القلوب هي محل النظر ومحل الاعتبار، وهي أساس الصلاح والفساد، فمتى صلح قلبك في طاعة الله وخشيته والإخلاص له وتوحيده وتعظيم أمره ونهيه والموالاة في ذلك والمعاداة في ذلك صلحت أحوالك وأعمالك وانبعثت همتك إلى كل خير وتباعدت بذلك عن كل شر، ومتى فسد القلب بالشهوات المحرمة والنفاق والكفر والضلال فلا تسأل عما يقع من الشرور والفساد والمعاصي، كما أنها أسباب لفساد القلب ومرضه، كذلك من أسباب موته والطبع عليه، وهي بريد الكفر، كما أن الأمراض البدنية بريد الموت فالأمراض القلبية بريد هلاك القلب وبريد الطبع عليه وموته، ومتى مات وطبع عليه وختم عليه فلا تسأل عما يقع من الشرور والفساد وعدم الانتباه لأي شيء، يقول : فَلَمَّا زَاغُوا أي انحرفوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، ويقول : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] هذه من ثمرات الزيغ والاستمرار في المعاصي والشرور، فالواجب على المؤمن أن ينتبه لهذا الأمر، وأن يحاسب نفسه، وأن يجاهدها لعله ينجو، فالله يقول سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]. ومن أعظم الجهاد جهاد النفس، جهاد الكفار جهاد عظيم وجهاد المنافقين جهاد عظيم وجهاد الكفار جهاد عظيم، وأعظم الجهاد الأكبر جهاد الشيطان، ولكن جهادنا أصل لذلك ........ كيف تجاهد عدوك؟ جهاد النفس أصل عظيم لصلاح قلبك ولجهاد أعدائك جهادًا صادقًا مفيدًا نافعًا، والآية تعم ذلك كله، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا [العنكبوت:69] جاهدوا أنفسهم، وجاهدوا عدوهم الشيطان، وجاهدوا العصاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاهدوا الكفار والمنافقين بما شرع الله من الجهاد، لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، وعدهم الله بالهداية لسبيله القويم، فمن جاهد نفسه لله بترك المعاصي والإقبال على الطاعات والوقوف عند الحدود هداه الله صراطه المستقيم وثبته وأعانه، وبذلك يكون من المحسنين، والله مع المحسنين سبحانه وتعالى. ومن ضيع وتابع الهوى سلط عليه العدو وهو الشيطان فساقه إلى كل باطل، وشجعه على كل أسباب الهلاك، وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ [الزخرف:36] يعني يغفل ويعرض، نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]، وفي الآية الأخرى: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن:17]، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165]، ويقول سبحانه: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19]، نسوا الله بإعراضهم وغفلتهم وارتكابهم المحارم وعدم قيام بحقه، فأنساهم الله أنفسهم، أنساهم الله عز وجل أسباب نجاتها وأسباب سعادتها وأسباب مصالحها حتى صارت أعمالهم وتصرفاتهم كلها ضد مصالحهم كلها في سبب هلاكهم وضياعهم وضلالهم، فالجزاء من جنس العمل. حق عليك يا عبد الله أن تجاهد هذه النفس، وقد سمعتم الله يقول: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] هذا أمر بمحاسبها وجهادها ومناقشتها ....... في أيامك ولياليك حتى تلقى ربك، قف معها أشد من وقوف الجارد مع موظفيهم في حساب أموالهم ونفقة أموالهم وتصرفاتهم، هذه النفس هي مطيتك، فإن صلحت وصلت إلى شاطئ السلام، وإن هلكت وفسدت صرت إلى شاطئ الهلاك وطريق الجحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم لا يقتصر هذا عليك بل يمتد إلى غيرك، فإن فسق الفاسق وظلم الظالم إذا ظهر انتشر وعم الفساد، فيكون هذا ضارًا لك، وضارًا لغيرك، وشرًا لك وشرا على غيرك، فالناس إذا ظهر بينهم الشر وانتشر بينهم الباطل ولم يغير عمت العقوبات، وانتشرت أسباب الهلاك، في الصحيحين عن زينب رضي الله عنها أم المؤمنين أن الرسول دخل عليها ذات يوم عليه الصلاة والسلام قد تغير وجهه وهو يقول: ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ويأجوج مثل هذا وحلق بين أصبعيه السبابة والوسط، فقالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ تسأله تقول: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث. إذا كثر الخبث هلك الناس يعم الصالح والطالح، إذا كثر الخبث ولم ينكر وسكت هذا وهذا عمت العقوبات، وهكذا في الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه، وفي اللفظ الآخر: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم، وفي اللفظ الآخر: أيها الناس في الأحاديث الأخرى أنه صعد المنبر عليه الصلاة والسلام وقال: أيها الناس إن الله يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم، وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم، فمن العقوبات أنهم لا ينصرون على عدوهم، ويسلط عليهم عدوهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.