا كبيرا لتفهم القيادة السياسية وللمجتمع ككل لأهمية المياه ومشاكلها وكيفية التعامل معها واعطائها الأولوية ضمن برامج التنمية المختلفة. التعامل مع مشكلة الندرة المائية التي تتعرض لها مصر حاليا وستتفاقم مستقبلا يتطلب تغييرا شاملا في نظرة المجتمع ككل لشبكتي الري والصرف علي أنهما شرايين وأوردة الحياة في مصر والمحافظة عليهما من المخلفات السكانية والزراعية والصناعية السائلة والصلبة، وأن الاسراف في الاستخدامات المائية يعتبر تعديا علي مستقبل الأجيال القادمة وعلي أمن مصر القومي، وأن نتعلم كيف نتعايش مع عصر الندرة المائية بعد أن كنا نعيش عصر الوفرة المائية وذلك كنتيجة مباشرة للزيادة السكانية المتفاقمة التي شهدتها مصر خلال العقود القليلة الماضية. ولتحقيق ذلك نحتاج الي حملة قومية للتوعية الشعبية من خلال وسائل الاعلام المختلفة ومن خلال تطوير المناهج الدراسية في المدارس ومن خلال تسيير حملات من المختصين الي النجوع والقري والمدن لتوعية المواطنين بأهمية المياه والمحافظة عليها من الاهدار والتلوث. ان ماحدث هذ العام من زيادة في مساحة محصول الأرز الي 1.7- 1.8 مليون فدان بعد النجاح الكبير الذي حققته الدولة في النزول بالمساحة الي 1.25 مليون فدان خلال العامين الماضيين يعتبر تقهقرا كبيرا الي الخلف في ادارة المنظومة المائية وبما يهدد البلاد بسنوات جفاف ويقلل مخزون المياه أمام السد العالي ويقلل انتاج السد من الكهرباء خاصة مع انخفاض ايراد النهر الذي شهدته البلاد العام الماضي ونتعايشه أيضا هذا العام. وبالاضافة الي التوعية الشعبية نحتاج الي تطوير المنظومة التشريعية والمؤسسية لمعالجة المشاكل الفنية والسلوكية القائمة والوهن المؤسسي وذلك لتحقيق ادارة فعالة للموارد المائية. ويتطلب هذا المحور الهام أيضا توافر الارادة السياسية والدعم الشعبي والكوادر الفنية المؤهلة وموارد مالية كبيرة لاعادة تأهيل الشبكات المائية، وترشيد الاستخدامات المائية الزراعية والسكانية والصناعية، وحل مشاكل نهايات الترع، والتعامل مع مشاكل التلوث في مجارينا المائية. وكمطلب رئيسي لتفعيل الادارة المائية يجب تحفيز العاملين في وزارة الموارد المائية والري من مهندسين وفنيين واداريين.
وكانت وزارة الموارد المائية والري قد انتهت في منتصف عام 2010 من اعداد الاستراتيجية المائية المصرية حتي عام 2050 وتم اعتمادها من مجلس الوزراء وهي تتضمن سيناريوهات لترشيد الاستخدامات المائية المنزلية والزراعية والصناعية وتفاصيلها الفنية وسيناريوهات لتنمية الموارد المائية وذلك بهدف الايفاء بالاحتياجات المائية للبلاد حتي عام 2050. وتوضح الاستراتيجية لقطاع الزراعة أنه هناك أهمية كبيرة للحد من زراعة المحاصيل الشرهة للمياه خاصة الأرز والقصب والموز، وتعميم نظم الري الحديثة في أراضي التوسعات الزراعية الجديدة، والتوسع في مشاريع تطوير الري السطحي في أراضي الوادي والدلتا، وتطوير المزارع السمكية لترشيد الاستخدامات المائية وتعظيم الإنتاجية، وتكثيف برامج توعية المزارعين بمشاكل مياه الري علي المستوي القومي وايضاح أهمية المحافظة عليها لاستمرار الأنشطة الزراعية. وتوضح أيضا الاستراتيجية أنه بجانب ترشيد الاستخدامات المائية فان مصر في حاجة الي التوسع في اعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصرف الصحي المعالج وفي استغلال المخزون الجوفي العميق في الصحراء الغربية وفي سيناء، والتوسع في تكنولوجيا التحلية، واستكمال الجهود المصرية السودانية لاستقطاب فواقد النهر لصالح شعبيهما. وتنبه الاستراتيجية الي ضرورة الاهتمام بمخزوننا من المياه الجوفية من خلال وضع وتفعيل ضوابط لحسن إدارة المياه الجوفية وتقليل السحب الجائر الذي تتعرض له بعض الخزانات الجوفية بما يضمن ترشيد استخدامات هذا المورد الهام واستدامته. وأخيرا توضح الاستراتيجية أهمية المحافظة علي حصة مصر المائية وأن مصر لا تحتمل أي نقص في حصتها المائية.
ومن الناحية التشريعية فانه بالفعل قد تم الانتهاء العام الماضي من مشروع قانون لتعديل قانون الري رقم 12 لعام 1982 وأقره مجلس الوزراء وتم تحويله الي مجلس الشعب. ويتعامل هذا المشروع مع جميع المخالفات والمشاكل والمستجدات التي ظهرت منذ اصدار قانون الري الحالي أي منذ حوالي 3 عقود. وتشمل هذه التعديلات التعامل مع مخالفات استخدام مياه الصرف الصحي المعالج في الزراعة، المزارع السمكية المخالفة، فتحات الري المخالفة، والري بالغمر في الأراضي الرملية، والتعديات علي مخرات الأودية وعلي المجاري المائية وغيرها من المخالفات. وهناك أيضا مشروع قانون ادارة المياه الجوفية الذي اعتمدته المجموعة التشريعية لمجلس الوزراء ليتم تحويله الي مجلسي الشعب والشوري. ويقدم هذا المشروع الاطار المؤسسي والتشريعي لسياسة تصاريح الآبار الجديدة.
2- مصر في حاجة ماسة لتكوين مجموعات مصرية بحثية دائمة للبحث والتنقيب علي امكانات حوض نهر النيل وأحواضه الفرعية والمشروعات المحتملة للتنمية وآثار هذه المشاريع علي مصر وتحديد المشاريع التي تحقق التقدم والتنمية في حوض النيل بدون آثار سلبية علينا وكذلك مشاريع استقطاب الفواقد لزيادة ايراد النهر لصالح دول الحوض. نحتاج أن نسبق الآخرين في دراسة احتياجات دول وشعوب الحوض وكيفية تحقيقها من خلال التنمية المستدامة للنهر وروافده وبدون الاضرار بمصر وحقوقها المائية. وأثناء فترة تكليفي بالوزارة كنت قد قمت بإنشاء مركز لبحوث الموارد المائية في قطاع مياه النيل لتطوير الدراسات في هذا الاتجاه وتم تجهيزه بأحدث تقنيات أنظمة المعلومات ونظم المعلومات الجغرافية وبعض الموارد البشرية، ونظرا لنقص الكوادر البشرية المؤهلة حاليا في قطاع النيل بوزارة الري فإنه قد يكون من الأنسب الاستعانة بالقاعدة العريضة من العلماء المتوفرة بالجامعات المصرية, وكنت قد استعنت بعدد منهم لاجراء دراسات حول سدود دول المنبع وكذلك لتدريب الكوادر الشابة الواعدة في الوزارة. واعدادا للمستقبل فانني أري البدء في ارسال شباب مهندسي الوزارة وباحثيها وكذلك شباب الباحثين في الجامعات المصرية في بعثات الي الجامعات الرائدة علي مستوي العالم لدراسة النماذج الرياضية والاحصائية لادارة أحواض الأنهار المشتركة واستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية وتصميمات السدود العملاقة التي يصل ارتفاعاتها في أثيوبيا الي مايقرب من 300 متر ومخاطرها البيئية والانشائية وكذلك تصميمات محطات الطاقة الكهرومائية الحديثة وأيضا لدراسة التغيرات المناخية وتأثيراتها المتوقعة علي منطقة حوض النيل. من الضروري أيضا الاهتمام بنوعية وثقافة وتدريب أعضاء البعثات الدبلوماسية المصرية بدول الحوض ليكون لهم خلفيات كافية ليس فقط عن طبيعة الشعوب وعاداتها ومواقفها السياسية وأوضاعها الاقتصادية وتقسيماتها القبلية بل أيضا عن ظروفها المائية وطبيعتها الهيدرولوجية والهيدروجيولوجية واحتياجاتها للتنمية المائية ذلك بالاضافة الي الوضع المائي المصري ومدي تأثره بالسدود والتنمية الزراعية في كل من دول المنبع.
3- ان السودان شمالا وجنوبا يمثلان أهم شريك لمصر في المستقبل المنظور فكلاهما يحتاج لدعم وخبرة واستثمارات مصر ومن الناحية الأخري فان البلدين لديهما الموارد المائية والتي من الممكن أن تزيد ايراد النهر، وبهما الأراضي الصالحة للزراعة والرعي، وبهما ثروات من المواد الخام، ويربطنا بشعبيهما مشاعر وأواصر وعلاقات طيبة ولغة واحدة، ويمثلان سوقا واعدة للصناعة المصرية الناهضة وللعمالة المصرية الماهرة. وتؤكد الظروف القومية والاقليمية والدولية المحيطة بمصر والسودان أنه كان ولايزال الوضع الأفضل لهما هو في اتحادهما بشكل مناسب من اشكال الوحدة الكونفدرالية أو الاقتصادية وبما يقوي ويدعم كل من البلدين في مواجهة التحديات الهائلة التي تواجههما. وقد لا تكون الظروف الحالية التي يمر بها حاليا كلا البلدين مناسبة لتحقيق هذا الاتحاد الا أنني أتمني قيام الطرفين بدراسة امكانية وكيفية تحقيقه في المستقبل المنظور. ان الوحدة بين البلدين ستؤدي الي أجهاض مايحاك حاليا علي المستوي الاقليمي والدولي لتقطيع أوصال السودان واجهاض محاولات الوقيعة بين البلدين للاستفراد بهما واحد بعد الآخر.
وأحد أهم التحديات الرئيسية لكلا البلدين كانت ومازالت مشاكل ملف حوض النيل وكانت كل من مصر والسودان علي قلب رجل واحد منذ بداية مبادرة حوض النيل. ومحور التحرك مع السودان له أبعاد عديدة منها علي سبيل المثال امكانية اشراك جنوب السودان كشريك رئيسي مع مصر ومع شمال السودان في الهيئة الفنية المشتركة لمياه النيل التي تم انشائها عقب اتفاقية 1959، وقد يكون من الأنسب أن تقوم الهيئة بدور رئيسي لتقسيم الحصص مابين شمال وجنوب السودان بدلا من أن نترك المجال لدولة أخري في الحوض تستضيف مثل هذه المفاوضات الفنية الشديدة الخصوصية والعلاقة باتفاقية 1959. وأري الاتفاق من خلال الهيئة الفنية المشتركة مع شمال وجنوب السودان علي اعداد دراسات تفصيلية حديثة لمشاريع استقطاب الفواقد في جنوب السودان للتأكيد علي تقليل التأثير علي البيئة وعلي أنشطة الزراعة والرعي القائمة في مناطق البرك والمستنقعات ولاعداد هذه المشاريع كمحاور رئيسية لتنمية الجنوب وذلك لاقناع الخاصة والعامة في جنوب السودان بالفوائد الجمة لهذه المشاريع التي سوف تشمل تشييد الطرق الرئيسية والسكك الحديدية بجوار قنوات استقطاب الفواقد وأن يتم بطول هذه القنوات انشاء مآخذ مياه للمواطنين لأغراض الزراعة والرعي، وأماكن سياحية، وتطوير النقل النهري، وتنمية الثروة السمكية.
وأري أن تقوم الهيئة أيضا بمناقشة الآثار السلبية للسدود الأثيوبية علي كل من مصر والسودان واستعراض نتائج الدراسات المصرية والسودانية في هذا الشأن وتوحيد الرؤي نحو هذه السدود من منطلق اطار اتفاقية 1959 التي تحكم العلاقة المائية بين البلدين. ان الدراسات المصرية في هذا الشأن توضح أن لهذه السدود آثاراً وخيمة علي كلا البلدين، وبعض المختصين في السودان يري أن السدود لها بعض الفوائد للسودان تشمل بجانب الكهرباء تقليل وصول المواد الرسوبية الي سدودها والبعض الآخر في السودان يري خطورتها السياسية وخاصة في مجال احتكار وتصدير الطاقة، ولذلك يجب مناقشة هذه الرؤي والوصول الي رؤية موحدة قبل اجتماعات اللجنة الثلاثية التي تضم أثيوبيا بجانب البلدين لدراسة سد النهضة الأثيوبي وآثاره علي دولتي المصب. ونتائج الدراسات المصرية متقاربة مع نتائج دراسة أعدتها جامعة ديوك الأمريكية وتم نشرها في شهر نوفمبر 2010 في دورية «بحوث الموارد المائية» التي يصدرها الاتحاد الجيوفيزيقي الأمريكي وهي أكثر الدوريات العالمية شهرة في مجال الموارد المائية وذلك عن سد مندايا الأثيوبي وآثاره المتوقعة علي دولتي المصب، علما بأن سد مندايا تبلغ سعته أقل من 50 مليار متر مكعب أي أقل من سعة سد النهضة بأكثر من 10 مليارات متر مكعب. وتطرقت الدراسة الأمريكية أيضا الي الآثار المتوقعة للتغيرات المناخية علي ايراد النهر لدولتي المصب. وقد انتهت الدراسة الي أن اقامة هذا السد سيؤدي الي انخفاض انتاج الكهرباء من السد العالي وخزان أسوان بمقدار 600 ميجاوات تزداد إلي 1200 ميجاوات مع التغيرات المناخية، وأن أقصي عجز سنوي في حصة مصر نتيجة للسد سيصل الي 9 مليارات متر مكعب ومثلها من حصة السودان، ويزداد هذا العجز المائي الي 12 مليار متر مكعب من حصة مصر ومثلها من حصة السودان مع التغيرات المناخية. فهل تحتمل السودان 50-70% عجزا في حصتها المائية نظير تقليل كميات المواد الرسوبية الواردة الي سدودها وهي التي تستخدم حاليا مايقرب من حصتها المائية كاملة؟ أعتقد في رأيي الشخصي أن توحيد الرأي والرؤي المصرية السودانية في هذا الشأن لن يتطلب جهدا أو وقتا كبيرا استنادا الي نتائج الدراسات المصرية والسودانية والدولية في هذا الشأن والي الوضع المائي الحرج لكلا من البلدين.
4- من الضروري استمرار الحوار مع القوي السياسية الدولية والجهات المانحة حول مشاكل ملف حوض النيل وحول الآثار السلبية للسدود الأثيوبية المقترحة. وكانت وزارة الخارجية المصرية قد بدأته بالفعل لشرح وجهة نظر مصر من عدم التوقيع علي الاتفاقية الاطارية والتبعات القانونية والمؤسسية لتوقيع دول المنبع المنفرد عليها. وبالرغم من استمرار الدول المانحة في دعم أنشطة المبادرة بالرغم من انقسام الحوض مابين دول المنبع ودول المصب، فانه من المفيد ومن الضروري استمرار بل وزيادة مساحة الحوار البناء مع الجهات المانحة لشرح وجهة النظر نحو السدود الأثيوبية موضحة بالأرقام آثارها السلبية علي كل من مصر والسودان. وكنت قد أشرفت علي اعداد كتيب عن الوضع المائي ومشاكله في مصر وكتيب اخر عن الموارد المائية المتوفرة بدول المنبع مقارنة بالندرة المائية في مصر، وتم توزيعهما علي الجهات المانحة والسادة السفراء المصريين في دول حوض النيل وغيرهم وكانا لهما وقع مهم وطيب. وقد يكون الوقت مناسبا الآن لأن نعد كتيبا عن السدود الأثيوبية وآثارها السلبية وتبعات ذلك الاقتصادية والاجتماعية والسياسية علي دولتي المصب وتوزيع نسخ منه الي الجهات المانحة والقوي السياسية الدولية. وأري بذل جهود مضاعفة واستمرار الحوار مع الصين التي تشارك في تمويل العديد من سدود دول الحوض وفي تمويل سد النهضة الأثيوبي وقبله سد تاكيزي الأثيوبي علي نهر عطبرة. ان العلاقات التاريخية للصين مع مصر ومواقف مصر المؤيدة للصين في جميع المحافل الدولية والدعم التاريخي للصين لقضايا مصر ومشاكلها الدولية تؤكد علي حرص البلدين علي نعميق علاقاتهما الوطيدة والحفاظ علي مصالح شعبيهما. وأنا علي يقين اذا تأكد للصين الأضرار الجسيمة لسد النهضة أو غيره من السدود علي مصر فانها لن تشارك أبدا في تمويله. علي مصر أن تعرض نتائج دراساتها والدراسات الدولية علي المختصين في الصين لتتضح الصورة كاملة لهم.
5- معظم المشاريع والاستثمارات والسدود المعلن عنها حتي الآن في الهضبة الاستوائية ليست لها آثار كبيرة علي مصر والسودان وعلي أمنهما المائي، ولكن السدود الأثيوبية لها آثارها السلبية الضخمة علي كل من دولتي المصب. الحوار مع أثيوبيا بمشاركة السودان يجب أن يكون له أولوية في تحركات مصر في ملف حوض النيل وذلك من منطلق أهمية هذه الدولة لدولتي المصب علي الأقل من الناحية المائية. ومن الضروري أن يشمل الحوار مع أثيوبيا استغلال المساحات الهائلة للبرك والمستنقعات المنتشرة في منطقة البارو أكوبو في أثيوبيا للتعاون معا لاستقطاب كميات من الفواقد المائية الضخمة في هذه المنطقة مما يوفر المياه للاستثمارات الزراعية الضخمة المخططة هناك في أثيوبيا ويزيد أيضا من ايراد نهر السوباط الذي يصب في النيل الأبيض بعد مروره بمنطقة مستنقعات ضخمة في منطقة مشار في جنوب السودان والتي من الممكن أيضا استقطاب جزء من فواقدها كمحور للتنمية بجنوب السودان ولزيادة ايراد النهر لصالح شعوب حوض النيل الشرقي.
وفي المقال القادم وهو الأخير في هذه السلسلة من المقالات سوف نستعرض معا المحاور المقترحة للتحرك المصري بالمشاركة مع السودان نحو السدود الأثيوبية وسد النهضة ونحو الاتفاقية الاطارية وكذلك نحو مبادرة حوض النيل!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.