أصبح فعل «التطهير» في الوعي الجمعي العام ينطوي في استخدامه السياسي علي سوء القصد واللعب به عندما يطلق في ظاهره كحق وما يراد منه باطل! والخبرة التاريخية للشعب المصري علمته انه عندما يطلق شعار «التطهير» فإنه ينذر بشر سرعان ما يفصح عن نفسه عند البدء في الإعمال بمقتضاه! فالذين يتذكرون - مثلاً- إطلاق شعار «التطهير» من جانب سلطات ثورة 23 يوليو 1952 لم يكن غير مناورة سياسية واضحة لتصفية الحياة السياسية بتطهيرها من التعددية الحزبية التي كانت مصر تعرفها ما قبل الثورة! التي عمدت سلطاتها إلي مطالبة الأحزاب السياسية القائمة وقتذاك بأن تبادر إلي «تطهير» نفسها فبادرت الأحزاب علي الفور إلي التخلص من بعض أقطابها بمعرفة عناصر حزبية وشت بهؤلاء الأقطاب! وكانت وشاية هؤلاء عند قادة النظام الجديد بعد الثورة هي الدافع وراء المسارعة بعد شهور إلي التنكر لشعار «التطهير» ليأتي قرار السلطات بحل جميع الأحزاب واعتقال رموزها وتعطيل الحياة الديمقراطية التعددية لتبدأ سلطات الثورة في تجريب سياسة التنظيم السياسي الأوحد فيما عرفته مصر بهيئة التحرير والاتحاد القومي ثم الانتهاء إلي صيغة تحالف قوي الشعب العامل في «الاتحاد الاشتراكي العربي» الذي أريد له أن يكون الحزب السياسي الأوحد في مصر! ليدرك الشعب بعد ذلك وكافة قواه السياسية أن الأمر لم يكن إلا مناورة بدأت بشعار «التطهير»! الذي لم يكن سوي «الطُعم» الذي ابتلعته الأحزاب السياسية في البداية وأخذت به ليأتي قرار حلها بعد ذلك وأيلولة أموالها ومقارها إلي ملكية الدولة! بل لتصبح بعض مقارها هي مقار التنظيم السياسي الأوحد!. وقد واكب «التطهير» المعلن من سلطات الثورة الاعتداء علي فقيه الدساتير والقانون «عبدالرزاق السنهوري» الذي كان أول من زين لسلطات الثورة أن تحكم بما سماه لها الشرعية الثورية دون عودة إلي برلمان منتخب من قبل! وعاد شعار التطهير يرتفع مرة أخري عام 1968 ليشهد المصريون مذبحة للقضاة بقصد إلحاق القضاء بعد التخلص من بعض عناصره المشكوك في ولائهم للنظام السياسي القائم وبعد هزيمة يونيو 1967 التي قضت علي عافية النظام قبل أن تدمر القوة العسكرية لجيش مصر! وخلال هذه العقود التي تلت ثورة 23 يوليو كان التطهير علي أشده في مختلف جهات الدولة بحيث كان يجري طرد بعض أساتذة الجامعات وغيرهم من الموظفين الكبار «غير المتعاونين» بإخلاص مطلوب مع النظام. وعلي عهد الرئيس الراحل أنور السادات أطل شعار «التطهير» مرة أخري بنية تخلص النقابات المهنية من أفضل عناصرها! وكان التطهير في نقابة الصحفيين- مثلاً- يعني التخلص من المناوئين تحديداً للنظام السياسي! لكن النقابة قاومت «التطهير» المطلوب! ورفعت شعار «عضوية النقابة كالجنسية لا يجوز إسقاطها» وعندما تأكد النظام من استحالة تنفيذ «التطهير» المطلوب عمد إلي محاولة تحويل النقابة إلي مجرد ناد اجتماعي للأعضاء! ولم يستطع النظام تنفيذ ذلك عندما نصح مستشار جيد للرئيس الراحل بأن عراقة هذه النقابة تجعل مصر هدفاً لاستنكار محلي وعالمي مصر في غني عنه! فكان العدول عن فكرة تحويل النقابة إلي نادٍ!. وها هو النظام السياسي الحالي ما بعد ثورة 25 يناير يدفع إلي رفع شعار «تطهير القضاء» بكل ما ينطوي عليه من إهانة بالغة لقضاء مصر وجموع قضاته! وخاصة أن شعار التطهير هذه المرة لم يخف مقاصده السيئة والنظام يروج لتعديلات في قانون السلطة القضائية، وهذه التعديلات تنذر بالتخلص من آلاف القضاة! وخفض سن إحالة القضاة إلي المعاش عند سن الستين! ولا يدري الذين يلحون علي «تطهير القضاء» المزعوم أنهم يلعبون بالنار التي تحرق الوطن عندما يصبح القضاء من مرافق سلطتهم التنفيذية!.