مساجد، أسبلة، منازل أثرية، مليئة بالتحف المعمارية، والنقوش ذات القيمة الفنية، منتشرة فيربوع القاهرة، كلها شاهدة علي تاريخ مصر الإسلامية، منذ إنشاء أول عاصمة إسلامية بعد الفتح الإسلامي لمصر علي يد عمرو بن العاص، الذي أنشأ مدينة الفسطاط، ومروراً بالعواصم الأخري، القطائع، العسكر، وأخيراً قاهرة المعز لدين الفاطمي، ولما أنشئت كل هذه المدن في مناطق متجاورة معظمها يقع في أحياء وسط القاهرة، لذلك تنتشرالآثار الرسلامية في هذه المنطقة، إلا أن يد الإهمال طالتها، خاصة بعد الثورة، وتركتها مرتعاً للصوص، وراغبي الثراء السريع، فاستغلوا حالة الانفلات الأمني، وعدم وجود تأمين لهذه الآثارفتعرض عدد كبير منهالسرقة، بل الأخطر من ذلك ماكشفه المسئولون بوزارة الآثار من وجود عصابات منظمة لسرقة الآثار الإسلامية، وتهريبها إلي قطر، التي تقوم بإنشاء متحف إسلامي، ومن ثم نشطت هذه العصابات في سرقة آثارنا الإسلاميةلتهريبها إلي هناك. تتميز مناطق وسط القاهرة بوجود عدد كبير من الآثار الإسلامية التي لا يوجد لها مثيل في العالم كله، ولأن معظم هذه الآثار كان خاضعاً بموجب القوانين القديمة لوزارة الأوقاف، خاصة أن معظمها مساجد تقام بها الصلوات حتي الآن، لذلك فلا يوجد تأمين عليها، ولما كانت قطر تلك الدويلة الخليجية الباحثة عن مكان لها علي خريطة العالم قد قررت إنشاء متحف إسلامي كبير بها، فمن ثم نشطت عصابا سرقة الآثار لتهريبها إلي هناك عبر تركيا، وساعدت حالة الانفلات الأمنيعلي زيادة هذه السرقات، فبعد أن شهد عام 2008 سرقة منبر مسجد قايتباي الرماح المجاور للقلعة، ومسجد السلطان حسن،كما شهد عام 2009 سرقة حشوات جانبي منبر مسجد الطنبغا المارداني، كذل بعض حشوات منبر مسجد أبو حريبة، إلاأن هذه السرقات زادت بشكل كبير بعد الثورة، حيث تمت سرقة خمس حشوات أثرية خشبية من مسجد داود باشا بالسيدة زينب، ومن مسجد المؤيد شيخ بباب زويلة، كما سرقت بعض الحشوات التي تحمل نقوشاً رائعة من باب مسجد برقوق، وباب الجامع الأفخر المعروف بمسجد الفكهاني بالقاهرة الفاطمية، كما تمت سرقة كرسي المقرئ من مسجد قايتباي. ورغم عودة الأمنإلي حد ما بعد ثورة 30 يونيه، إلا أن الآثار الإسلامية مازالت مرتعاً لتلك العصابات التي تسعي لسرقة تاريخ مصر وتراثها المعاماري، ومع الهجمة الشرسة التي تتعرض لها كل الآثار الإسلامية في العراق وسوريا، زادت المخاطر علي الآثار الإسلامية المصرية، خاصة أن عصابات سرقة الآثار منتشرة في كل مكان، تنتظر الفرصة لتنقض علي ما بقي من تاريخنا، وهو ما أكده الدكتور مختار الكسباني مستشار وزارة الآثار لقطاع الآثارالإسلامية، والذي أشار إلي وجود عصابات منظمة بعضها موالي لهيئات شيعية، تعبث في المناطق الأثرية بالقاهرة، خاصة منطقة الدرب الأحمر، واستغلت هذه العصابات حالة الانفلات الأمني التي كانت تعيشها مصر لسرقة آثار مصر سواء عن طريق الحفر خلسة، أو سرقة المنابر وأثاث المساجد الخشبي أو اللوحات الجدارية الأثرية الموجودة علي جدران المساجد أو الأسبلة، وأضاف أن الجماعات التي تسعي لسرقة تاريخ مصر كثيرة، ولا يخفي علي أحد ما فعله الإخوان أثناء حكمهم لمصر، وصفقة خروج قطع أثرية مصرية إلي قطروتركيا بحوزة خيرت الشاطر مقابل 200مليار جنيه، ورغم وأد هذه الفكرة إلا أن محاولاتهم للاستيلاء علي تراث مصر ما زالت قائمة، خاصة أننا نعلم أن معظم هذه الجماعات المتطرفة يتم تمويلها من خلال الاتجار في الآثار، وهذا ما يفسر تلك الهجمة التي تتعرض لها آثارنا الإسلامية في الآونة الأخيرة. وأضاف الكسباني أن معظم الاثار الإسلامية مسجلة ومصورة تصويراً دقيقاً، ومعظم القطع التي سرقت أبلغنا بها الانتربول الدولي، وأرسلنا صورها إليه، وتتم متابعة هذه القطع، وفي حالة الإعلان عن بيع أي قطعة منها نسعي لاستردادها. ويطالب الدكتور الكسباني بتشديد الرقابة علي كافة المنافذ التي يتم تهريب الآثار للخارج من خلالها، ووضع هذه الجماعات تحت الرقابة الصارمة، لأنها جماعات مأجورة، تهدف لتدميرتراثنا الإنساني، وعن تأمين الآثار الإسلامية قال إن هناك صعوبة في ذلك خاصة المساجد الأثرية التي تقام فيها الصلوات، فمسئولية تأمينها مقسمة بين وزارتي الأوقاف والآثار، وعملية تأمينها صعبة للغاية، خاصة أن وجود أفراد أمن أو عساكر أمام المساجد سيجعل تلك الجماعات المتطرفة تستغل الموقف لتشويه صورة مصر، ومن ثم فأفضل وسائل التأمين هي الرقابة، وتشديد العقوبات علي عصابات سرقة الآثار، حتي لو وصلت للإعدام، فحماية التراث الإنساني مسألة أمن قومي، ويجب أن تغلظ العقوبات علي من يعبثون بها. فيما اتهم «ائتلاف ثوار الآثار» عبر موقعه الإلكتروني، الوزارة بالأهمال في حماية آثار الدرب الأحمر، مما أدي إلي سرقة عدد كبير من القطع الأثرية بالمنطقة، ولم يتم التحقيق فيها، ومن بينها سرقة لوحة نحاسية أثرية من سبيل «مستحفظان» الأثري، مكتوب عليها «أنشأ هذه السبيل المباركة من فضل الله تعالي الفقير إلي الله تعالي مصطفي جوريجي مستحفظان عام 1094ه/1682م. هذا وقد كشفت جولة «الوفد» علي مناطق آثار سوق السلاح والقاهرة الفاطمية عن عدم وجود أي تأمين لهذه الآثار، التي تضم مشربيات ونقوشاً ولوحات جدارية نادرة، خاصة آثار سوق السلاح التي توجد في منطقة شعبية، وبعضها غير مسجل، وبعضها مهدم، ولا يوجد حتي عسكري واحد يحرس هذه الآثار النادرة، التي تركت مرتعاً للصوص فقاموا بسرقة أخشاب المشربيات، وحشوات منابر المساجد، وغيرها من القطع الأثرية النادرة. أمن قومي من ناحية أخري كشف الكاتب الكبير جمال الغيطاني، عن وجود خطة ممنهجة وعلمية لسرقة الآثار الإسلامية المصرية، لافتاً إلي أن هناك مخططاً قطرياً لسرقة الآثار الإسلامية، وتجريد مصر من ذاكرتها الحضارية والثقافية. وطالب الغيطاني في أحد البرامج التليفزيونية المخابرات العامة بأن تحمي الذاكرة التاريخية لمصر باعتبارها جزءاً من الأمن القومي، مشيراً إلي ضرورة وضع ميزانية لحماية الآثار المصرية حتي تستطيع مواجهة حالات سرقة الآثار اليومية، وطالب الغيطاني بضرورة إيقاف معارض الآثار التي خرجت من مصر، ولم تعد، مشيراً إلي أن الآثار الإسلامية أصبحت مستباحة الآن كما لم يحدث في أي عصر من قبل. تنسيق من ناحية أخري كشف الدكتور جمال عبدالرحيم، الأستاذ بكلية الآثار جامعة القاهرة، عن وجود مشكلة في قوانين معظم الدول العربية التي تبيح المتاجرة في الآثار وبيعها وشراءها واقتناءها، ومن ثم وجدت عصابات سرقة الآثار ضالتها في هذا، وبدأت في تكثيف عملها لسرقة الآثار من القاهرة التي يوجد بها حوالي 400 أثر إسلامي، لتهريبها إلي هذه الدول وخاصة قطر،التي تسعي لإنشاء متحف إسلامي بها. وأضاف: الآثار المسجلة يتم استردادها بسهولة إذا ظهرت في أي مكان، أما غير المسجلة فهذه يصعب استردادها،وهذا لا ينفي وجود لوحات ورسوم ونقوش نادرة مسروقة من عدد من الآثار الإسلامية منذ سنوات طويلة، وهذه الآثار مسجلة، ومع ذلك لم نسطع استردادها لأنها لم تظهر في أي مكان حتي الآن. ويطالب الدكتور جمال بضرورة وجود تنسيق بين وزارتي الآثار والأوقاف لتأمين الآثار الإسلامية خاصة أن معظمها مساجد تابعة للأوقاف، وتقوم وزارة الأوقاف بتعيين «خدام» للمساجد منوط بهم حراستها ورعايتها، ومعظمهم لا يعلمون قيمة الأثر، فيشوهونه، أو يدمرونه، أو يتركونه بدون حراسة، فتقوم العصابات بسرقة محتوياتها، لذلك لابد من وجود تنسيق كامل بين الوزارتين لحماية آثارنا الإسلامية.