الداخلية تقرر إيقاف ضابط وإحالته للتحقيق لتجاوزه ضد مواطن بالقاهرة    تعطيل 17% من صادرات الغاز القطري بعد هجمات إيران    ترامب: طلبت من إسرائيل عدم استهداف حقل بارس.. ونواصل التفوق العسكري بإيران    برنامج علاجي وتأهيلي لظهير الزمالك بعد إصابته    محافظ القاهرة: أى محاولة لاستغلال إجازة عيد الفطر للبناء المخالف ستقابل بمنتهى الحزم    دار الإفتاء: غداً أول أيام عيد الفطر المبارك لعام 2026    علاقة سكر الدم بمشاكل عصب الأسنان    علي جمعة يحدد «الشهامة» و«النصح» كأهم معايير اختيار الصديق الحقيقى    الأب أندراوس الأنطوني يزور سفارة مصر في لبنان    رئيس جامعة المنيا يُهنئ الرئيس السيسي بعيد الفطر    محافظ الدقهلية يتفقد الحالة المرورية بشوارع المنصورة استعدادًا لعيد الفطر    إنزاجي يمنح لاعبي الهلال 7 أيام راحة    استشهاد شرطي ومقتل 3 عناصر خطرة في معركة تطهير الأقاليم من المخدرات    الحاجة ناهد دهشان الأم المثالية بالشرقية: كافأنى الله وأكرمنى فى أولادى.. فيديو    المفتى: الأعياد في الإسلام طاقة رحمة ومناسبة لترسيخ التكافل ووحدة الأمة    بي بي سي: إحاطة هيجسيث جاءت خالية من الحديث عن مضيق هرمز    محافظ المنوفية يستقبل وفد الكنيسة الإنجيلية لتقديم التهنئة بعيد الفطر المبارك    وزيرة التنمية المحلية: سرعة حسم طلبات تقنين أراضى الدولة وعقود جديدة ب3 محافظات    محافظ أسوان يوجه برفع درجة الاستعداد القصوى لمواجهة التقلبات الجوية    محافظ أسوان: خطة متكاملة للارتقاء بالمظهر الحضاري والخدمات السياحية (صور)    "فيفا" يناقش مشاركة إيران في كأس العالم 2026    محافظ المنوفية يهنئ عصمت عبدالحليم لفوزها بالمركز الثالث في مسابقة الأم المثالية    أيقونة الصبر في دمياط، مريم مرعي أم مثالية هزمت "اللوكيميا" بوفاء الزوجة وكفاح الأم    عمل متميز..عمرو الليثي يشيد ب"حكاية نرجس"    فقدت الزوج والابن وخرجت 3 أطباء.. الأم المثالية بكفر الشيخ حكاية صبر لا تنكسر    «الرعاية الصحية»: رفع درجة الاستعداد القصوى خلال احتفالات العيد بمحافظات التأمين الشامل    القائمة النهائية للمتقدمين لمنصب رئيس جامعة مطروح    «الصحة» تكشف مواعيد عمل الوحدات ومكاتب الصحة خلال إجازة عيد الفطر    احذرلقمة فسيخ وقطعة رنجة.. قد تنتهي بأزمة صحية في العيد    جاهزية الحجر الصحي بمعبر رفح البري خلال عيد الفطر المبارك    أهالى قرية الفنت يستقبلون نجم دولة التلاوة فى زفة تجوب شوارع القرية.. فيديو وصور    إغلاق المسجد الأقصى يدخل يومه ال20.. وحرمان مئات الآلاف من صلاة عيد الفطر    وزير الحرب الأمريكي: حربنا ضد إيران ليست مستنقعًا مثل العراق وأفغانستان    السنغال تواجه عقوبات جديدة بعد سحب لقب كأس أمم أفريقيا    محافظ المنوفية يكرم عاملاً بقسم الحدائق بأشمون لإخلاصه وتفانيه فى العمل    كامل الوزير يكرم الأمهات المثاليات في وزارة النقل لعام 2026    محافظة كفر الشيخ تعلن الانتهاء من استعدادات استقبال عيد الفطر    بسبب خصومة ثأرية من 12 عامًا.. مقتل شخص وإصابة آخر بمقابر أطسا فى الفيوم    رئيس أركان جيش الاحتلال يحذر من تسارع تعافي قوة حزب الله.. والحكومة ترفض خطته العسكرية    حافظ الشاعر يواصل كتابة سلسلة مقالاته «رمضان..حين يعود القلب إلى الحياة»..المقال(الأخير)..الليلة الأخيرة من رمضان.. حين تكتب الخواتيم ..ها نحن نقف على عتبة الوداع    «البورسعيدية» يحتفلون بين شارع طرح البحر وحديقتى المسلة وفريال    بعد المغرب.. مفتى الجمهورية يعلن موعد أول أيام عيد الفطر المبارك 2026    الكويت تعلن إخماد الحريقين بمصفاتي ميناءي الأحمدي وعبدالله    الخلاف المتكرر.. ما حكم إخراج زكاة الفطر نقداً؟    مدير نادي زد: هدفنا منافسة الكبار في الفترة المقبلة على البطولات    إعلام إسرائيلي عن مصادر: الجيش دمر 6 سفن حربية إيرانية الليلة الماضية    واشنطن بوست: البنتاجون يطلب 200 مليار دولار لمواصلة الحرب على إيران    الإحصاء:7.45 مليار دولار صادرات مصر لدول شرق أوربا 2025    كحك العيد.. خطوات ومقادير لطعم لا يقاوم    بنتلي تعتزم طرح أول سيارة كهربائية من إنتاجها العام المقبل    البطريرك ثيودوروس الثاني يحيي ذكرى البطريرك إيليا: "لقد أحبني كأب"    دعاء يهز القلوب.. فجر 29 رمضان من مسجد الصفا بكفر الشيخ (لايف)    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 19 مارس    هيثم عرفة يشيد بحملة دعم السياحة واستمرار رحلات الشارتر رغم التوترات    شباب بلوزداد يستعد للمصري بالفوز على اوليمبي الشلف بهدفين لهدف    لا يزال أكثر من 19 صحفياً محبوسين احتياطياً .. إطلاق سراح محمد أوكسجين بعد 6سنوات من الحبس    تودور: أداء توتنام كان مميزا رغم الخروج.. واللاعبون قدموا كل شيء    تعرف على جميع مواجهات ربع نهائي دوري أبطال أوروبا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الزهار يكشف أسرار تمرد الأمن المركزى
نشر في الوفد يوم 26 - 08 - 2011

وقعت أحداث الأمن المركزي في أواخر شهر فبراير سنة 1986، وكانت المرة الأولي التي تقوم فيها قوات نظامية مهمتها
حفظ الأمن، بالخروج علي الأمن.. هرع جنود الأمن المركزي إلي الشوارع في عشر محافظات مصرية في وقت واحد، وقاموا بتدمير كل ما طالته أيديهم من ممتلكات خاصة وعامة في أكبر حوادث تخريب وفوضي تشهدها مصر في تاريخها الحديث.
طوال هذه الفترة، التي تجاوزت ربع قرن من الزمان، تم فرض سياج هائل من السرية والكتمان حول تلك الأحداث ولم تبذل أية محاولة للكشف عن أبعادها وأسبابها الحقيقية والجناة الذين أشعلوها.. المحاكم التي أحيلت إليها أوراق قضايا تلك الأحداث أصدرت قرارات بتأجيل نظر كافة القضايا إلي أجل غير مسمي، بعدما وجد القضاة أمامهم أوراقا خالية من أية معلومات أو أدلة، ولم يجدوا أمامهم سوي مئات من جنود الأمن المركزي «الغلابة» تم حشدهم داخل «اقفاص الاتهام» دون أن يكون لدي أي منهم أية معلومة تتعلق بتلك الأحداث!
في الحلقة السابقة أشرنا إلي أن القراءة المتعمقة لأحداث الأمن المركزي كانت تشير إلي أن الهدف الرئيسي من وراء إشعال تلك الأحداث كان التخلص من اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية الذي لم يكن قد مر علي توليه منصب الوزارة سوي عام ونصف فقط ولكنه ومنذ اليوم الأول لتوليه منصب الوزارة قاد حربا جادة وحقيقية علي تجار المخدرات وأباطرة الفساد، وهو نهج بعث الرعب في قلوب الكثير من مؤازري ومناصري النظام وكبار رموزه، الذين كان الضلوع في الفساد نمطا أساسيا في ادائهم العام.
أصابع الاتهام اشارت إلي مجموعة من أبرز رموز النظام القائم ممن يشغلون أكبر المناصب السياسية والتنفيذية والتشريعية، خططوا لإحراج اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية وإظهاره أمام الرأي العام كقائد غير مسيطر علي افراد جهاز الأمن، ومن ثم إجباره علي الاستقالة، وهو ما حدث حيث تقدم الرجل باستقالته، مفضلا التواري بعيدا عن الأنظار والتزام الصمت رغم يقينه بأبعاد المؤامرة التي تعرضت لها البلاد، وظل رموز المؤامرة والسلطة في آن واحد ظلوا علي مقاعدهم إلي أن هب الشعب المصري في مواجهة المفسدين خلال ثورة يناير 2011، وأطاح بهم خلف أسوار مزرعة طرة.
اللواء أحمد رشدي خرج عن صمته مؤخرا ولأول مرة واعترف بكلمات قليلة للزميل سيد عبد العاطي رئيس تحرير الوفد الأسبوعي كشفت عن المؤامرة التي تعرضت لها مصر سنة 1986 من جانب صفوت الشريف وزير الإعلام والعضو القيادي في الحزب الحاكم، ويوسف والي الأمين العام للحزب الوطني والدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق.
وأشرنا في الحلقة السابقة أيضا ان الضربات الموجعة للفساد والمفسدين التي وجهتها أجهزة وزارة الداخلية بقيادة اللواء أحمد رشدي، لم تستثن كبيرا أو صغيرا، وتلاحقت في كافة الاتجاهات إلي أن بلغت ذروتها في الأيام القليلة من شهر فبراير 1986، ففي الأيام الأولي من شهر فبراير أعلن اللواء احمد رشدي ومن تحت قبة البرلمان وامام اعضاء مجلس الشعب ان عام 1986 سوف يكون عام القضاء علي المخدرات، ذلك الإعلان جاء في أعقاب نجاح أجهزة الشرطة في القضاء علي أسطورة الباطنية كأكبر سوق مفتوح لتجارة المخدرات في مصر، في تلك الأيام أيضا ألقت أجهزة الأمن القبض علي عبد الخالق المحجوب شقيق رئيس مجلس الشعب «الرجل الثاني في الدولة بحكم الدستور» ورفيقه رفعت بشير وكانا يتوليان منصبين قيادين بوزارة الاقتصاد لتنفيذ حكم صادر بحقهما بالسجن لمدة عشر سنوات لإدانتهما في قضية تلقي رشوة من تاجر من مدينة بورسعيد بعد ان وعداها بإستصدار قرار من وزير الإقتصاد بتسليمه مبلغ 30 ألف دولار تمت مصادرتها من التاجر لدي عودته من الخارج حيث كان القانون يحظر جلب عملات اجنبية من الخارج، قام التاجر بمجاراتهما ومجاراة وسيطين بينهم وقام بإبلاغ مباحث الأموال العامة حيث تمت متابعة وقائع عملية الرشوة، وألقي القبض علي المتهمين وأحيلوا للمحاكمة وصدر حكما بالسجن 10 سنوات تمكن علي إثره عبد الخالق المحجوب ورفعت بشير من الهرب، ما سبب إحراجا لأجهزة الأمن أمام الرأي العام وقادت جريدة الوفد حملة شديدة وجهت خلالها سهام الاتهام بالتقصير لأجهزة الأمن التي كانت لا تزال تبحث عن شقيق رئيس مجلس الشعب الهارب من تنفيذ حكم بالسجن، وبالطبع كانت حملة جريدة الوفد لا تخلو من همز ولمز بأن التقصير الأمني في ملاحقة شقيق رئيس مجلس الشعب كان مقصودا به محاباة الرجل الثاني في الدولة، وهو ما كان يبدد النوم من عينيي اللواء أحمد رشدي فقد كان أبعد ما يكون عن محاباة رموز النظام، وتحقق ما يؤكد سياسة اللواء رشدي فقد سقط شقيق رئيس مجلس الشعب ورفيقه في قبضة رجال الأمن، وأحيل للنيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية لتنفيذ الحكم الصادر بحقهما.
المؤامرة..!
علي وقع هذا النهج الذي اختطته أجهزة وزارة الداخلية بقيادة اللواء أحمد رشدي كانت خيوط المؤامرة تحاك في الخفاء، المؤامرة للتخلص من اللواء احمد رشدي، وبدت أول خيوط المؤامرة في البروز علي الساحة ومن الجيزة.
في السادسة من بعد ظهر الثلاثاء 25 يناير 1986، كان اللواء أحمد رشدي في منزله يستعد للذهاب إلي مكتبه، التقط ضابط الحراسة المرافق له إشارة لاسلكية صادرة من مديرية أمن الجيزة تقول إن مجموعات ضخمة من جنود معسكر قوات أمن الجيزة بأول طريق القاهرة الاسكندرية الصحراوي تمردت وتحاول الخروج من معسكرها، قرر الوزير ألا يترك الأمر لمساعديه بادر بالتوجه إلي مكان الأحداث وهناك واجه مجموعات الجنود المتمردة، تحاور معهم بعد أن قدم لهم نفسه فلم يكن أي منهم يعرف اسم أو شكل وزير الداخلية، ونجح الرجل في إقناعهم بالعودة إلي المعسكر رغم إصابته بجرح قطعي في جبهته متأثرا بإصابته بإحدي قطع الحجارة التي كان يلقيها الجنود المتجمعون.
أكد اللواء أحمد رشدي للجنود كذب شائعة استمرارهم سنة رابعة بالأمن المركزي، تلك الشائعة التي انتشرت بينهم بسرعة البرق وكانت السبب في إثارة الجنود الذين يعانون من معدلات الساعات المضاعف التي يقضونها في تنفيذ المهام التي يكلفون بها فييما يعرف بالخدمات الأمنية ، ولم يكن لها ما يبررها حيث إن مدة التجنيد التي يقضيها مجندو الأمن المركزي لا تحددها وزارة الداخلية، ولكن تحددها جهات أخري تتبع القوات المسلحة كما تحدد كافة الإجراءات المتعلقة بمدة خدمة الجنود ومواعيد إنهاء خدماتهم وتسريحهم.
عادت بالفعل جموع المتمردين إلي داخل معسكرهم مرة أخري وعد الوزير الجنود بلقاء موسع يعقده معهم صباح اليوم التالي - الأربعاء 26 فبراير - للإستماع إلي كافة شكواهم وتذليلها جميعا، بعد أن تطرق الحديث بين الوزير والمتمردين إلي الشكوي من سوء المعاملة، وسوء نظام تشغيلهم وعدم كفاية الأغذية ووسائل الإعاشة.
وعاد الرجل بسيارته قاصدا محافظ الجيزة بأول شارع الهرم لإبلاغ الرئاسة بتفاصيل ما حدث فوجد هناك في مبني المحافظة الدكتور عبد الحميد حسن محافظ الجيزة، وبصحبته اللواء عبد الحميد بدوي مدير أمن الجيزة كما وجد اللواء حسن أبو باشا نائب رئيس الوزراء ووزير الحكم المحلي - وزير الداخلية السابق - بادر الدكتور عبد الحميد حسن بتضميد جراح الوزير وكان اللواء رشدي سعيدا بقدرته علي احتواء الأزمة بمفرده ولكنه فوجئ بالدكتور عبد الحميد حسن محافظ يبادره قائلا : لازم حد فينا يستقيل دلوقتي يأنا ياسيادتك؟
فتعجب وزير الداخلية ورد قائلا: أديني بس التليفون، أنا عاوز أبلغ الرياسة باللي حصل كله ، وأبلغ بالإجراءات التي تمت ، وبالفعل تم للوزير ما أراد وأجري اتصاله الذي كان يرغب في إجرائه وعاد الوزير إلي مكتبه، لتدارس الموقف من جميع جوانبه، لإيجاد حل سريع وحاسم لهذه الأزمة.
أسباب مجهولة!
ساعات قليلة مرت، اشتعل بعدها الموقف لأسباب مجهولة في معسكر قوات الأمن المركزي الذي يبعد بضعة كيلو مترات قليلة عن معسكر قوات الأمن، فقد كان المعسكر الأول يقع في نهاية شارع الهرم، بينما يقع الثاني في بداية طريق مصر الاسكندرية الصحراوي، هرع المجندون إلي الشوارع حطموا السيارات الخاصة والعامة، وأشعلوا النيران في العديد من الفنادق والمنشآت السياحية ، وبذلت قوات الشرطة التي هرعت إلي المكان جهودا جبارة لإنقاذ شاغلي تلك المنشآت السياحية من السياح والزوار الأجانب ولكنها فشلت في وقف زحف المتمردين صوب باقي شارع الهرم.
وعقد مجلس الوزراء اجتماعا طارئا لتدارس الأزمة واستمر الاجتماع حتي الساعة الواحدة صباحا وتقرر في أعقاب الاجتماع إعداد بيان بتفاصيل ما حدث وإذاعته علي الرأي العام، طلب اللواء أحمد رشدي إرجاء إذاعة البيان حتي الصباح، ولكن وزير الإعلام صفوت الشريف وعدد من الوزراء عارضوا وزير الداخلية متحججين بضرورة مخاطبة الرأي العام بحقيقة ما جري وطالبوا بضرورة إعداد بيان وإذاعته، ولكن وزير الداخلية اللواء احمد رشدي الذي أكد اهمية الإعلام وأهمية إطلاع الرأي العام علي ما يجري من أحداث واهمية أن يعرف كافة الحقائق إلا إنه طلب تأجيل إذاعة البيان لحين اتخاذ أجهزة الشرطة المعنية لإجراءاتها الاحترازية لمواجهة الانتشار غير المبرر لشائعة السنة الزائدة التي سيقضيها جنود الأمن المركزي، وأضاف أن إذاعة البيان يمكن أن تسهم في نقل الشائعة إلي باقي العسكرات علي مستوي الجمهورية، وقال الرجل إنه يطلب إذاعة البيان مع ساعات الصباح الأولي بدلا من إذاعته في هذا الوقت المتأخر من الليل، واعتقد أحمد رشدي انه حاز علي إجماع ومساندة من أعضاء مجلس الوزراء لوزارة الداخلية في مواجهة الأزمة وانتهي اجتماع مجلس الوزراء، ولكنه فوجئ بالشكوك التي تساوره وراء هذه الأحداث ومنذ اللحظة الأولي تتزايد بداخله، وبدات تتحول من شكوك إلي يقين، فقد علم الرجل بعد إنتهاء مجلس الوزراء أن خبر تمرد الجنود بمعسكري الهرم والجيزة بدأ إذاعته بشكل عاجل في مواجيز الأنباء ونشرات الأخبار التالية ، كما علم أنه تم إبلاغ الصحف اليومية بالبيان وتم نشره بالطبعات الأخيرة الصادرة صباح الأربعاء ن وتبين لوزير الداخلية أن صفوت الشريف وزير الإعلام وراء إذاعة البيان في مواجيز ونشرات الأخبار وبالطبعات التالية من الصحف اليومية، وخلال الساعات الأولي من صباح اليوم التالي الأربعاء 26 فبراير، اشتعلت الأحداث التخريبية المماثلة من جنود المعسكرات التابعة لقوات الأمن والأمن المركزي بمحافظات القاهرة والجيزة والقليوبية وأسيوط وسوهاج والاسماعيلية.. اشتعلت الأحداث بصورة غير طبيعية، وغير مفهومة، وتقرر في الحادية عشرة من صباح الأربعاء فرض حظر التجول في جميع المحافظات التي شهدت أحداثا تخريبية، وعلي رأسها محافظات المنطقة المركزية ( القاهرة - الجيزة - القليوبية ) كما تقرر تدخل بعض وحدات القوات المسلحة لمواجهة الموقف.
نشأة الأمن المركزي!
«وشر البلية ما يضحك».. كما يقولون فقد هاجم بعض جنود معسكر قوات أمن طرة، سجن طرة، وأطلقوا سراح جميع المسجونين المحبوسين علي ذمة تنفيذ أحكام صادرة ضدهم، وتجاوز عددهم الألف سجين، هرعوا جميعا إلي أقسام الشرطة التي تتبعها مساكنهم وسلموا أنفسهم للشرطة فكان الكثير منهم قد قضي مددا كبيرة من العقوبات الصادرة ضدهم ويرغبون في تأدية باقي هذه العقوبات ليعودوا للحياة من جديد!، التقيت بعدد كبير من هؤلاء المساجين الذين سلموا أنفسهم لقسم شرطة بولاق أبو العلا وأطرف ما قالوه إن جنود الأمن المركزي عندما اقتحموا السجن ، أمروهم بالخروج من السجن ، وطلبوا من جميع المساجين أن يرددوا في صوت واحد: «يحيا الأمن المركزي»!
نشأت وحدات الأمن المركزي، كوحدات تابعة لوزارة الداخلية، لأول مرة في سنة 1969، وكان السب وقتها هو الغارات الجوية المركزة التي كانت اسرائيل تقوم بها في العمق المصري في أعقاب نكسة يونيو 1967، ونشوب حرب الاستنزاف (1968/1970)، كانت إسرائيل تستهدف الكباري ومحطات الكهرباء والمنشآت المدنية ، ولأن هذا كان السبب في التفكير أصلا في إنشاء وحدات الأمن المركزي، فقد أصبح في البداية يقوم بمهمات أقرب إلي الدفاع المدني حيث يتم تدريبه علي الإسعافات الأولية ومكافحة الحرائق ومتابعة أي محاولات اسرائيلية للتسلل داخل العمق المصري بقصد التخريب أو ممارسة مهمات الطابور الخامس، وقد ظل التفكير علي هذا النحو ، إلي أن جري التوسع قليلا في حجمه ونوعيته ابتداء من سنة 1971، وعلي الرغم من اشتراك الشرطة ومن بينها الوحدات المحدودة تماما للأمن المركزي في مواجهة مظاهرات الطلبة في سنة 1972 ، ثم في سنة 1975 ، وفي أحداث 18 و 19 يناير الشهيرة سنة 1977، إلا أن جندي الأمن المركزي ظل حتي تلك الفترة جزءا من النظام التقليدي للشرطة في مصر فهو جندي شرطة عادي، وان كان يحصل علي تدريبات إضافية، وهو يتقاضي مرتبا معقولا، وتسليحه لايزيد كثيرا عن الجندي العادي، وحجم وحدات الأمن المركزي كلها لم يكن ليزيد علي عشرين ألف جندي في كل محافظات الجمهورية، ثم جاء التغيير الكبير مع تولي النبوي اسماعيل وزارة الداخلية، وازدياد قلق السادات من المعارضة الداخلية عقب مظاهرات يناير 1977، وأخيرا مبادرته بالذهاب إليالقدس في نوفمبر من نفس السنة، وقد خرج النبوي اسماعيل بفكرة جديدة راقت للسادات تماما، وحلت جزءا كبيرا من مشكلة الأعباء المالية الضخمة التي يتطلبها التوسع المطلوب في وحدات الأمن المركزي والتي لاتستطيع ميزانية الدولة أن تتحملها بسهولة.. لقد كانت فكرة النبوي اسماعيل هي: استخدام قانون التجنيد الإجباري كوسيلة وأداة لإعداد وحدات الأمن المركزي بالأعداد الضخمة المطلوبة، دون تحمل أعباء مالية ضخمة لمرتباتهم، حيث إن المجند يحصل فقط علي مرتب رمزي تماما، باعتبار أن مدة تجنيده هي ضريبة إجبارية يسددها دفاعا عن الوطن ، ومنذ سنة 1977، أصبح يتم تدريب تلك القوات علي التصدي المسلح للمظاهرات وإلقاء القنابل المسيلة للدموع وحمل الدروع واطلاق الرصاص الحقيقي واقتحام المنشآت وأصبح الأمن المركزي جزءا ثابتا من حياة المواطن المصري، حيث ترابط سياراته المحملة بالجنود كاملي التسليح، علي نواصي الطرق داخل المدن في وضح النهار.. كانت هناك مقاييس محددة يتم علي أساسها اختيار الجنود الذين يدخلون الأمن المركزي، أهمها شدة وقوة البنيان ، وأن يكون الجندي ريفيا لذلك لم تحول القوات المسلحة أيا من جنودها حاملي المؤهلات العليا أو المتوسطة ، أو حتي مجيدي القراءة والكتابة للخدمة في الأمن المركزي وبذلك تحددت تركيبة جنود الأمن المركزي في أنهم : «ريفيون أغلبهم متزوجون ، لديهم أبناء وأميون وبالتالي لايقرأون الصحف»، وبعد اتمام ادماج الشباب الريفي في جهاز الأمن المركزي تبدأ رحلة شديدة الصعوبة للمجند تتم علي مرحلتين: الأولي هي مرحلة التدريب، والأخري هي مرحلة قضاء الخدمة .. المرحلة الأولي، ومدتها ستة أشهر ، يتعرض فيها المجند لكم مكثف من التدريب بهدف رفع كفاءته الجسمانية والقتالية وفي إطار معنوي يهدف إلي ضمان الطاعة المطلقة وتنفيذ الأوامر بلا مناقشة ويتقاضي المجند مرتبا شهريا قدره ستة جنيهات، باستثناء الخصومات والتفسير الذي يتم تقديمه هو انه مجند واقامته وطعامه مجانا، كما أن إجازاتهم تخضع لنظام عسكري صارم، بحيث يصل ما يحصلون عليه إلي ستة أيام كل ستين يوما لايري خلالها - الستين يوما - المجند أهله أو أبناءه، كل هذا أنتج «جنود الأمن المركزي» بشكلهم المعروف، والمهمات التي يكلف بها هؤلاء الجنود متباينة، منها العادي مثل حراسة المؤسسات والمنشآت الهامة، كالسفارات والسنترالات ومؤسسات الإعلام والجامعات وتصل وردية حراسة المجند خلال عمله إلي اثنتي عشرة ساعة، اما ينامها داخل احدي الجامعات أو يقفها صامدا دون أي تبرم أمام احدي السفارات، أما المهمات الخاصة فهي المهمات السياسية، وهي فض المظاهرات والاعتصامات والقبض علي السياسيين إلخ ، وسارت أمور الأمن المركزي وجنوده علي هذا المنوال ، الحالة النفسية والمعنوية لغالبيتهم سيئة للغاية، ونظام التشغيل اليومي كان يسير من سيئ إلي أسوأ، إلي أن اشتعلت الأمور عصر ذلك اليوم الثلاثاء 25 فبراير 1986.
استقالة رشدي!
صباح الخميس 27 فبراير 1986، خرج اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية من منزله وقام بجولة تفقدية في المعسكرات التي شهدت وقوع أحداث تخريبية بالقاهرة والجيزة، بعد أن أعادت القوات المسلحة خلال الليلة الماضية الهدوء إلي تلك المعسكرات، توجه اللواء أحمد رشدي بعدها إلي مقر رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة وترك استقالته لدي سكرتارية رئيس الجمهورية، ابي الرجل ان يجلس علي قمة المسئولية بوزارة الداخلية بعد كل ما حدث، فلم يقبل أن يكون الرجل مسئولا عن جهاز الشرطة المنوط به تحقيق الأمن والأمان، ثم تهب «فئة» من فئات هذا الجهاز لتحدث إخلالا بالأمن والاستقرار.
كان اللواء أحمد رشدي تلقي مكالمة تليفونية في الثالثة صباحا من الدكتور يوسف والي أمين عام الحزب الوطني الحاكم، واحد رموز السلطة الذين شكلوا جبهة الصد في مواجهة اللواء أحمد رشدي، وأبلغه برسالة من رئيس الجمهورية، طالبه بالتوجه إلي مقر الرئاسة والتقدم بالاستقالة.
وعاد اللواء أحمد رشدي إلي مكتبه بوزارة الداخلية لآخر مرة ، أمر باستدعاء كبار مساعديه من قيادات الوزارة الأمن المركزي ومباحث أمن الدولة وإدارة شئون المجندين لحظات سريعة مرت وكان الجميع يجلسون أمام الرجل في قاعة الاجتماعات الملحقة بمكتب الوزير.. قال اللواء رشدي موجها حديثه بنبرة يكسوها الحزن والأسي في آخر اجتماع يعقده - لكبار مساعديه : لقد قدمت استقالتي، ولست آسفا علي الاستقالة ، ولكني آسف أشد الأسف علي تركي لكم في مواقعكم طوال الفترة الماضية.
حاول بعض القادة المقاطعة ولكن اللواء رشدي كان حاسما وبانفعال شديد أمرهم بالإنصراف عدا لواء واحد فقط - حسين كامل زكي مساعد أول الوزير لقوات الأمن المركزي - أمره الوزير بالانتظار!
قال اللواء رشدي لحسين كامل: لقد طلبت منك قبل أيام أن تذهب وتري لتعرف حقيقة ما نقله لي المهندس إبراهيم شكري رئيس حزب العمل الاسبوع الماضي، هل تذكر ما قلت لي وزادت نبرة الأسي في صوت احمد رشدي وواصل كلامه لمدير الأمن المركزي : لقد عدت لتؤكد أن الأمور في معسكر الأمن المركزي بالهرم تسير علي ما يرام ولايوجد أي أساس لما قاله المهندس إبراهيم شكري وقلت أيضا : إن ما قاله شكري لايعدو أن يكون محاولة حزبية مغرضة لنشر الإشاعات والبلبلة ولم يعلق اللواء حسين كامل زكي!!
وكان المهندس ابراهيم شكري رئيس حزب العمل الاشتراكي قد أخبر اللواء رشدي في منتصف شهر فبراير بأن معلومات وصلته عن مؤامرة تجري التخطيط لها لإثارة تمرد بعض جنود معسكر الجيزة.
وبعد خروج اللواء أحمد رشدي من الوزارة بأسابيع قليلة، ظهرت في أسواق المخدرات، شحنة حشيش ماركة «باي باي رشدي»، أعدها أباطرة الكيف ابتهاجا بزوال الخطر الداهم الذي كان يهددهم بعد استقالة اللواء رشدي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.