( القاهرة - خريف - 2006) ذات يوم من ذلك العام. وقفت أمام كورنيش مصر القديمة؛ بالقرب من حارة "دير النحاس" التي كان يقطنها المواطن "أحمد إبراهيم" - الذى لعب دوره الفنان عماد حمدى فى فيلم «حياة أو موت»، بعدما ظل منتظراً - طيلة أحداث الفيلم - وصول زجاجة الدواء لقلبه المُتعب مع ابنته الصغيرة" ضحي". وهو لا يدرى أن الزجاجة بها سماً قاتلاً! [ وسط القاهرة- السيدة زينب] مرت الدقائق ثقيلة. وكئيبة. وأنا أواصل الانتظار بصعوبة، حتى أستقل سيارة ميكروباص فى طريقي، لمنطقة عشوائية هناك تسمي«تل العقارب». هكذا كنت أتذكر أحداث ذلك اليوم، المؤلم، والمرهق، الذى مررت به، أمام الكاتب الروائى الراحل محمد البساطى(1937- 2012) - اليوم ذكري رحيله - وأنا جالس أمامه، يستمع لى بتواضع شديد، وابتسامة صافية، ومشاعر فياضة. وسيجارة في يده أوشكت على النفاد. [ وسط القاهرة - مطعم الجريون] حدث ذلك داخل مطعم "الجريون". أثناء حديثى معه، حول إبداعه الأدبى، الذى ارتكز على هموم الإنسان، وعالم المهمشين فى القرية المصرية بصفة خاصة. وعالم المهمشين بصفة عامة. ومر الوقت سريعاً، ونحن نتحدث فى موضوعات شتي، إلى أن جاء له ضيف - أظنه كاتباً من دولة عربية - فتركتهما على وعد بلقاء آخر قريب معه. [القاهرة - شتاء - 2007] كانت الساعة قد اقتربت من السادسة مساء تقريباً. فى جو بارد بعض الشئ. عندما بدأت الترجل بميدان التحرير فى طريقي إليه عبر شارع "طلعت باشا حرب". بجوار محطة المترو، التقيت بالزميل الصحفي عماد حبيب. سألني: إلى أين أنت ذاهب؟ قلت: لاجراء حوار مع الروائي محمد البساطي. رد: خذني معك. وبالفعل اصطحبته إلى "الجريون" حيث اللقاء كان محدداً فى الساعة السابعة من ذلك المساء. [ الجريون - بعد 10 دقائق] على تربيزة قريبة من الباب، كان يجلس، وأمامه علبة سجائره. ومشروبات ساخنة. وكتاب لا أذكر اسمه. - "أهلا يا خيري.. تشربوا أيه؟" ثم بدأنا الحديث الذي تباعدت، وتقاربت أطرافه، إلى أن وجدته يقول: "دعنا من الحديث عن الأدب والثقافة.. أنت لم تكمل لى حكاية زيارتك لمنطقة "تل العقارب" التى حدثتني عنها فى اللقاء السابق بيننا". ثم قال برغبة شديدة: "أكمل لى الحكاية من فضلك"! [ منطقة تل العقارب - خريف - 2006] قلت له: فى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه، كان الحر شديداً، ونسائم الهواء المتقطع، تأتى داخل سيارة الميكروباص التى صعدت إليها. وأخذت مكانى بصعوبة، بجوار ركاب بائسين، ومأزومين. ومن أنفاسهم الصاخبة، شعرت أن الموت، لم يَعد فى زجاجة الدواء فقط التي كانت فى طريقها إلى "دير النحاس" آواخر الأربعينيات من القرن الماضي، لكنه - أي الموت - بعوامل تطور الانهيار المجتمعي. اقترب من أغلب مناحى الحياة حتي، ونحن فى آواخر ذلك العام. بعد 30 دقيقة تقريباً وصلنا بالقرب من "كوبرى حديدي" فى طريقنا لميدان السيدة زينب. السائق رفض استكمال الطريق حتى نقطة المحطة المتعارف عليها، ودار بينه وبين سيدة مسنة حوار عبثى، عندما حاولت استعطافه؛ ليكمل ما تبقى من مسافة حتى الوصول للمحطة، نظراً لظروفها الصحية السيئة. انتهى النقاش الحاد بينهما، بأن اطلق أمامنا قسما وأمام الشرطى الذى كان يقف لينظم حركة المرور بأنه لن يتحرك من مكانه، وعلى الجميع مغادرة السيارة.. والآن! وبالفعل تحقق له ما أراده لنا قهراً! [ الجريون - شتاء 2007] أنا مازلت أتكلم. والزميل "عماد حبيب" مازال صامتاً. ومندهشاً. ومبتسماً دائماً. و«البساطي» أمامنا، يُشعل سيجارة وراء أخرى. ويتنقل ببصره ما بين أركان المكان، الذي بدأ يزدحم برواده، وزبائنه، الذين كانوا يتبادلون معه تحية المساء. ثم أشار لى حتي استكمل حكاية البشر فى "تل العقارب". [ تل العقارب - خريف 2006] قلت: تركت مقعدى مثل الجميع فى الميكروباص، واصطحبت السيدة فى طريقى، بعدما علمت أنها من سكان المنطقة التى أنا فى طريقي إليها. وحاولت جبر خاطرها ببعض الكلمات؛ لأمحو من ذهنها، ما لحق به، من أذى لفظى بلسان سائق منفلت أخلاقياً. ردت قائلة: «خلاص.. خلاص..على الدنيا السلام»! ثم استفسرت عن سبب زيارتى للمنطقة. قلت: جئت لإجراء تحقيق صحفى عن "الجوع" فى «تل العقارب». ابتسمت ساخرة، وهى تقترب من مدخل الحارة، التى تسكنها. وقالت وهي تودعني: «بدل ما تحققوا عن الجوع..حققوا عن الناس اللى بتموت هنا من الجوع» ثم تركتنى وهى مازالت تتمتم بكلمات غاضبة، ومؤلمة، ضد كل شيء فى الحياة! بعد لحظات غابت عن بصري، فبدأت رحلتى داخل أزقة، ودروب، وشوارع ضيقة، تفوح منها رائحة الفقر. البشر فى المكان ينظرون لى بتوجس، وتحفز، وقلق، ظاهر على ملامحهم. بعد دقائق بدأ الخوف يتسرب إلى داخلى، أمام نظرات حادة لفتيات تتأرجح أجسادهن معلنة عن رغبات تبدو متوحشة. وشباب فى مستوى أعمارهن أو أكبر قليلاً، يقبضون على أيامهم التى تمر بلا أمل. بعد دقائق اقتربت من سيدة تجلس أمام حجرة متواضعة. قالت: نحن هنا فى مقبرة جماعية، حيث لا توجد خدمات. ولا حياة آدمية من الأساس.ثم تذكرت قائلة: تركت أنا وزوجى قريتنا فى مركز أخميم بمحافظة سوهاج، هرباً من الفقر، فوجدناه هنا أشد بؤساً وقسوة. ثم أشارت إلى مسكنها، الذى لا يتجاوز الحجرة الصغيرة، بعدما فتحت بابها. وقالت: هذه الحجرة نعيش بها أنا وزوجى وأربعة أولاد! ثم تساءلت فى حزن: هل هذه حياة! لم أنتظر حتى تنتهى من كلامها، ولم أستطع استكمال باقى التحقيق الصحفى الذى كنت ذاهبا إليه. وغادرت المكان مسرعاً، حتى وصلت سيراً إلى ميدان السيدة زينب، المزدحم بالبشر! وأنا أشعر بأنفاس اليأس تلاحقنى، وخطواته خلفى تدفعنى دفعاً، حتى لا أعود إلى المكان مرة أخري. [ الجريون - شتاء 2007] عند هذه النهاية المؤلمة.. سكت قليلاً. فهز «البساطى» رأسه بأسي. وقال: هذا هو الفقر الذى يحول البشر إلى كائنات بشرية مشوهة. قلت: ألم يكن من الأفضل لهؤلاء أن يظلوا فى قراهم، بالصعيد أو الدلتا، ليعيشوا هناك حياة آدمية بعض الشيء. رد غاضباً: ومن قال لك إنه كانت هناك لمثل هؤلاء حياة من الأساس. أنا عشت فى الصعيد - وفى الدلتا بالطبع - السنوات الأولى من طفولتى وشبابي. هناك الجوع أسوأ من هنا. على الأقل فى المدينة وهذا شاهدته بنفسى مرات عديدة تجد بعض الفقراء بجوار صناديق القمامة، يفتشون فيها عن بقايا الطعام ليقتاتوا منه، ويطعموا أطفالهم الجوعى. هذه ليست حياة.. هذا واقع مترد،ٍ وبائس، ومؤلم. والذى أوصلنا إلى هذا الانهيار الأخلاقى والمجتمعى هى سياسة الانفتاح الاقتصادى التى حدثت مع عصر الرئيس السادات. تحدثنا وقتها فى أمور كثيرة تخص الثقافة والأدب والسياسة. وتحدث هو فى نهاية اللقاء بتحفظ شديد، عن أزمة حرية الإبداع فى مصر. وكان يتحدث عن الثقافة ثم يعود للحديث عن الحياة، والعدالة الاجتماعية، وحق المواطن فى أحلام حقيقية، تصبح واقعاً ملموساً يعيشه. وليست أوهام تتحول فى نهاية الأمر إلى كوابيس خانقة يعيش معها! كان يتحدث عن حق الإنسان فى مجتمع بلا فساد، وبلا فوضي، وبلا احباطات، وبلا إخفاقات. كان يقول ذلك بتأثر شديد وواضح على ملامحه. وكان زميلى"عماد حبيب" منتبها،ً ومستمعاً، ومندهشاً - كعادته منذ أن جلسنا - وإن كانت إبتسامته الآن، قد غابت تماماً عن وجهه الطفولي الذي أعرفه! [ وسط القاهرة - شارع طلعت حرب] بعد مرور ما يقرب من 90 دقيقة تقريباً، تركته فى "الجريون" يستقبل شاعراً شاباً، كان على موعد معه، لإهدائه ديوانه الأخير. ولم أراه مرة أخري، إلى أن بدأت رحلته المرضية القاسية، التى واجه فيها بثبات، وصبر، سرطان الكبد اللعين، الذي هاجم جسده الضعيف، بكل قسوة، وضراوة حتي وصل صراعه معه إلى منتصف عام 2012. وقتها رفض اللجوء للعلاج على نفقة الدولة، واعتبر نفسه فى حالة خصام، وانفصال دائم معها، منذ أزمة الروايات الثلاث التى تخلت فيها الدولة عن دورها فى حمايته، حيث كان يشرف على السلسلة الثقافية التى نشرت هذه الأعمال. وتركتهُ بمفرده، يواجه العواصف، التى هبت بسبب نشرها وقتها! وعندما بدأت استعد لوداعه. قال لى: عندما تذهب إلى"تل العقارب" أو غيرها من تلك المناطق العشوائية(ابقي قولى شفت آيه)؟! [ القاهرة - يوليو 2012] مرت الأسابيع والشهور والمرض يشتد عليه. وهو يقاوم.. بصبر. ورضا. وهدوء إلى أن حانت لحظة الختام، ليرحل الروائي محمد البساطي صاحب (التاجر والنقاش) و(صخب البحيرة) و(هذا ما كان) و(ساعة مغرب) و(منحنى النهر) و(أصوات الليل) و(بيوت وراء الأشجار) و(الأيام الصعبة) و(الجوع) وغيرها من الأعمال الإبداعية التى تنوعت ما بين القصة القصيرة والرواية. يرحل دون أن التقِيه مرة أخري، ليسمع حكاية جديدة، عن المهمشين فى الأرض، لأنني ببساطة لم أعد إلى"تل العقارب" مرة أخري! ولم التقِيه حتي رحيله عن الحياة. هذا الرحيل الذي جري فى هدوء دون صخب، مثلما عاش حياته فى هدوء، بلا ضجيج، بعد رحلة إبداع وقف فيها بجوار الفقراء، بحثاً عن حياة يستحقونها. ورسم بحروفه حكاياتهم الحزينة، على أمل أن تكون الكلمة الصادقة سنداً لهم، فى مواجهة زيف المظهر الاجتماعى الخادع، الذى تحول بسببه الإنسان إلى كائن آخر غير نفسه. مثلما حدث مع سكان «تل العقارب» وغيرهم- ممن يعيشون على الهامش فى هذا الحياة، الأمر الذى دفع بأم لتضع أطفالها الصغار، تحت السرير، ليناموا فى حضن عتمة الليل، وهم فاقدو الحلم فى طلوع النهار. الأحداث والوقائع حقيقية. سيناريو الأحداث《المقال السيناريو أو السيناريو المقال》 من خيال الكاتب. الصورة المصاحبة للراحل محمد البساطي.