وزير العدل يقرر نقل قسم التصديقات إلى مقره الجديد بالسيدة زينب    ميلانيا ترامب تحث على الوحدة بعد عمليات إطلاق النار في مينيابوليس    وادي دجلة يفوز بثلاثية على الزمالك في دوري الكرة النسائية    الداخلية تكشف تفاصيل التهجم على منزل سيدة واختطاف طفليها بالبحيرة    تأجيل محاكمة المتهم بقتل زوجته لاعبة الجودو في الإسكندرية لجلسة الغد    The Sun: مصر ضمن أفضل 10 وجهات سياحية عالمية للزيارة في 2026    جامعة القناة تنظم قافلة للإصحاح البيئي بالتل الكبير بالإسماعيلية (صور)    مستوطنون يطلقون النار صوب منازل الفلسطينيين جنوب نابلس    زلزال بقوة 5.7 درجات يضرب سواحل إندونيسيا    لجان حصر «الإيجار القديم» تعلن الأماكن المؤجرة لغرض السكنى بمحافظة الوادي الجديد    وكيل الشباب بالدقهلية يشهد انطلاق القافلة الطبية للكشف الطبي والكود الطبي للرياضيين    مصلحة الجمارك المصرية تكشف عن حالة وحيدة تمنح المسافر حق الإعفاء الكامل من رسوم الهاتف المحمول عند دخوله البلاد    تعرف على اسعار الذهب اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 فى محال الصاغه بالمنيا    إعلام إسرائيلي: الولايات المتحدة ستعلن خلال أيام موعدا نهائيا لنزع سلاح حماس    محمد أبو زيد يوقع روايته عنكبوت في القلب بجناح دار الشروق في معرض الكتاب    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 بتوقيت المنيا    الرئيس الجزائري يستقبل كبير مستشاري ترامب    رين يتمسك بمهاجمه ويرفض عرض الهلال لضمه رغم الإغراءات المالية    حلم الحركة يعود.. توجيهات رئاسية تخفف الألم عن ملايين الأسر    أسامة الدليل: مصر تفرض معادلة «فلسطينى مقابل فلسطينى» فى معبر رفح    مقتل 3 أشخاص وإصابة 25 في أوديسا بأوكرانيا جراء هجوم بمسيرات    «غنيم»: ندعم حظر وسائل التواصل للأطفال دون 15 عامًا لحمايتهم من العنف    خالد الجندي: الصمت عبادة من أعظم العبادات المهجورة    ختام ناجح لتصفيات شمال أفريقيا المؤهلة لبطولة للمدارس    معرض الكتاب يناقش إشكاليات الترجمة الأدبية بين البولندية والعربية    أسعار البترول تواصل صعودها عالميًا.. وخام برنت يكسر حاجز ال 66 دولارًا للبرميل    للعام الثالث على التوالي.. طب عين شمس تحتفي بتخريج الطلاب الوافدين دفعة 2025 | صور    وزارة الأوقاف: مفيش وقت محدد لصلاة التراويح.. والأمر متروك لظروف كل مسجد    القصة الكاملة لفتاة قنا.. قرار جديد من جهات التحقيقات وتفاصيل مثيرة    رئيس الوزراء يتفقد مشروع إنشاء مُستشفى هليوبوليس الجديدة..وافتتاح مستشفى كليوباترا التجمع    علاج النسيان وعدم التركيز بالأعشاب الطبيعية    الأوقاف: تخصيص 30 مليون جنيه قروضًا حسنة بدون فوائد    جامعة أسيوط تشارك في مؤتمر حوادث السفن وسلامة البيئة البحرية بالإسكندرية    عاجل- رئيس الوزراء مستشفى هليوبوليس الجديدة: 42 ألف م2 و400 سرير لخدمة مليون مواطن    نائبا وزيري خارجية أمريكا وطاجيكستان يزوران المتحف المصري الكبير    طلاب زراعة قناة السويس يشاركون في الدورة الأربعين مصريًا والأولى أفرو-عربيًا بجامعة القاهرة    التايكوندو يعلن تشكيل لجنة السلامة وإدارة المخاطر    غيوم ورياح مثيرة للأتربة.. تقلبات جوية فى محافظة بورسعيد.. فيديو وصور    تفاصيل اعترافات المتهم بقتل أم وأطفالها الثلاثة فى فيصل قبل الحكم.. فيديو    كشف ملابسات واقعة سرقة معدات موقع صرف صحي بالشرقية    اسكواش – رباعي مصري يحسم تأهله لنصف نهائي بطولة الأبطال    رئيس الاتحاد الإسباني: نهائي كأس العالم 2030 سيقام في إسبانيا    اندلاع حريق داخل مصنع إسفنج فى البدرشين    معرض الكتاب.. الشاعر الأردني "محمد جمال عمرو" ضيفا في جناح الطفل وحفل توقيع كتابه "أحلام صغيرة"    إطلاق «المكتبة العربية الرقمية» بالشراكة بين مركز أبوظبي للغة العربية    سعر طبق البيض بالقليوبية الثلاثاء 27 - 1 - 2026.. الأبيض ب117 جنيها    وكيل الأزهر: الوفاء لتراث أئمتنا لا يكون فقط بنشر نصوصهم وإنما بكيفية تقديمه وفهمه في سياقه التاريخي    بمشاركة 439 طالبًا.. جامعة أسيوط الأهلية تشهد انطلاق دورة للتربية العسكرية والوطنية    لطلاب الدمج.. تعرف على ضوابط ومواصفات امتحان الثانوية العامة 2026    الفريق أول عبد المجيد صقر يلتقي نائب وزير الخارجية الأمريكي    منع الزيارة عن الفنان سامح الصريطي وزوجته ترافقه داخل العناية المركزة    استشهاد 4 فلسطينيين بقصف للاحتلال الإسرائيلى شرق مدينة غزة    كامل الوزير: نتطلع لزيادة عدد المصانع الأمريكية بمصر في مختلف المجالات    شوبير يوضح موقف الأهلي من أزمة ناشئي بيراميدز    مصر تنافس على المركز الأول في صادرات الملابس بأفريقيا ب 3.4 مليار دولار    نيابة عن رئيس الوزراء.. خالد عبدالغفار يشارك في احتفال سفارة الهند بالذكرى ال77 لعيد الجمهورية    حين تفتح أبواب السماء.. 7 أسرار نبوية للدعاء المستجاب    أمين الفتوى بدار الإفتاء: المأذون شريك في الحفاظ على استقرار الأسر المصرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المحاكم الاستثنائية والدستور
نشر في الوفد يوم 21 - 06 - 2012

بمجرد صدور حكم محكمة جنايات القاهرة في القضية المعروفة إعلاميا وشعبيا تحت اسم «قضية القرن»، حتى خرجت المظاهرات والمسيرات، تنديدا بالحكم واعتراضا عليه. بل إن البعض قد ذهب إلى حد المناداة بإنشاء «محكمة خاصة»
لمحاكمة رموز النظام السابق، وعلى رأسهم الرئيس السابق «محمد حسني مبارك». كما أن أحد مرشحي جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، وهو الدكتور «محمد مرسي»، تعهد صراحة وعلانية بإعادة محاكمة الرئيس المخلوع ورموز نظامه مرة أخرى. وتم توضيح هذا التعهد من جانب أحد قيادات حزب الحرية والعدالة، مؤكدا أن المحاكمة ستتم بناء على أدلة جديدة. وغني عن البيان أن تنفيذ هذا التعهد يكون من خلال إنشاء محكمة استثنائية، غير مقيدة بالمبادئ والقواعد المقررة في القانون الجنائي الدستوري. فوفقا للمادة 454 من قانون الإجراءات الجنائية، «تنقضي الدعوى الجنائية بالنسبة للمتهم المرفوعة عليه والوقائع المسندة فيها إليه بصدور حكم نهائي فيها بالبراءة أو بالإدانة. وإذا صدر حكم في موضوع الدعوى الجنائية، فلا يجوز إعادة نظرها إلا بالطعن في هذا الحكم بالطرق المقررة في القانون». وتضيف المادة 455 من ذات القانون أن «لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائيا بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة».
والمحاكم الخاصة يتم اللجوء إليها في المواد الجنائية دون سواها. والأدق أن يطلق عليها اصطلاح «المحاكم الاستثنائية» أو «المحاكم غير العادية» (Juridictions exceptionnelles)، تمييزا لها عن المحاكم المتخصصة أو المحاكم ذات الاختصاص الخاص، والتي يناط بها نظر بعض الجرائم أو محاكمة فئات معينة من المتهمين.
وتشترك المحاكم الاستثنائية مع المحاكم ذات الاختصاص الخاص في نظر جرائم من نوع معين أو بمحاكمة فئة خاصة من المتهمين. ولكن، تختلف عنها في أنها محاكم مؤقتة بظروف معينة. ومن أمثلة هذه المحاكم في مصر المحكمة الخاصة المنشأة بموجب المرسوم بقانون رقم 344 لسنة 1952م في شأن جريمة الغدر، ومحكمة الثورة المنشأة بمقتضى الأمر الصادر من مجلس قيادة الثورة في 16 سبتمبر سنة 1953م. والوجه الاستثنائي في هذا النوع من المحاكم واضح من طبيعة الظروف الاستثنائية التي أنشئت فيها، وهي قيام ثورة 23 يوليو 1952م، فضلا عن الإجراءات غير العادية المتبعة أمامها، سواء من حيث الاتهام أو التحقيق أو المحاكمة، بالإضافة إلى الجرائم التي تختص بنظرها دون تقيد بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
وهكذا، اقتضت ظروف ثورة 23 يوليو 1952م إنشاء محاكم استثنائية، هي محكمة الغدر ومحكمة الثورة. وفي مرحلة لاحقة، أصبحت محاكم أمن الدولة العليا التي تنشأ بمناسبة إعلان حالة الطوارئ هي المختصة بنظر الجرائم التي تقع من الأفراد، وهي محاكم موقوتة بطبيعة هذه الحالة. وفي سنة 1967م، أعيد إنشاء محكمة الثورة بالقرار بقانون رقم 48 لسنة 1967م، للنظر فيما يحيله إليها رئيس الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب جرائم ذات طابع سياسي.
وبصدور دستور سنة 1971م، تم إضفاء قيمة دستورية على محاكم أمن الدولة، والتي تختص – كما هو واضح من اسمها – بنظر جرائم المساس بأمن الدولة. فقد أدرج الدستور المصري محاكم أمن الدولة ضمن الفصل الخاص بالسلطة القضائية، ونص في المادة (171) منه على أن «ينظم القانون ترتيب محاكم أمن الدولة ويبين اختصاصاتها والشروط الواجب توافرها فيمن يتولون القضاء فيها». وعلى هذا النحو، أصبحت محاكم أمن الدولة الدائمة جزءا من السلطة القضائية بنص الدستور. وبناء على ذلك، صدر القانون رقم 105 لسنة 1980م بإنشاء محاكم أمن الدولة. وبمقتضى المادة الثانية من هذا القانون، «تشكل محكمة أمن الدولة العليا من ثلاثة من مستشاري محكمة الاستئناف على أن يكون الرئيس بدرجة رئيس محكمة استئناف. ويجوز أن يضم إلى عضوية هذه المحكمة عضوان من ضباط القوات المسلحة القضاة بالقضاء العسكري برتبة عميد على الأقل ويصدر بتعيينهما قرار من رئيس الجمهورية». وقد ورد في تقرير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية عن مشروع القانون رقم 105 لسنة 1980م أنه «لما كانت المادة (171) من الدستور تقضي بأن ينظم القانون ترتيب محاكم أمن الدولة، ويبين اختصاصاتها والشروط الواجب توافرها فيمن يتولى القضاء فيها – فقد بات واجبا أن ينظم القانون هذه المحاكم لكي تؤدي رسالتها في ظل الشرعية الدستورية». وفي نهاية التقرير، وردت الإشارة إلى أنه «قد وافقت اللجنة بإجماع آرائها على مواد المشروع في الصيغة المرفقة فيما عدا السيد العضو المستشار ممتاز نصار الذي أصر كتابة على إثبات اعتراضه على الفقرة الثانية من المادة (2) من المشروع التي أجازت تعيين عضوين من القضاة بالقضاء العسكري في محكمة أمن الدولة العليا بقرار من رئيس الجمهورية، وإعمالا لحكم الفقرة الثالثة من المادة (67) من اللائحة الداخلية فقد أثبتت اللجنة اعتراضه في هذا القرار». أما المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 105 لسنة 1980م، فقد ورد فيها ما يلي: «اختص الدستور الدائم لجمهورية مصر العربية الصادر في 11/ 9/ 1971 السلطة القضائية بعدة أحكام منها نص المادة 171 التي تقضي بأنه ينظم القانون ترتيب محاكم أمن الدولة ويبين اختصاصاتها والشروط الواجب توافرها فيمن يتولون القضاء بها. وتنفيذا للنص المذكور، أصبح من اللازم إنشاء محاكم أمن الدولة الدائمة كجزء من السلطة القضائية. وتحقيقا لذلك، رئي إعداد مشروع القانون المرافق...».
كذلك، نص دستور 1971م، ولأول مرة – في المادة (179) منه – على نظام المدعي العام الاشتراكي، مفرداً له فصلاً خاصاً هو الفصل السادس منه. كما نص في المادة (183) على أنه «ينظم القانون القضاء العسكري ويبين اختصاصه». ومفاد ذلك أن الدستور أناط بالقانون بيان اختصاصات محاكم أمن الدولة والقضاء العسكري كليهما دون أن يضع لذلك قيوداً أو حدوداً، إلا فيما يستفاد من نصوص أخرى في الدستور في سياق القراءة المتكاملة لأحكامه باعتبار أن نصوصه يكمل بعضها بعضاً.
والواقع أن إسباغ قيمة دستورية على بعض المحاكم الاستثنائية يتعارض مع العديد من المبادئ الدستورية، ولاسيما مبدأ استقلال القضاء ومبدأ القاضي الطبيعي. فقد حرصت الدساتير المصرية المتعاقبة، بدءاً بدستور 1923م ومروراً بدستوري 1930م و1956م، على تأكيد استقلال القضاة وعدم خضوعهم إلا لسلطان القانون وعدم جواز التدخل في القضايا. وتفرد الدستور الدائم الصادر عام 1971م بما نصت عليه مادته الثامنة والستون من كفالة حق كل مواطن في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي. وما دام الدستور قد قرر مبدأ القاضي الطبيعي، فإن مؤدي ذلك ومقتضاه هو حظر المحاكم الاستثنائية، تحت أي مسمى وبأي وصف. ولذلك، حسنا فعل المشرع الدستوري المصري بإلغاء نظام المدعي العام الاشتراكي، وذلك بناء على التعديلات الدستورية التي تمت في سنة 2007م. فقد استبدل بالفصل السادس من الدستور، الخاص بالمدعي العام الاشتراكي، فصل جديد تحت عنوان «مكافحة الإرهاب»، واستبدل بنص المادة 179، الخاص بالمدعي العام الاشتراكي، نص جديد يتعلق بمواجهة أخطار الإرهاب، وذلك كله بموجب التعديلات الدستورية التي تمت بناءً على طلب رئيس الجمهورية وأقرها مجلسا الشعب والشورى، ووافق عليها الشعب في الاستفتاء الذي أجرى بتاريخ 26 من مارس 2007م. كذلك، حسنا فعل المشرع المصري بإصدار القانون رقم 95 لسنة 2003 بإلغاء القانون رقم 105 لسنة 1980 بإنشاء محاكم أمن الدولة وبتعديل بعض أحكام قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية. ووفقا للمادة الأولى من هذا القانون، «يلغى القانون رقم 105 لسنة 1980 بإنشاء محاكم أمن الدولة، وتؤول اختصاصات هذه المحاكم إلى المحاكم المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية. وتحال الدعاوى والطعون المنظورة أمام محاكم أمن الدولة المشار إليها، بالحالة التي تكون عليها، إلى المحاكم المختصة طبقا لحكم الفقرة السابقة، وذلك عدا المؤجل منها للنطق بالحكم فتبقى تلك المحاكم حتى تصدر أحكامها فيه، ما لم تتقرر إعادته للمرافعة».
ويكاد ينعقد إجماع دساتير العالم المتحضر على تقرير مبدأ القاضي الطبيعي؛ ولا يخلو من هذا المبدأ دستور واحد، مهما كان النظام المتبع، وأياً كان المذهب السياسي المعتنق، وبغض النظر عن النهج الاقتصادي المختار. فرغم تفاوت التوجهات واختلاف الأنظمة السياسية والقانونية لبلدان العالم، يمكن القول بأن ثمة توافقاً في الآراء بشأن المبادئ والمعايير الدنيا لنظم القضاء. فعلى سبيل المثال، تحظر المادة الثامنة من الدستور البلجيكي الصادر عام 1831م «حرمان أي فرد على غير مشيئته من القاضي الذي يعينه القانون». ووفقا للمادة (94) من ذات الدستور، «لا يجوز إنشاء أي محكمة أو هيئة قضائية إلا بمقتضى القانون، ولا يجوز إنشاء لجان أو محاكم استثنائية تحت أي مسمى ومن أي نوع كانت». كذلك، يقضي الدستور اليوناني – في المادة (91) منه – بأنه «لا يجوز تحت أي مسمى كانت إنشاء لجان قضائية أو محاكم استثنائية». وفي ذات الاتجاه، سار الدستور الفنلندي الصادر عام 1919م، بما نص عليه في المادة (60) من عدم جواز إنشاء أي محاكم استثنائية.
والحق أن مبدأ القاضي الطبيعي لا يتعلق فحسب بتنظيم السلطة القضائية، وإنما يتجاوز ذلك إلى اعتباره حقا من حقوق الإنسان. ولذلك، عني الدستور الإيطالي الصادر سنة 1947م بأن يورد في الجزء الخاص بحقوق المواطنين النص في المادة (25) منه على أن «لا يجوز أن يحرم شخص من القاضي الطبيعي الذي يعينه القانون». وأفرد المشرع الدستوري الإيطالي باباً للقضاء، أبرز فيه حرصه على أن يسند ولاية القضاء على سبيل الانفراد إلى القضاة العاديين، وذلك بما نصت عليه المادة (102) من أن «يباشر الوظيفة القضائية قضاة عاديون، يختارون وفقاً للوائح التنظيم التي تنظم نشاطهم، ولا يجوز أن يعين قضاة استثنائيون أو قضاة خاصون». ولم يجعل هذا الدستور للمحاكم العسكرية وقت السلم اختصاصاً إلا في الجرائم العسكرية التي يرتكبها أفراد القوات المسلحة (المادة 103).
وبدوره، خص القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية السلطة القضائية بتنظيم متكامل فعهد بهذه السلطة إلى القضاة، وناطها بالمحاكم الاتحادية التي ينص عليها الدستور، وبمحاكم الولايات (المادة 29). وإذا كان المشرع الدستوري الألماني قد أجاز – في المادة (96/أ) التي أدخلت عليه بالقانون الاتحادي الصادر في سنة 1956م – إنشاء محاكم عسكرية، فقد جعلها للقوات المسلحة، قاصرا ولايتها على توقيع العقوبات بحق منتسبي القوات المسلحة المرسلين إلى الخارج أو الموجودين على ظهر المراكب الحربية وأثناء حالة الدفاع. ولم يكتف الدستور الألماني بذلك، وإنما قرر تبعية المحاكم العسكرية لوزير العدل، مستلزما أن يكون قضاتها حائزين على الصفات المطلوبة لممارسة وظائف القضاء، وجاعلا الهيئة القضائية العليا لها هي المحكمة العليا الاتحادية. وحرص القانون الأساسي المذكور – في المادة (101) منه – على حظر إنشاء المحاكم الاستثنائية أو منع شخص من الالتجاء إلى القاضي المختص.
كذلك، تقضي المادة (134) من دستور جمهورية ألمانيا الديمقراطية الصادر عام 1949م بأن «لا يجوز منع أي مواطن من المثول أمام قضاته القانونيين، ومحاكم الطوارئ غير مسموح بها، ولا يجوز للسلطة التشريعية إنشاء محاكم قضائية للنظر في مجالات خاصة». وعلى النهج ذاته، يسير الدستور الأفغاني الصادر سنة 1964م، مؤكدا في المادة (97) منه أن السلطة القضائية ركن مستقل للدولة وتؤدي وظائفها جنباً إلى جنب مع السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. ويفرد الدستور السلطة القضائية بالنظر في جميع الدعاوى، حيث تنص المادة (98) منه على أن «تشمل صلاحية السلطة القضائية النظر في جميع الدعاوى ... ولا يستطيع أي قانون في أي حالة أن يخرج أي قضية أو ساحة من دائرة صلاحية السلطة القضائية للدولة على النحو الذي تم تحديده ... ليفوض أمرها إلى مقام آخر». وإذا كان الدستور الأفغاني يجيز تشكيل محاكم عسكرية، فإنه يحصر اختصاصها في جرائم الجيش الأفغاني دون غيرها (المادة 98). وقد سار الدستور اليوناني الصادر عام 1963م على ذات النهج، فحظر – في المادة (76) منه – إنشاء المحاكم الاستثنائية.
وعلى المستوى العربي، عنيت بعض الدساتير بتقرير مبدأ القاضي الطبيعي. فعلى سبيل المثال، ووفقا للمادة (95) من دستور الصومال الصادر عام 1960م، «لا يجوز إنشاء هيئات قضائية خاصة أو غير عادية ولا يجوز إنشاء المحاكم العسكرية سوى في وقت الحرب». وتقصر المادة (162) من دستور دولة الكويت الصادر سنة 1962م اختصاص المحاكم العسكرية – في غير حالة الحكم العرفي – على الجرائم التي تقع من أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن، وذلك في الحدود التي يقررها القانون.
ولقد كان الدستور السوري الصادر عام 1950م ينص في المادة الثامنة منه على أنه «لا يجوز إحداث محاكم جزائية استثنائية، وتوضع أصول خاصة للمحاكمة في حالة الطوارئ»، كما كان يقضي في مادته التاسعة بأنه «لا يحاكم أحد أمام المحاكم العسكرية غير أفراد الجيش، ويحدد القانون ما يستثنى من هذه القاعدة». أما الدستور السوري الصادر عام 1973م، فإنه بعد أن نص على استقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة في مادتيه (131 و133) عهد إلى القانون بتنظيم الجهاز القضائي بجميع فئاته وأنواعه.
وعلى هذا النحو، يبين من أحكام الأغلب الأعم من الدساتير التأكيد بوضوح على مبدأ القاضي الطبيعي، وأن هذا القاضي ينفرد بالاختصاص في نظر جميع الدعاوى، وأن ولاية القضاء لا تكون إلا لهذا القضاء الطبيعي، حيث يحظر المشرع الدستوري في غالبية الدساتير المقارنة إنشاء المحاكم الاستثنائية. وفيما يتعلق بالقضاء العسكري، على وجه الخصوص، فإن سلطانه في حالة وجوده وقت السلم يكون قاصراً على الجرائم العسكرية التي يرتكبها العسكريون. وتذهب بعض الدساتير إلى مدى أبعد من ذلك، بحيث تحظر إنشاء المحاكم العسكرية في غير زمن الحرب.
وفي ضوء ما سبق، نخلص إلى القول بعدم ملائمة إنشاء محاكم استثنائية في ظل مصر الثورة. وإذا كان النظام البائد قد لجأ إلى إنشاء بعض المحاكم الاستثنائية، فلا يجوز أن نلجأ بدورنا إلى إنشاء محاكم استثنائية لمحاكمة رموزه. ففي ظل مصر الثورة، ينبغي إبراز الحرص على تطبيق مبادئ المحاكمة المنصفة على جميع المتهمين، ولو كانوا قد انتهكوا أبسط مبادئ العدالة. فلا يجوز أن نقابل الظلم بالظلم. وبناء على ذلك، نرى من الملائم تضمين الدستور الجديد النص على حظر إنشاء محاكم استثنائية تحت أي مسمى وبأي صفة كانت. وفيما يتعلق بالقضاء العسكري، نرى النص على قصر اختصاص المحاكم العسكرية في وقت السلم على العسكريين دون سواهم. وبمثل هذه النصوص، يمكن الحديث حينها عن دولة العدل والقانون. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.