حملة إعلامية توعوية جديدة للتعريف بخدمات مكتب شكاوى المرأة    إحالة مديري مدرستين بطوخ للتحقيق العاجل لخرق الانضباط المدرسي بالقليوبية    الثلاثاء 31 مارس 2026.. الدولار يقلص مكاسبه بختام تعاملات اليوم    مد مهلة عرض القوائم المالية السنوية لشركات التأمين على الجمعيات العمومية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تزور مجزر العامرية الآلي وتقيل مدير الطب البيطري بالإسكندرية    بعد شائعة الميكروب.. خطوات تأمين مياه الشرب «من المحطة إلى الحنفية»    محافظ مطروح يوجه بتشغيل النصف الخرسانى لطريق سيوة    تصعيد جديد.. إسرائيل توقف تعاونها العسكري مع فرنسا    الأمم المتحدة تطالب بإلغاء قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين    الناطق باسم القسام يحث حزب الله على استكمال المهمة وتكثيف جهوده لأسر جنود إسرائيليين    توريس يقترب من قيادة هجوم إسبانيا أمام مصر    خدمة في الجول - فتح باب حجز مباريات الجولة الأولى من مرحلة التتويج بالدوري المصري    إقالة أدو من تدريب غانا قبل شهرين من كأس العالم 2026    600 دولار مكافأة فورية من رئيس اتحاد الكونغ فو ل عمر فتحي صاحب إنجاز بطولة العالم    «التعليم» تكشف موعد بدء العام الدراسي الجديد 2027    ضبط 6 شركات لإلحاق العمالة بالخارج بدون ترخيص بمحافظة دمياط    دون أموال.. السيطرة على حريق نشب داخل سيارة لتغذية الATM    مصرع شاب تحت عجلات القطار أمام محطة الطيرية بالبحيرة    الداخلية تضبط نصف طن مخدرات و104 قطع سلاح بقيمة 81 مليون جنيه    تعليم القليوبية يطلق الاستعدادات النهائية لاختبارات البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الأول الثانوي    «صحة القاهرة» تقدم 1255 خدمة طبية مجانية بصقر قريش خلال يومين    تحرير 20 محضرا لمحال وأنشطة تجارية لمخالفة مواعيد الغلق في الشرقية    بالصور.. نائب محافظ القاهرة يغلق سنتر تعليمي بشارع العباسية    الرقم صادم.. هذه هي إيرادات فيلم برشامة خلال أسبوعين عرض    في ذكرى مرور 62 عاما على إذاعة القرآن الكريم.. الوطنية للإعلام تكرم عائلات كبار القراء    نسمة يوسف إدريس: بطلة رواية «غواية» نسخة أكثر جرأة من شخصيتي    «بيت الزكاة والصدقات» يرفع الحد الأدنى للإعانة الشهرية إلى 1000 جنيه    محافظ أسوان: التصالح فى مخالفات البناء أولوية قصوى    محافظ الشرقية يشارك في اجتماع مجلس جامعة الزقازيق    نجوم سينما يوسف شاهين في افتتاح معرض لأعماله بمهرجان الأقصر الأفريقي    إجراءات تأديبية من نابولي ضد لوكاكو بعد الغياب عن التدريبات    «القومي للأمومة» يناقش الاستراتيجية الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة    إنفانتينو: لا تراجع.. إيران ستلعب كأس العالم القادم    رسائل السيسي ل بوتين: يبرز ضرورة خفض التصعيد الراهن بمنطقة الشرق الأوسط.. ويؤكد دعم مصر الكامل لأمن الدول العربية ورفضها التام للمساس باستقرارها وسيادتها تحت أي ذريعة    التأمين الصحي الشامل: 7.4 مليار جنيه إجمالي التكلفة المالية للخدمات الطبية المقدمة ببورسعيد    خلال ساعات.. كيف تحسم ال6 مقاعد المتبقية في كأس العالم 2026    أتوبيس الفن الجميل يصطحب الأطفال في جولة تثقيفية داخل قصر البارون    السيسي ل«بوتين»: مستعدون لدعم تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية سياسيًا    وزير الصحة يترأس اجتماعا لمراجعة الحساب الختامي لموازنة 2024-2025    غرفة القاهرة: استهداف مصانع الحديد والصلب في إيران لم يأتِ عشوائيا    قرار عاجل من وزير العدل لضبط الأسعار في الأسواق    "الوطنية للإعلام" تنعى الكاتبة والباحثة الكبيرة هالة مصطفي: نموذج للجدية والانضباط    متحدث "الأوقاف": التوعية بتأثير الألعاب الإلكترونية على سلوك الطفل أولولية ب"صحح مفاهيمك"    الإسعاف الإسرائيلي: 8 إصابات بعد رشقة صاروخية إيرانية    الجيش الإسرائيلي: جاهزون لمواصلة ضرب إيران لأسابيع    جيهان زكي تستعرض أمام «ثقافة النواب» خطة تطوير العمل الثقافي    نص أقوال عامل متهم بالتحرش بطفلة داخل مصعد في الهرم    مواعيد مباريات الثلاثاء 31 مارس - مصر ضد إسبانيا.. ونهائيات ملحق كأس العالم    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    الصحة تحذر: الإنفلونزا تتغير سنويًا والتطعيم هو الحل    قانون جديد يهدف لخفض أسعار الوقود في بولندا يدخل حيز التنفيذ اليوم    نقابة المهن التمثيلية تتمنى الشفاء العاجل للإعلامي عمرو الليثي    اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تُعزّز الوعي المجتمعي والمهني بقانون المسؤولية الطبية من داخل كلية طب الأزهر    المقاومة الإسلامية في العراق تنفذ 19 عملية بالطيران المسير    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



‮دراسة علمية: دولة الإسلام علمانية‮
نشر في الوفد يوم 27 - 05 - 2011


عرض وتعليق‮:‬مصطفي‮ عبيد-محمد عبداللطيف
كان الفيلسوف الشهير نيتشه‮ يدعو الناس إلي طرح أفكارهم مهما تصادمت مع من حولهم ومهما لاقت تلك الافكار نقدا،‮ ومهما أحدثت جدلا‮. ومن مأثوراته في هذا الشأن عبارة مازال البعض‮ يرددها ويعمل بها وهي‮ "‬قل كلمتك‮.. وانفجر‮".‬
ويبدو ان ذلك كان في ذهن الدكتور عبد الله النعيم استاذ القانون الدولي بجامعة أموري باطلانطا عندما قدم لنا دراسته الخطيرة‮ "‬الاسلام وعلمانية الدولة‮" في كتاب صادم صدر مؤخرا عن دار ميريت للنشر‮. يقدم القانوني الدولي من خلال دراسات سياسية وتاريخية عميقة فكرة جديدة مجملها أن دولة الاسلام دولة علمانية منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام عام‮ 10‮ هجرية وحتي الآن‮ ،‮ وأن المسلمين لم‮ يعرفوا في تاريخهم كله‮ "‬الدولة الدينية‮" مما‮ يعني أن طرح ذلك المفهوم في السنوات الاخيرة جاء لاعتبارات سياسية دون وجود أي سند‮.
الكتاب‮ يقع في‮ 470‮ صفحة من القطع المتوسط ويضم‮ 7‮ فصول تتناول مفهوم الدولة الدينية والمدنية والاسلام والسياسة وعرض لاربعة نماذج للدول في الهند وتركيا واندونيسيا والسودان‮. إن المؤلف الذي ولد في السودان وحصل علي الماجيستير في القانون العام من جامعة كمبريدج والدكتوراه من جامعة ادنبره وعمل استاذا زائرا في كاليفورنيا ومديرا لمنظمة افريكا ووتش لحقوق الإنسان‮ يري أن العلمانية بمفهومها الشائع هي حقيقة ما كان عليه حال المسلمين منذ انتقال النبي عليه السلام الي الرفيق الاعلي،‮ وأن فكرة الدولة الدينية هي بدعة ظهرت في مرحلة ما بعد الاستعمار منذ اواسط القرن العشرين‮..
علمانية الدولة‮
والكتاب بتلك المقولة‮ يكرر ما طرحه مفكرون عديدون من قبل مثل علي عبد الرازق في كتابه الشهير‮ "‬الاسلام ونظام الحكم‮"‬،‮ وخالد محمد خالد في كتابه‮ "‬من هنا نبدأ‮"‬،‮ وكتابات محمد الجابري،‮ ومحمد اركون ومحمد سعيد العشماوي فيما بعد،‮ إلا أن الملاحظ أن هذه الدراسة تحديدا تكاد تتميز عن الاشارات السابقة في استعراضها لحوادث موثقة في التاريخ الاسلامي تؤكد أن المسلمين تعاملوا مع كافة الخلفاء حتي الراشدين منهم باعتبارهم حكاماً‮ مدنيين‮ يجوز الاعتراض عليهم ولا‮ يمثلون سلطة دينية علي المحكومين‮.‬
إن مصطلح العلمانية مصطلح سلبي في المحيط العربي رغم ان أصل الكلمة لا تعني الالحاد أو اللادينية وإنما تؤكد فكرة الفعل البشري تمييزا له عن الفعل المقدس‮.. لذلك فإن معظم الافعال التي صدرت عن الحكام في مختلف الدول داخل محيط المسلمين كانت افعالا بشرية باستثناء فترة الرسول عليه الصلاة والسلام‮.
ويستشهد المؤلف باعتراض بعض الصحابة مثل عمر بن الخطاب علي حروب الردة في عهد الخليفة ابي بكر الصديق ثم اعتراضهم علي واقعة قتل مالك بن نويرة وهو ما‮ يؤكدا أنهم كانوا‮ يتعاملون مع الخليفة ابي بكر باعتباره ممثلاً‮ للسلطة السياسية فقط وليس ممثلا للسلطة الدينية‮. ومن ثم فإن الاختلاف معه في الرأي لا‮ يمثل خروجا أو مخالفة للدين وهو ما‮ يعني بالضرورة علمانية الحكم الاسلامي أي مدنيته‮.
فيما بعد الخلفاء الراشدين وبداية من خلفاء بني أمية بدأ تمييز الحكام ومحاولة إضفاء رداء ديني علي تصرفاتهم وتصويرهم باعتبارهم امتدادا للنبي عليه السلام وقد ظهر ذلك جليا في استخدام ألقاب مثل خليفة الله،‮ وأمين الله‮. وقد تنامت ظاهرة الخلط بين السلطة السياسية والفكر الديني في الدولة العباسية خاصة فيما‮ يعرف بمحنة‮ "‬خلق القرآن‮" عندما تبني الخلفاء فكرة معينة تقول إن القرآن مخلوق ومن‮ يعارضها‮ يتعرض للتعذيب والتصفية مثلما حدث مع الامام احمد بن حنبل‮. كما ظهر ذلك الخلط أيضا عندما تبني أمراء المماليك في مصر والشام أراء تخالف الفقيه الشهير ابن تيمية وحبسوه عدة مرات عقابا لذلك الخلاف‮.
مفاهيم‮ ينبغي تطويرها‮
ويشير المؤلف الي أن هناك اتفاقاً‮ بين كثير من الإسلاميين علي أن نموذج دولة النبي عليه السلام والخلفاء الراشدين هو افضل نموذج تطبيقي لنظرية الحكم الاسلامي الدستوري‮. ومن هنا فإنه‮ يري أنه‮ يمكن استلهام مبادئ تلك المرحلة وتطبيقها بروح العصر وعلي سبيل المثال فإن الشوري‮ يمكن تطبيقها عصريا عن طريق الديمقراطية النيابية‮ . وبنفس المنطق هناك كثير من المفاهيم الفقهية تحتاج الي تحديث واعادة فهم بما‮ يحقق تطبيقا صحيحا للاسلام‮.
ويتناول الكاتب تعاملات المسلمين الاوائل مع‮ غير المسلمين وكيف كان‮ يتم تسميتهم بأهل الذمة وهو ما‮ يشير الي ميثاق بين الدولة المحكومة من قبل المسلمين،‮ ومجتمع أهل الكتاب بحيث تهب الدولة أهل ذلك المجتمع أمان ممتلكاتهم الشخصية وحرية ممارسة الشعائر الدينية علي أن‮ يتعهد أهل الكتاب بدفع الجزية‮.. ويتصور الكاتب أن نظام أهل الذمة اصبح‮ غير عملي في ظل وجود مفهوم المواطنة‮.
ويستعين المؤلف بالمفكر السوداني محمود محمد طه والذي أعدمه نظام جعفر نميري في السودان بسبب اطروحاته ليقدم لنا منهج اصلاح اسلامي عن طريق الانتقال من احكام الآيات المدنية في القرآن الي أحكام الايات المكية‮. ويري أن نسخ الآيات المكية في القرآن الداعية الي التعايش السلمي والدعوة السلمية بالايات المدنية لم‮ يكن الغاء نهائيا لأحكامها وإنما كان ارجاء لتلك الاحكام لاحتمال استخدامها في المستقبل‮. ولاشك أن هذه الفكرة تمثل‮ دعوة‮ غريبة لم‮ يقبل بها أحد من علماء المسلمين الثقاة في العصر الحديث‮..
الاتاتوركية وقمع الدين‮
الغريب أن الكاتب‮ يتناول بالنقد والتحليل تجربة اتاتورك العلمانية‮ في تركيا والتي نفذت بمجموعة من القوانين والتشريعات التي صدرت خلال الفترة من‮ 1922‮ الي‮ 1935‮ وتضمنت إلغاء الخلافة ومنع ارتداء النقاب والحجاب وإطلاق حرية الزواج المدني واستبدال اللغة التركية بحروف لاتينية ونشر حركة التغريب في المجتمع‮. وفي رأي المؤلف أن السلطة الأتاتوركية سعت الي قمع دور الإسلام والسيطرة عليه بدلا من تنظيمه في إطار ديمقراطي دستوري‮. ثم‮ يتناول المؤلف تغيرات الواقع السياسي في تركيا بعد اتاتورك وظهور أحزاب ذات خلفية إسلامية مما أتاح صورة مثالية لنظام حكم علماني‮ يتيح للاصوات الإسلامية بالظهور وهو ما‮ يدفعه إلي القول انه إذا استطاعت تركيا اثبات انه من الممكن سماع الصوت السياسي الإسلامي مع المحافظة علي علمانية الدولة والحقوق الدستورية للجميع فإنها ستكون اثبتت أن الدولة العلمانية أفضل واكثر اتساقا مع الخطاب الإسلامي‮.
نموذج السودان‮
أما النموذج السوداني فيراه المؤلف دليلا واضحا علي بطلان مفهوم الدولة الدينية في الاسلام‮ . إن المؤلف‮ يستقطع تصريحات للدكتور حسن الترابي بعد انقلاب‮ 1990‮ يقول فيه‮ "‬لقد دخلنا الخرطوم كما دخل الرسول المدينة‮" وقد اعلنت الحركة الجديدة اسلاميتها لكنه طبقت ممارسات لا إنسانية سجلتها تقارير حقوق الانسان الدولية منها تعذيب السياسيين عن طريق التعليق من اليدين وحرق الجلد والصدمات الكهربائية والاغتصاب للرجال ونزع الأظافر‮. ويعتبر المؤلف تجربة السودان دليلاً‮ واضحاً‮ علي الخلل في مفهوم الدولة الدينية لان تلك الدولة‮ غير موجودة لأن الحكام الفعليين بشر وليسوا آلهة ومن هنا فهم مجبولون علي الخطأ والهوي والاختلاف‮. ويقول صراحة‮ "‬والزعم بالدولة الدينية إدعاء باحاطة البشر بعلم وحكمة الله سبحانه وتعالي وهو زعم باطل دينا وعقلا،‮ فكل ما هو في علم الإنسان في هذه الدنيا فهو بشري وناقص وعاجز وقد خرج بذلك عن قدسية الدين الخالص ودخل في مجال احتمال الخطأ ونسبية الصواب‮".
وينتهي الكاتب الي التأكيد علي عدة استخلاصات علمية فيما‮ يخص الاسلام والسياسة تتضمن‮ :
1‮- إن الدولة المدنية أكثر اتساقا مع الطبيعة الموروثة للشريعة الإسلامية‮. وأيا كان شكل الدولة الذي سيأخذ به المسلمون فهو شكل بشري ومادي وعلماني ولا‮ يمكن تحويله الي مقدس‮ .
2‮- اذا كان من الضروري الفصل بين الدين الإسلامي والدولة فإنه لا‮ يمكن الفصل بين الدين والسياسة ويلزم تنظيم العلاقة بينهما،‮ إذ ليس من الممكن ان‮ يحتفظ الناس في أي مجتمع بعقائدهم وهمومهم الدينية بعيدا عن خياراتهم وقراراتهم السياسية‮.
3‮- لم تكن هناك دولة إسلامية أبدا منذ خلافة ابي بكر وحتي دولتي السعودية وإيران‮. فالدولة كانت دائما بشرية أي علمانية وينبغي التفرقة بين تطبيق الشريعة ودينية الدولة‮.
4‮- الدولة الإسلامية لم تكن موجودة إلا في عهد النبي محمد عليه السلام باعتباره سلطة سياسية ودينية في آن واحد وذلك لن‮ يتكرر لأنه ليس هناك نبي آخر‮.
السلفيون‮: الديمقراطية والليبرالية كفر
ليس هناك وصف دقيق وملائم لتفاصيل المشهد العام في مصر،‮ سوي أنه عبثي ومحرض علي الفزع،‮ فقبل أن نفيق من صدمة كارثية كريهة،‮ تلقي بها الجماعات السلفية في وجوهنا‮.. تداهمنا أخري أكثر فجاجة،‮ إلي الحد الذي يصعب معه متابعة سيل الصدمات المخيفة‮.. لأن ما يجري علي أرض الواقع من ممارسات وأفعال‮.. يقوم بها ويحرض عليها أفراد بارزون في الجماعات السلفية ينذر بمخاطر تمثل تهديدًا لمستقبل هذا البلد‮.‬
فمن إهدار هيبة الدولة،‮ ودهس القانون جهارًا نهارًا،‮ بادعاء تطبيق الحدود الشرعية‮.. إلي إثارة الأزمات والفتن،‮ بالاستيلاء علي المساجد،‮ وطرد الأئمة لاعتلاء منابرها بالقوة،‮ مرورًا بالاحتجاج من أجل فرض النقاب،‮ أصبح كل شيء مباح‮.. وصارت قراءة الأحداث المفتعلة شبيهة،‮ بتفسير لوحة سريالية في الأصل هي معقدة وعصية علي الفهم‮.‬
آخر قنبلة انفجرت،‮ وتطايرت شظاياها لتنال من جميع فئات المجتمع،‮ علي مختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية هي تلك التي ألقت بها أيضا الجماعات السلفية‮ ،‮ وتدعو فيها إلي محاربة جميع المذاهب السياسية في مصر،‮ باعتبارها في نظرهم‮.. مذاهب ضالة وتدعو فيها إلي تغيير الهوية الإسلامية،‮ ووجهوا الدعوة لمحاربتها‮.‬
أما المذاهب والمصطلحات التي تتعرض حاليا لحرب شرسة،‮ من الجماعات السلفية هي‮» العلمانية‮ - الليبرالية‮ - الديمقراطية‮ - الدولة المدنية‮«.‬
ولم يعد‮ غريبًا علي مثل هذه الجماعات أن تروج لأفكارها بين الشرائح الاجتماعية،‮ الأقل وعيا وإدراكًا لأهدافها سواء عن طريق الدروس في الزوايا والمساجد،‮ أو التجمعات الشبابية في المناطق العشوائية،‮ لكن الحرب علي التيارات السياسية،‮ والأفكار المرتبطة بها‮.. جاءت هذه المرة من خلال التوزيع السري،‮ لكتيب صغير الحجم،‮ أصدرته جمعية‮ »‬الترتيل‮« للخدمات الثقافية والدينية،‮ وحمل عنوانًا بارزًا‮ »‬العلمانية‮ - الليبرالية‮ الديمقراطية‮ - الدولة المدنية‮« في ميزان الإسلام،‮ تحت اشراف الشيخ محمد عبدالعزيز أبوالنجا،‮ الخبير بمجمع فقهاء الشريعة‮.‬
الكتيب الذي يحتوي علي‮ 48‮ صفحة من القطع الصغير وصف العلمانيين بأنهم فئة ضالة تطعن في الدين وتستهزئ بالسنة والقرآن‮.. وأنها تقليد أعمي للغرب،‮ أما الليبرالية فهي في نظرهم الوجه الآخر للعلمانية وأنها تعني الحرية بأن يكون الإنسان حرًا في أن يفعل ما شاء،‮ ويقول ما شاء،‮ والإنسان في الليبرالية عابد لهواه‮ غير محكوم بالشريعة،‮ وامتد الحديث عن الليبرالية إلي ما هو أبعد من الأوصاف،‮ التي سردوها‮.. فهم يقولون‮: الليبرالية ليس عندها جواب تعطيه للناس‮.. ولا يقيم الليبراليون أي وزن لشريعة الله،‮ إذا ناقض التصويت الديمقراطي أحكامها المحكمة المنزلة من الله،‮ ولا يبالون أن يضربوا بأحكامها عرض الحائط،‮ حتي لو كان الحكم النهائي الناتج عن التصويت هو عدم تجريم الزنا،‮ أو عدم تجريم شرب الخمر،‮ أو كان تحليلاً‮ للربا،‮ أو السماح بتبرج النساء،‮ أو التعري والشذوذ الجنسي،‮ والاجهاض أو نشر الالحاد تحت ذريعة حرية الرأي،‮ وكل شيء في المذهب الليبرالي متغير وقابل للجدل،‮ ويواصل الكتاب الحديث عن الليبرالية بالقول‮: إذن الليبرالية الحاكم علي كل شيء بالصواب والخطأ،‮ حرية الإنسان وهواه وعقله وفكره،‮ وحكم الأغلبية من الأصوات هو القول الفصل في كل شئون حياة الناس العامة،‮ سواء عارض الشريعة أو وافقها،‮ وهي في نظرهم تدعو إلي الشرك والكفر وفعل الفحشاء والمنكر،‮ وتكفر بثوابت القرآن،‮ كما جاء في صفحة‮ »‬17‮«.‬
أما في الحديث عن الديمقراطية،‮ فيصفون النظام الديمقراطي بأنه يكفل حق الردة،‮ والانتقال بين الأديان كيف شاء الإنسان،‮ والسب واللعن في القرآن،‮ تحت مظلة القانون الديمقراطي،‮ وفي هذا النظام كما يرون لا دين ولا رجولة ولا أنوثة ولا مسلم ولا كافر الكل سواسية،‮ وأن الديمقراطية هي حكم الشعب،‮ وليس الاحتكام للشريعة لأنها تطبق ما وافق عليه الأغلبية،‮ وهي في نظرهم مخالفة صريحة لما أمر بها الله،‮ ولذلك فالسلفيون ليسوا في حاجة للديمقراطية،‮ كما يقولون في الكتاب الذي يتم ترويجه،‮ أما الدولة المدنية في نظرهم،‮ فهي تتعصب للوطن وأبنائه دون‮ غيرهم،‮ وهي تدعو للقومية العربية وهي الغاية التي تبرر الوسيلة،‮ والدولة المدنية تدعو للأنانية‮.‬
الغريب أن الترويج لمثل هذه الأفكار المعادية للدولة المدنية،‮ يأتي في الوقت الذي يحاول فيه كبار قادة السلفية،‮ خداع الرأي العام بأنهم يوافقون علي المواطنة،‮ والدولة المدنية،‮ ويأتي هذا التراجع عن الأطروحات العلنية في وقت تدعو فيه جميع القوي السياسية،‮ بمشاركة الأطياف الأخري،‮ وخاصة التي عانت كثيرًا من اضطهاد وقمع النظام البائد،‮ وعلي رأسها السلفيون وهو الأمر الذي يثير المخاوف من تنامي هذا التيار الذي يحاول إلغاء الدولة ومؤسساتها،‮ ليتمكن من فرض سطوته وسيطرته‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.