الأحزاب الشيوعية فى أوروبا تساند استقلال مصر وتعتبر الثورة نموذجاً للتغيير الكاتب برنارد شو قال لمحمود أبوالفتح إن كل ما ينشر فى بريطانيا مزور محمد فريد يرُد على الحرب الدعائية ضد مصر فى سويسرا بنشر فظائع الاحتلال كُلما أوغلت فى التاريخ أعددت حقيبتى. أتوضأ بالتجرد، وأنخلع عن مُعتقداتى، وأفتح نوافذى لكل معلومة، وكلمة، وخبرة. إننى أزعم أن التفتيش عن الحقيقة أمتع من الانتصار لرأى، والمواجهة مع الجديد أجمل من ترجيح تصورات معينة، ومعايشة الأحداث الماضية كأنها مازالت تجرى أفضل من تكرار المألوف، وسرد المعروف . لذا فقد سعيت فى قراءتى الجديدة لثورة 1919 بعد مرور 98 عاماً إلى نبش هوامش الثورة بدلا من إعادة كر الحكايات المُعتادة، ومن خلال أقدم كتاب صدر عن الوفد المصرى، رسمت ظلالًا غير شائعة، وأعدت قراءة حكايات غير مشهورة عن الثورة. الكتاب المذكور يحمل اسم (مع الوفد المصرى) لمحمود أفندى أبوالفتح، وقد صدر قبل وفاة سعد زغلول بشهور قليلة سنة 1927 ولم تصدر له طبعة ثانية، وإن كان المؤلف قد اصدر فيما بعد كتابا آخر بعنوان «الوفد والمسألة المصرية»، إلا أن ما حواه كتابه النادر تضمن معلومات وحكايات مثيرة وجديدة عند اعادة قراءة أحداث الثورة. ويهمنا أن نذكر أن المؤلف محمود أبوالفتح كتب كتابه باعتباره مستشاراً إعلاميا وصحفيا للوفد فى باريس وأوروبا، وأنه كان جسر الاتصال بين الصُحف الأوروبية والغربية وبين الحركة الوطنية المصرية، وهو ما يرجع لإتقانه عدة لغات أجنبية ومعرفته الوثيقة بأوروبا ومثقفيها وُصحفها وكُتابها وساساتها. والمؤلف هو أحد أشهر الصحفيين المصريين باعتباره أول نقيب لهم، وأحد مؤسسى جريدة «المصرى» أكبر الصحف انتشاراً خلال الأربعينات من القرن الماضى، وقد دخل فى صدام حاد مع ضباط يوليو سنة 1954 وحاكمه عبدالناصر وصادر أمواله، قبل أن يخلع عنه الجنسية المصرية ليموت فى جنيف سنة 1958، وترفض مصر استقبال جثمانه، ويقرر الزعيم التونسى الحبيب بورقيبة دفنه بتونس، ليقوم الرئيس أنور السادات بعد ذلك برد اعتباره بمنحه وسام الاستحقاق وتكريمه سنة 1981. المهم أن أحداث الكتاب «مع الوفد المصرى» كانت الأقرب للحقيقة والدقة لثلاثة اعتبارات أولها أنه أقدم كتاب عن الوفد وثورة 1919 وصدر وجميع قادة الثورة على قيد الحياة، وثانيها أن مؤلف الكتاب صاحب رجال الوفد فى باريس واطلع على اتصالاتهم ولقاءاتهم وتفاعلهم مع الثورة يوماً بيوم، وثالثها أن «أبا الفتح» تميز بالموضوعية والدقة الشديدة عند ذكره لأى حدث، ليورد نصوص الخطابات والأحاديث كأنها مسجلة، مُدعماً إياها بصور للشخوص والأحداث والوثائق. سلاح الصحافة والإعلام يحكى «أبوالفتح» كيف رتب له مستر تشارلز سلدن مراسل «نيويورك تايمز» فى باريس لقاء مع عدد من الصحفيين الأمريكيين، قد كانوا على جهل تام بما يجرى فى مصر. وحكى أبوالفتح لهؤلاء حكايات المظاهرات السلمية، وكيف قوبلت بالرصاص والقنابل. وقد دفع اهتمام الصحفيين الأمريكيين بالثورة وبنشر صور سعد زغلول «أبى الفتح» أن يكتب خطاباً إلى الرئيس الأمريكى ويلسون الذى دعا إلى حق تقرير المصير، قال فيه «إن الأمة المصرية يا جناب الرئيس موطدة العزم على أن تنال استقلالها التام سواء ساعدها المؤتمر أو لم يساعدها، ولكن لتعلموا أن خيبة آمال الشعوب الصغيرة التى رأت فيكم رسولا مصلحا وتبعة عواقبها تقع على كاهلكم دون غيركم». والمثير للاهتمام أن الرجل سعى إلى لقاء الرئيس الأمريكى نفسه وكتب خطابا بذلك إلى سكرتيره الخاص كلوز، لكنه تلقى رسالة اعتذار قال فيها جلبرت كلوز إن الرئيس يأسف لعدم اللقاء لأنه جعل لنفسه قاعدة ألا يلتقى بالصحافة. صدمة فى ويلسون ويحكى الكتاب عن أهم الصدمات التى واجهت الوفد المصرى فى باريس بعد سفره إليها للمشاركة فى مؤتمر الصلح، حيث كان أول ما فكر فيه أعضاء الوفد هو السعى لمقابلة الرجل الذى أطلق صيحة حق تقرير المصير، وهو الرئيس الأمريكى ويلسون، وقد فوجئ أعضاء الوفد فى ذلك الوقت باعتراف أمريكا رسميا بالحماية البريطانية على مصر، وهو ما سبب صدمة بالغة لأعضاء الوفد. وينقل مؤلف الكتاب نص الخطاب الذى بعث به سعد زغلول إلى الرئيس الأمريكى فى 29 إبريل 1919 بعد تلك الصدمة. ومما جاء فيه: «إننا شعب متعطش للحرية رأى فى مبادئكم ضمان الخلاص القريب، وكنا أول من هنأوا أنفسهم بقدوم عهد تمنح فيه جميع الشعوب والجنسيات حق الحياة على قاعدة المساواة والحرية والطمأنينة سواء كانت قوية أو ضعيفة. واعتمدنا على وعدكم انكم لن تراعوا سوى رضاء الشعوب التى ستتناولونها التسوية العامة ولهذا السبب كانت صرخة «ليحيى ويلسون» تتردد فى جميع أنحاء البلاد كأنها صدى الحرية المقبلة». ولما لم يتلق الوفد رداً سوى اعتذارات دبلوماسية فقد استغل سعد زغلول انتقادات واسعة وجهتها الصحف الأمريكية إلى الرئيس ويلسون فى مؤتمر الصلح ليبعث له بخطاب آخر قال فيه «لم يكن فى استطاعة المصريين أن يتصوروا أن المبادئ التى جعلت العالم يظلل نفسه بعهد حرية ومساواة هى التى تسجل العبودية على أمة بأسرها». تأييد اليسار الأوروبى وما ينقله الرجل عن جهود الجمعية المصرية الوطنية بباريس لخدمة القضية المصرية خلال الثورة مثير للاهتمام حيث يعرض لمناصرة معظم الأحزاب الاشتراكية فى أوروبا للوفد المصرى، وقد تم تنظيم لقاء موسع لحركات اليسار فى فرنسا وأوروبا شارك فيها الشيوعى الفرنسى رابو بور لتستنكر حركات اليسار الأوروبية وحشية بريطانيا فى التعامل مع المصريين. ومما ينقله «أبوالفتح» فى ذلك اللقاء خطاب مارسيل كاشان زعيم الحزب الاشتراكى الفرنسى الذى وعد فيه باعتبار القضية المصرية إحدى اولويات الحزب، كما أكد باركسيو زعيم حزب الحقوق الانسانية أن استقلال مصر سيكون أحد مطالب الحزب، واللافت أن قيادات الوفد المصرى استغلت اللقاء لتعرض وقائع ومذابح الاحتلال فى مصر، واستعرضها المحامى ويصا واصف بلغة فرنسية سليمة. وكان من اللافت اتصال الوفد المصرى خلال وجوده فى باريس بالأديب الفرنسى أناتول فرانس وقد سعت الجمعية الوطنية بباريس إلى اقامة حفلة مصرية فى صالة «جافو» احتفالا بأديب فرنسا إلا أن تقدمه فى السن وتعذر قدومه إلى باريس من مسكنه بالريف نظرا لضعف صحته حال دون اتمام الحفل. حملات بريطانيا المضادة ويكشف الكتاب الدور الذى لعبه الزعيم محمد فريد بك فى منفاه بسويسرا فور وقوع الثورة فى الدعاية للقضية المصرية، حاكياً أن المصريين فى جنيف عقدوا اجتماعا فى 26 مارس 1919 برئاسة محمد فريد وقرروا ارسال بلاغات احتجاج إلى مؤتمر الصلح وإلى الرئيس الأمريكى ويلسون. وما أن سمع محمد فريد باستقالة 9 من الأمريكيين من وفد الصلح الأمريكى احتجاجا على معاهدة الصلح حتى ارسل إلى زعيمهم المستر بولت تلغرافا دعاه فيه إلى تعاون الأحرار فى العالم لمواجهة الاستعمار والاستعباد. وقد رد محمد فريد على حملات دعاية قامت بها بعض الصحف مستخدمة مذابح الأرمن لتشويه الثورة المصرية واعتبارها ثورة دينية تستهدف ذبح المسيحيين بمقال تفصيلى حكى فيه عن الأسر المسيحية والأرمنية المستوطنة فى مصر منذ عقود التى وصلت بأحد ابناء الأرمن وهو نوبار باشا إلى منصب الوزارة، وكان ابنه بوغوص مديرا عاما للسكك الحديدية. وطبع المصريون فى سويسرا عدة كتب عن المسألة المصرية منها كتاب لمحمد فريد بذات الاسم وكتاب باسم «مصر للمصريين» لمؤلفه باهر صدقى، وكتاب «35 عاما تحت السيادة البريطانية فى مصر» لمؤلفه ابراهيم بك. وقد كان لتعلم اللغات الأجنبية دور فى الحرب الدعائية للرد على مزاعم بريطانيا فى مختلف الصحف الأوروبية، وكان من اللطيف أن اتقان محمد باشا محمود للغة الانجليزية كأحد أبنائها دفعه إلى إلقاء عدة خطب فى عواصم اوروبية عديدة لكشف فظائع الاحتلال البريطانى وجرائمه فى مصر. ومما ينقله الكتاب أيضا لقاء محمود أبوالفنح بالكاتب البريطانى الساخر برنارد شو، الذى كانت له شعبية واسعة بين المصريين المقيمين فى أوروبا، وقال إن برنارد شو قال له إن كل ما تنشره الصحف البريطانية عن الأحداث فى مصر مشوه ومزور، وأنه متعاطف مع الشعب المصرى، وممتن لحرص الوفد المصرى على اجلاء الحقيقة والرد على المزاعم والاكاذيب المنشورة.