من بين الأوضاع الغريبة في النظام الدستوري والقانوني المصري أن القاعدة الأساسية في الدستور ضمن المقومات الاقتصادية تنص علي أنه «يهدف النظام الضريبي وغيره من التكاليف العامة، الي تنمية موارد الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية ولا يكون إنشاء الضرائب العامة أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون ولا يجوز الإعفاء عنها إلا في الأحوال المبنية في القانون ولا يجوز تكليف أحد أداء غير ذلك، من الضرائب أو الرسوم إلا في حدود القانون....» (م38 من الدستور)، وفي ذات الوقت فإنه لا يوجد نص صريح في الدستور يحتم صدور قانون أو موافقة من النواب بالمجلس النيابي علي زيادة أسعار وأثمان خدمات المرافق العامة التي تديرها أو تهيمن عليها الدولة، مثل الغاز والكهرباء والمياه.... إلخ وتتضح صعوبة المقارنة بين الضرائب والتكاليف العامة التي لا تخضع في كل دول العالم الديمقراطي بمبدأ الشرعية الدستورية والقانونية تخضع للضرائب والتكاليف العامة ولم تلتزم الحكومة مؤخرا بهذا الإجراء وأصدرت قرارا بزيادة أعباء وأسعار تلك الخدمات المرفقية الحيوية المتصلة بالطاقة منفردة مما يجعل قرارها مخالفا للمبادئ الدستورية العامة ويعرض للبطلان. ولا شك في أن تحديد أسعار وأثمان الخدمات العامة آنفة الذكر يمثل سلطة اقتصادية خطيرة بالنسبة للملايين من أفراد الشعب المصري، حيث تحتكر الدولة مباشرة إنشاء وإدارة المرافق العامة بواسطة هيئاتها ومؤسساتها أو شركاتها العامة بأدائها وتتفق الضرائب والتكاليف العامة وتقليل هذه الخدمات الحيوية للشعب، في أنها مورد من الموارد الرئيسية للخزانة العامة وإنما يضطر للإفادة منها الأغلبية العظمي من المواطنين محدودي ومتوسطي الدخل وأن رفع وزيادة أثمانها والمقابل المالي لها يؤثر في الحياة الاقتصادية للملايين حيث يؤثر مثلا ارتفاع سعر الكهرباء أو الغاز أو البنزين تأثيرا بالغا في أسعار السلع والخدمات وخاصة الاستهلاكية الأخري بالسوق حيث ينقل عبء أية زيادة في مقابل استهلاك أسعار أيا من هذه الطاقات علي من يستخدمونها الي أثمان السلع والخدمات التي يقدمها هذا المستهلك لغيره ترفع أسعار الغاز مثلا برفع أسعار السلع الغذائية المختلفة ويتحمل الزيادة المستهلك لهذه السلع، مما يؤثر علي القوة الشرائية للملايين من المواطنين ويتعارض مع العدالة الاجتماعية إذا كانت الزيادة يتقرر فرضها بالمبالغة علي الطبقات الدنيا والمتوسطة في المجتمع ولا يملك المواطنون الاعتراض علي هذه الزيادات لأنها تصدر بقرار من السلطة التنفيذية وهذا يتعارض مع مبدأ العدالة الاجتماعية والسيادة للشعب وهو مصدر السلطات ومع مبدأ المساواة مما يقتضي أن تقرر هذه التعديلات في أسعار خدمات المرافق العامة الأساسية بموافقة ممثلي الشعب في البرلمان أو بقانون مثلها في ذلك مثل: الضرائب العامة!! وأبرز مثال علي اغتصاب الحكومة الحالية المؤقتة لاختصاص البرلمان واعتدائها علي الشرعية الدستورية والقانونية بالنسبة لأسعار ومقابل خدمات المرافق العامة التي تحتكرها وتديرها الدولة أو إحدي هيئاتها أو مؤسساتها أو شركاتها العامة، القرار الذي أصدره المهندس محلب رئيس الوزراء منذ عدة أيام برفع سعر الغاز بدون استصدار قانون خاص يبيح ذلك واكتفي بنشر القرار بالجريدة الرسمية وقد قسم المستخدمين والمستهلكين الي ثلاث شرائح: الأولي تشمل من يستهلكون حتي 25 مترا مكعبا بمبلغ 40 قرشا للمتر المكعب، والثانية تشمل من يستهلكون من 25 الي 50 مترا مكعبا بمبلغ 100 قرش للمتر المكعب والثالثة المستهلكون الذين يستهلكون فوق ال50 مترا مكعبا ب150 قرشا للمتر المكعب!! ولقد بررت الحكومة قرارها المذكور بأنه محاولة للتقريب بين سعر الغاز المنزلي والتجاري وسعر أسطوانة البوتاجاز!! وأن حصيلة القرار تصل الي مليار جنيه سنويا وسوف يلحق هذا القرار ضررا جسيما بالطبقات المتوسطة والفقيرة المحدودة الدخل، والتي تشكل أغلبية الشعب المصري والتي تعاني من الغلاء وقلة الدخل!! كما أن هذا القرار الإداري لا يفرق بين الاستهلاك المنزلي والاستهلاك التجاري للغاز!! علي نقيض ما هو متبع من المعادلة المختلفة للنشاط التجاري في استهلاك العديد من الخدمات الحكومية!! وقد نص التقرير ربع السنوي الصادر من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء بالتعاون مع برنامج الأممالمتحدة للغذاء علي التحذير الشديد من المساس بدعم الطاقة وأسعارها بمصر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية المتأزمة!! مؤكدا أن ذلك المساس سوف يؤدي الي بلوغ نسبة الفقر رسميا 35٪، مع التأكيد أن هذه الزيادات سوف تؤدي الي إضعاف القوة الشرائية للطبقات المتوسطة والفقيرة وهم أغلبية الشعب المصري وذلك لأي مستلزمات وضرورات معيشية أخري «الأهرام 27/4/2014 ص1). وكان يتعين إعطاء أولوية الدعم للمواطن العادي البسيط وأن ينصب تقليص الدعم فقط علي رجال الأعمال وذوي الدخول المرتفعة وعلي الشركات متعددة الجنسيات وكثيفة الاستهلاك للطاقة!! والتي تستفيد من دعم الوقود حاليا عكس ما يتبع في الدول الديمقراطية وحيث لا يجوز أيضا أن يتساوي سكان المناطق الراقية والغنية مع سكان المناطق الشعبية والعشوائية وقد مس بشدة القرار المذكور بالشريحة الأول منخفضة الاستهلاك أقل من 25 مترا مكعبا وهم من محدودي الدخل حيث زاد السعر من 10 قروش الي 40 قرشا للمتر المكعب الي الزيادة بنسبة 400٪ رغم ما تعانيه هذه الطبقة من غلاء المعيشة وقلة الدخل وهناك بدائل لما يسببه هذا القرار من اعتداء علي العدالة الاجتماعية التي كانت من أجلها ثورتا 25 يناير و30 يونية، ونص عليها الدستور إذ يمكن أن تفرض زيادة في سعر الوقود علي «الحيتان» الكبيرة وبينهم أصحاب شركات الأسمنت التي رفعت أسعاره الي 800 جنيه للطن الي أعلي من السعر العالمي وتحصل علي ذات الوقت علي الطاقة والخامات الحجرية بأرخص الأسعار وأدناها!! وخلاصة القول إنه يجب علي رئيس الجمهورية وهذه الوزارة المؤقتة أن تعيد النظر في قرار رفع أسعار الغاز بما يراعي العدالة الاجتماعية والشرعية الدستورية والقانونية. رئيس مجلس الدولة الأسبق