سعت شرقًا وغربًا، فلم تجد أمامها سبيلًا آخر بعد أن تركها زوجها بلا مال ولا سند ولا نفقة تعينها على مواكبة الحياة سوى طرق باب محكمة الأسرة لعلها تنصفها، لكنها اصطدمت ببطء إجراءات التقاضى فى دعوى النفقة وصعوبة الحصول على تحريات عن دخل زوجها، خاصة أنه من أصحاب الأعمال الحرة، وبات أقصى أمانيها أن يحكم لها حتى بحد الكفاية حتى تتمكن من البقاء هى وصغيراها على قيد الحياة، فاضطرت إلى الخدمة فى بيوت العباد والتسول والتنقل بين المصانع كى تصرف على صغيريها لحين الفصل فى قضيتها، إنها «هبة» صاحبة الثلاثين ربيعًا، والتى تعد نموذجًا بسيطًا لآلاف السيدات التى تعانى بسبب بطء إجراءات التقاضى فى دعاوى النفقات. جلست «هبة» على كرسى خشبى رابض بالقرب من إحدى قاعات الجلسات بمحكمة أسرة زنانيرى، برفقة طفليها «محمد وريناد»، وتنتقل بعينيها البائستين بين ملامحهما وورقة بيضاء صغيرة، مدون عليها رقم دعوى نفقة صغار، فتعصف بذهنها مشاهد توسلاتها لزوجها الذى لا يعنيه فى الحياة سوى اهتماماته الشخصية ونزواته واللهث وراء النساء -حسبما روت- لتبحث عن عمل تنقذ به الصغيرين من حياة التيه والتشرد، وتسد مصروفاتهما الدراسية. «زوجى بتاع ستات وفلوسه رايحة عليهم»، بهذه الكلمات بدأت رواية تفاصيل حكايتها: «ظننت أنه سيريح جسدى من عناء العمل بالمحال التجارية والمصانع، ويعوضنى عن سنوات الشقاء والحرمان التى عشتها بعد وفاة والدى، قبلت الزواج منه، ولم تمر سوى أشهر معدودة حتى كشف عن وجهه القبيح، رجل نسوانجى أنانى لا يفعل شيئًا فى الحياة سوى اهتماماته الشخصية، أما زوجته وأولاده، فيتذيلون قائمة اهتماماته، تحملت تلك الحياة من أجل الطفلين، وحاولت أن أصلح من حاله لكن دون جدوى». تعتدل السيدة فى جلستها وترتب ملابسها الرثة وحجابها الأبيض الذى بدت عليه علامات الزمن وواصلت حكايتها: «ظننت أنه سيوفر لى حياة كريمة وبيت آدمى، فماله الذى يجنيه من عمله كصاحب مصنع وفير، يا لخيبة الأمل! فلم أجد سوى بيت متهالك لا يختلف كثيرًا عن بيت أهلى الذى ظننت أننى تركته بلا عودة، ورجل يبات ليله فى شد الأنفاس والتنقل بين أحضان الساقطات، تراكمت علينا الديون، وصار الجوع لا يغادر منزلنا البائس، واضطررت للخدمة فى بيوت كى أسد جوع الطفلين، وصل بى الحال لجمع القمامة من الشوارع وأبيع مع يباع منها لأدفع المصروفات المدرسية للطفلين». تتسارع أنفاسها وهى تحكى عن تفاصيل زواجها البائس الذى دام لأكثر من 17 عامًا: «ويا ليته اكتفى بما فعل بى، بل بات يستولى على أموالى كى ينفقها على ساقطاته ولحظات انتشائه الزائفة، وعندما كنت أعلن رفضى عن منحه ما جنيته كان ينهال على جسدى الهزيل بالضرب المبرح ويصفعنى باللكمات، وفى النهاية يطردنى من البيت، ورغم ذلك كنت أعود إليه صاغرة، فمن سيتحمل أعباء الطفلين، حتى ساءت حالتى النفسية، وتسلل المرض إلى جسدى، ولم أعد أقوى على العمل حينها قرر التخلى عنى وطلقنى وألقانى فى الشارع أنا والطفلين، وتركنا للجوع والمرض ينهش فى لحمنا، وقرر البحث عن أخرى تنفق عليه، فأنا فى نظره أصبحت امرأة بلا فائدة، بعد أن فرغت حافظة نقودى». تزيح زفرات الدموع بطرف أكمام ملابسها السوداء الرثة وهى تتابع حديثها: «أكثر ما آلمنى أنه تخلى عنى وعن فلذات كبده بعد عِشرة 17 عامًا وصبر على حاله المائل، أفلت يديه وأزاح عن عاتقه همنا بمجرد أن وجد «نومة ولقمة تانية»، أكثر من سنة تمر ولم يسأل على ولديه أو يرسل لهما مليمًا واحدًا، حاولت معه بالحسنى لكنه رفض، فأرسلت له الوسطاء لمساومته فى دفع مبلغ مالى يكفينى للعيش حياة كريمة، لكنه ضرب بكلامهم عرض الحائط، شهور تمر وأنا وأولادى بلا مال». تختتم الزوجة روايتها وهى ترتكن إلى جدار متهالك كجسدها وهيئتها: «وبعد أن اشتد على المرض وزاد الحمل، لم أجد أمامى سبيلًا آخر سوى اللجوء إلى محكمة الأسرة، وأقمت ضده دعوى طالبت فيها بنفقة للصغرين، لا أعرف أى أب هذا الذى لا يريد أن يصرف على أطفاله، وينفق على المحامين كى يحرموه من بضعة جنيهات يمكن أن تبقى أطفاله على قيد الحياة، أيحارب صغيرين لا ذنب لهما، ألهذا الحد هو رجل فظ القلب، ولا أعلم لماذا يستغرق الفصل فى دعاوى النفقات سنوات، وحتى إن صدر الحكم يصعب تنفيذه، ولماذا لا تقضى المحكمة بنفقة مؤقتة للسيدة، ثم تلقون عليها اللوم إذا أخطأت أو باعت نفسها فى سبيل إطعام أطفالها، كل ما أتمناه أن يتم إيجاد آلية فعَّالة للتسريع بصرف النفقات، حبال المحاكم طويلة ولم يعد لى أنفاس للصبر، وها أنا أعمل فى البيوت رغم هلاك صحتى وأتسول من المساجد من أجل سد جوع أولادى».