قرار جديد من "الأعلى للإعلام" بشأن موظفي لجنة "التراخيص"    البابا تواضروس: التسامح يحل المشكلات بين البشر    هل تحل «الفصول المتنقلة» أزمة الكثافة الطلابية؟    11 حظر على الجمعيات الأهلية بالقانون الجديد.. تعرف عليها    متحدث الوزراء: تطبيق برامج حماية اجتماعية غير موجودة بالعالم    برلماني: 6.8% سنويًا نمو اقتصادي مرضية جدًا في الوقت الحالي    تعرف على آراء التجار فى ارتفاع و انخفاض الأسعار    مصر للطيران: عودة 33 ألف حاج على متن 152 رحلة    استقرار اسعار النفط العالمية بعد تراجعات تحت ضغوط من بيانات اقتصادية    إزالة 67 حالة تعدٍ على أراضي الدولة بمدينة أبوتشت في قنا    رئيس وزراء السودان الجديد في أول خطاب رسمي: التركة ثقيلة    ترامب: سنرسل أسرى داعش إلى بلادهم إذا لم تستعدهم أوروبا    سياسي يمني ل "الفجر": معظم الأراضي التي تم تحريرها ولا سيما في الجنوب كانت بدعم إماراتي    تعزيزات حوثية جديدة تتجه إلى مديرية التحيتا بالحديدة    بنيران صديقة.. الاحتلال يستهدف إحدى طائراته في الجولان    حريق المسجد الأقصي.. 50 عامًا على الواقعة الأليمة    مصر تتصدر دورة الألعاب الأفريقية في المغرب برصيد 29 ميدالية    ضياء السيد: برادلي الأنسب لقيادة الأهلي    سؤال محرج من مني الشاذلي ل منتخب مصر لكرة اليد للناشئين على الهواء    آلان جيريس يقال رسميا من تدريب منتخب تونس بالتراضي    ضبط 430 مخالفة متنوعة في حملة مرافق بأسوان    "الأرصاد" تعلن تفاصيل طقس الخميس    عصام فرج: سأمارس عملى كأمين عام للمجلس الأعلى للإعلام فى هذا الموعد.. فيديو    ضبط 5 آلاف مخالفة مرورية متنوعة خلال يوم بالمحافظات    خالد عليش معلقاً على أغنية عمرو دياب يوم تلات: الثلاثاء بتاعنا كله بؤس    تامر أمين يهاجم «ولاد رزق»: زي عبده موتة    "القومي للمسرح" يناقش "إدارة المهرجان" في "الأعلى للثقافة"    فرقة "Gispy Kings" تحتفل مع تامر حسني بمرور 15 على أول ألبوم له    حسن حسني يتصدر "تويتر" ب"تمثال منحوت".. ومعلقون : "فنان عملاق"    متحدث الرئاسة: 2 مليار جنيه تكلفة مبادرة «إنهاء قوائم الانتظار» في الجراحات الحرجة    المتحدث العسكري ينشر فيديو عودة بعثة حج القوات المسلحة    فؤاد سلامة مديرا لشؤون اللاعبين بنادي أسوان    مصر تعلن مقترحًا عادلًا لأزمة سد النهضة    واردات الهند من النفط تتراجع في يوليو    "الطيب" يتفقد مستشفى الأزهر ويطمئن على طالبة "طب الأسنان"    لعنة "الإصابات" تلاحق ريال مدريد.. وزيدان في ورطة كبيرة    أمين الفتوى: الصلاة بالبنطلون الممزق غير صحيحة.. إلا بهذا الشرط    ضبط 900 كيلو "مايونيز" داخل مصنع غير مرخص بالدقهلية    أمريكا وإيران.. تهديدات ترامب "ضجيج بلا طحن"    الثانوية العامة "دور ثان"| غدا.. الطلاب يؤدون امتحاني الفيزياء والتاريخ    أهالي ببا يشيعون جثامين 3 حجاج أثناء سفرهم من مطار القاهرة    محافظ أسيوط والقيادات الأمنية يقدمون التهنئة للأنبا يوأنس بمناسبة مولد السيدة العذراء    محافظ البحر الأحمر يلتقي قائد الأسطول البحري لاستعراض الموقف التنفيذي لميناء صيد أبو رماد    على جمعة يجيب.. هل يجوز الذبح بنية دفع السوء.. فيديو    قبل إعلان انطلاق تنسيق المرحلة الثالثة 2019.. اعرف مكانك في كليات الأدبي    "صحة الغربية" تكشف حقيقة فصل عمال وإداريين بسبب واقعة مريض الإيدز    «حمام الست» مستمر بنجاح على «بيرم التونسي» بالإسكندرية    فريق طبي بمستشفى سوهاج الجامعي يستأصل ورما بالحنجرة لمريض    أوقاف السويس تعلن نتيجة الاختبار الشفهي لمركز إعداد محفظي القرآن الكريم    ارتفاع حجم الإنتاج من حقل ظهر إلى 3 مليارات قدم مكعب    غدا.. محمد شاهين يطرح ثاني أغاني ألبومه الجديد    شلش: الفترة الحالية أكثر فترات المرأة حصولًا على حقوقها    منفذ لبيع تذاكر مباراة الأهلي واطلع بره باستاد الإسكندرية    كارثة.. دراسة: الأرق مرتبط بزيادة الإصابة بفشل القلب    رغم الإقلاع.. آثار التدخين السلبية على القلب والأوعية الدموية تستغرق ما لا يقل عن 10 سنوات    الإفتاء توضح حكم خطبة المعتدة من طلاق بائن أثناء العدة    جنتان العسكري تضيف فضية ل بعثة مصر في الألعاب الإفريقية    أزهري: صيد الأسماك صعقًا بالكهرباء حرام شرعًا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فى ذكرى "سعد" و"النحاس"
مصر تستعيد المواقف الوطنية فى ظلمة الأحداث ناضلا من أجل الاستقلال والحرية والكرامة..، وأنشأ صرحا وطنيا عظيما
نشر في الوفد يوم 22 - 08 - 2013


الوطن فى حداد
الجنائز تتوالى، والإرهاب يصب غضبه على مصر السمحة. يدفع البسطاء ثمن التعصب الأعمى والحقد الدامى. يحصد الناس ثمار الكراهية النابتة فوق بلادنا عقودا وأزمنة. يدوى الرصاص فى سماوات مصر علها تستيقظ من كوابيس التطرف، والعنف،
وتتذكر أن هذه الأرض أنبتت رجالا صدقوا ما عاهدوا الوطن عليه، عاشوا من أجل مصر وماتوا فى سبيلها وما بدلوا تبديلا.
سعد زغلول، ومصطفى النحاس قمران فى سماء الوطنية أقاما الوفد ورعياه حتى صار مرادفا للاستقلال الوطنى، وحضنا للديمقراطية الحديثة، ورمزا لمصر الحرة التى لا تخضع ولا تخنع ولا تفرط فى حقوق أبنائها.
ولدا بعيدين زمانا ومكانا لكنهما التقيا فى الزعامة، والهيبة، والنزاهة، والتضخية. من قلب الطبقة المتوسطة، ومن نسيج مصرى خالص شبا رافعين لافتة الإرادة الوطنية ضد الاحتلال وضد الاستعمار وضد الاستبداد والفاشية. فى دراسة الحقوق والعمل بالقانون التقيا، وفى الشعبية الرائعة ومحبة الناس التقيا، وفى النزاهة والاستقامة، وحتى فى يوم الرحيل.
ولد سعد زغلول فى قرية إبيأنة التابعة لمركز فوة سابقاً بمديرية الغربية سابقًا عام 1857 أو 1858.
تلقى تعليمه في الكُتاب ثم التحق بالأزهر عام 1873 وتعلم على يد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والتف مثل الكثير من زملائه حول جمال الدين الأفغأنى، ثم عمل معه في الوقائع المصرية، ثم انتقل إلى وظيفة معاون بنظارة الداخلية لكنه فصل منها لاشتراكه في ثورة عرابى ثم اشتغل بالمحاماة لكنه قبض عليه عام 1883 بتهمة الاشتراك في تنظيم سرى.
وبعد ثلاثة أشهر خرج من السجن ليعود إلى المحاماة ثم توظف بالنيابة وترقي حتي صار رئيسا للنيابة وحصل علي رتبة الباكوية، ثم نائب قاض عام 1892، ثم حصل على ليسانس الحقوق عام 1897.
وأصبح سعد نائبًا عن دائرتين من دوائر القاهرة، ثم فاز بمنصب الوكيل المنتخب للجمعية وبعد الحرب العالمية الأولى تزعم المعارضة في الجمعية التشريعية التي شكلت نواة «جماعة الوفد» فيما بعد وطالبت بالاستقلال وإلغاء الحماية.
خطرت لسعد زغلول فكرة تأليف الوفد المصري للدفاع عن القضية المصرية عام 1918 ضد الاحتلال الإنجليزى حيث دعا أصحابه إلى مسجد وصيف في لقاءات سرية للتحدث فيما كان ينبغي عمله للبحث في المسألة المصرية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918م.
وتشكل الوفد المصري الذي ضم سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وآخرين وأطلقوا على أنفسهم الوفد المصري.
وقد جمعوا توقيعات من الناس لإثبات صفتهم التمثيلية وجاء في الصيغة: «نحن الموقعين على هذا قد أنبنا عنا حضرات: سعد زغلول و.. في أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعي سبيلاً في استقلال مصر تطبيقاً لمبادئ الحرية والعدل التي تنشر رايتها دولة بريطانيا العظمى.
واعتقل سعد زغلول ونفي إلى مالطة هو ومجموعة من رفاقه في 8 مارس 1919 فانفجرت ثورة 1919 التي كانت من أقوى عوامل زعامة سعد زغلول. اضطرت إنجلترا إلي عزل الحاكم البريطاني وأفرج الإنجليز عن سعد زغلول وزملائه وعادوا من المنفي إلي مصر، وسمحت إنجلترا للوفد المصري برئاسة سعد زغلول بالسفر إلي مؤتمر الصلح في باريس ليعرض عليه قضية استقلال مصر.
لم يستجب أعضاء مؤتمر الصلح بباريس لمطالب الوفد المصري فعاد المصريون إلي الثورة وازداد حماسهم، وقاطع الشعب البضائع الإنجليزية، فألقي الإنجليز القبض علي سعد زغلول مرة أخرى، ونفوه مرة أخرى إلي جزيرة سيشل في المحيط الهندى، فازدادت الثورة اشتعالاً، وحاولت إنجلترا القضاء على الثورة بالقوة، ولكنها فشلت مرة أخرى.
وعاد «سعد» من المنفي وقام بتأسيس حزب الوفد المصري ودخل الانتخابات البرلمانية عام 1923م ونجح فيها حزب الوفد باكتساح. تولي رئاسة الوزراء من عام 1923م واستمر حتي عام 1924م حيث تمت حادثة اغتيال السير لي ستاك قائد الجيش المصري وحاكم السودان والتي اتخذتها سلطات الاحتلال البريطاني ذريعة للضغط علي الحكومة المصرية فاستقال زغلول، وظل مثابرا ومناضلا إلى أن رحل فى 23 أغسطس عام 1927.
أما مصطفى النحاس فقد ولد فى 15 يونية عام 1879 ودرس القانون ومارس السياسة عضوا فى الحزب الوطنى عندما كان قاضيا، وعندما بدأ سعد باشا زغلول فكرة تأليف الوفد لعرض قضية مصر لدى عصبة الامم انضم «النحاس» له وسافر معه إلى باريس وقبض عليه معه ونفى إلى مالطا وفصل من القضاء ثم نفى مرة أخرى إلى سيشل وعندما عاد «سعد» ورفاقه صار الرجل الثانى فى الوفد وشغل منصب السكرتير العام واختير وزيرا للمواصلات فى وزارة 1924 ثم وكيلا لمجلس النواب وبعد وفاة سعد زغلول اجتمع الوفد المصرى واختاره رئيسا له.
وخاض النحاس معارك عنيفة لمساندة الدستور وضد الطغيان، وانتقل من بلدة إلى بلدة منددا بالاستبداد والقهر وسياسة الحديد والنار التى يتبعها إسماعيل صدقى، ويتعرض لمحاولة الاغتيال الشهيرة فى المنصورة عندما يفتديه سينوت حنا باشا ويتلقى عنه ضربة سونكى لأحد الجنود المأجورين.
وشكل «النحاس» الحكومة سبع مرات فقدم إنجازات وطنية خالدة لمصر مازلنا نستنشق عبيرها إلى الآن، كان منها تحقيق استقلال مصر المبدئى عام 1936 من خلال المعاهدة الشهيرة مع بريطانيا والتى لولاها ما خرجت قوات الإنجليز إلى قناة السويس وحققت الاستقلال للجيش المصرى وما كانت ثورة يوليو. كما نجح فى إلغاء الامتيازات الأجنبية ل12 دولة فى مصر وهو قرار استعاد سيادة مصر وكرامتها وحقق لها استقلالا معنويا. ووضع «النحاس» وحكومة الوفد شرارة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطانى بعد الغائه معاهدة 36 عام 1951 وبدء معارك الفدائيين ضد المحتلين فى القناة وهى معارك تجاوز عددها 15 معركة وخسر فيها الإنجليز كثيراً من الضحايا. فضلا عن ذلك يحسب لحكومات الوفد تأسيس جامعة الدول العربية وتوقيع معاهدة للدفاع المشترك بين الدول العربية، وإنشاء ديوان المحاسبات «إلا جهاز المركزى للمحاسبات» ومحكمة النقض والبنك المركزى واتحاد العمال. فضلا عن إصدار عشرات التشريعات المنظمة للحقوق فى مصر مثل قانون العمال، مجانية التعليم الابتدائى، التأمين الاجبارى على العامل، استقلال القضاء، التعريب.
ورحل النحاس باشا فقيرا منعزلا فى سطوة الحكم الناصرى يوم 23 أغسطس عام 1965 وسار فى جنازته الآلاف هاتفين «لا زعيم إلا النحاس».
أما الدروس المستفادة من حياة الزعيمين الخالدين فأولها الالتزام بسيادة القانون والدفاع عن الدستور مهما كلفهم ذلك من تضحيات، والانحياز للشعب حتى لو كان ثمن ذلك تهديدا مباشرا لحياتهما. إن كلا الزعيمين تعرضا لمحاولات اغتيال ومؤامرات تصفية برعاية الله ثم دعاء الناس الغلابة الذى ليس بينه وبين السماء حجاب.
كذلك من الدروس المهمة أن الزعامة الوطنية لا يمكن أن تخضع للإرهاب أو التدخل الأجنبى. إن سعد وقف موقفا واضحا ضد التدخل فى أعمال وزارته عندما جرى قتل السير لى ستاك وأبى أن يخضع للقرار البريطانى. نفس الموقف تقريبا للنحاس باشا الذى أعلن إلغاء معاهدة 1936 معلنا الكفاح المسلح على الإنجليز فى القناة.
وكلاهما أيضا رفضا تسييس الدين بمعنى استخدامه فى تحقيق أغراض ومصالح شخصية وهو ما تجلى فى رفض زغلول تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين، ورفض النحاس باشا تنصيب فاروق فى احتفال دينى، ومواجهته لحسن البنا عندما رفع شعاراته الدينية فى عالم السياسة.
الزعيمان فى الأدب المصرى الحديث
نجيب محفوظ أرخ لميلاد أبطاله بتولى النحاس للوزارة..والأسوانى بشر بأسطورة «الوفد» فى «جمعية منتظرى الزعيم»
الفن هو مرآة الشعوب..
هو الأبقى والأرقى والأقرب تصديقا لدى العامة. وليس أدل على ذلك من أن شخصية «قراقوش» ارتبطت فى أذهان العامة بالظلم والطغيان بسبب كتاب فكاهى كتبه «ابن مماتى» للسخرية من ذلك الرجل الذى لم يكن سوى وزير لصلاح الدين الأيوبى فى مصر!
ولاشك أن الأدب والفن المصرى قد عنيا بتاريخ الوفد ورجاله باعتباره التاريخ الحقيقى لمصر الحرة المناضلة. وقد اهتم كبار الأدباء والروائيين بتسجيل عظمة زعيمى الوفد الجليلين سعد زغلول ومصطفى النحاس حتى أننا لا نكاد نلمح رواية تحكى حقبة تاريخية معينة لا تنقل لنا مكانة كلا الرجلين لدى المصريين.
إن دراسة جادة كتبها الباحث المتميز مصطفى بيومى وصدرت قبل سنوات فى كتاب يحمل عنوان «سعد زغلول فى الأدب المصرى» تكشف المكانة الرفيعة التى حظى بها سعد زغلول فى الأدب الحديث. إن توفيق الحكيم مثلا يقدم لنا رواية رائعة عن ثورة 1919 هى «عودة الروح» يتحدث فيها عن الزعيم الذى يحتاجه المصريون لينفضوا عن كواهلهم عبء الصبر الطويل على ما لا يرضونه من مظالم. ويقول بطل الرواية عن سعد زغلول: إنه ليس زعيما تقليديا يمكن توقعه وانتظاره ولكنه دفقة من الإلهام والعطاء المباغت. وهو أيضا الرمز المنتظر لتحقيق أحلام الحرية والحياة.
أما يحيى حقى فيرصد مقدمات ثورة 1919 فى أكثر من رواية وقصة ربما أبرزها قصة «ذكريات دكان». وفى سيرته الذاتية لا يخفى «حقى» ولعه بالحب الوطنى وبمصطفى كامل ومع ذلك فهو يرى أن ثورة 1919 العظيمة ما كان لها أن تقوم دون قائد وزعيم حقيقى مثل سعد زغلول.
ويحظى سعد زغلول باهتمام رهيب فى أدب نجيب محفوظ، فهو المثال الأقرب للزعيم الكامل. إن سعد زغلول مقدس فى روايات نجيب محفوظ، عاش بعد موته بينما كثيرون ماتوا وهم أحياء. إن مصطفى بيومى يرصد دفاع محفوظ عن سعد زغلول فى رواية «أمام العرش» عندما يسأل عن أسباب عدم التحاقه بالحزب الوطنى فى زمن مصطفى كامل وعمله بالوزارة فى ظل الاحتلال فيقول: «إن الحزب الوطنى كان يدعو إلى مبادئ خيالية مثل «لا مفاوضة إلا بعد الجلاء» مما يعنى بقاء الاحتلال إلى الأبد، ومقاطعة وظائف الدولة العامة مما يعنى هيمنة الإنجليز عليها». ثم يقول «ولقد قبلت الحياة الرسمية لأمارس من خلالها ما أستطيع من مقاومة ومن خدمات للوطن».
ويحضر سعد زغلول بقوة فى باقى روايات محفوظ، ففى الثلاثية نجده الزعيم المحبوب الذى يحبه الجميع ويسيرون وراءه. وعلى لسان «فهمى» فى «بين القصرين» فإن ما قام به سعد زغلول قبل ثورة 1919 عمل مجيد لا يوجد من ينهض به مثله بعد نفى محمد فريد». وفى نفس الرواية يأتى النص الكامل لتوكيل سعد وزميليه للحديث باسم مصر. ثم نجد فهمى ابن السيد أحمد عبد الجواد شغوفا بكل ما يقوله سعد حتى إنه يملى على شقيقه الأصغر كمال خطبة سعد باشا فى جمعية الاقتصاد والتشريع ومنها «أعلنت إنجلترا حمايتها على مصر من نفسها دون أن تطلبها الأمة المصرية أو تقبلها، لذا فهى حماية باطلة لا وجود لها قانونا». وتتابع أحداث الثورة فى بين القصرين وينضم إليها «فهمى» وتتكرر الاضرابات وتتعدد المظاهرات ويسقط الشهداء وتسارع إنجلترا إلى الإفراج عن سعد فيقول فهمى «لو لم يسلم الإنجليز بمطالبنا لما أفرجوا عن سعد. سيذهب إلى أوروبا ويعود بالاستقلال». وعندما يتحدث «فهمى» مع والدته «أمينة» فتقول له «أين الرسول عليه الصلاة والسلام؟ كان الله يعينه بالملائكة على الكفار، فيرد «فهمى» قائلا «سيعمل سعد زغلول ما كانت الملائكة تعمله».
وفى «قصر الشوق» يظهر كمال عبدالجواد كمحب عظيم لسعد زغلول ويرد على لسانه «أنه ليس فى مصر من يتكلم باسمها إلا سعد، وأن التفاف الأمة حوله جدير فى النهاية بأن يبلغ بها ما ترجوه من آمال». وفى «حكايات حارتنا» ينقل الراوى عن الطفل إلى أبيه ما يردده الناس عن اسم سعد الذى كان منقوشا على البيض بعد خروجه من الدجاج.
وفى «أمام العرش» يلتقى سعد زغلول بجمال عبد الناصر فيقول سعد له: لقد حاولت أن تمحو اسمى كما محوت اسم مصر!
أما إحسان عبد القدوس فتظهر صفة الوطنية المتعقلة لصيقة بسعد زغلول فى كثير من رواياته. فمثلا فى رواية «فى بيتنا رجل» يقول زاهر أفندى: زمان كان فى قائد. كان فى سعد باشا زغلول. دلوقتى مين يفاوض الإنجليز ويحقق الاستقلال!
وفى مسرحية «الدراجة الحمراء» يعتبر إحسان فترتين فى تاريخ مصر خرجت فيهما عن إطار السلبية هما عهدى أحمس وسعد زغلول.
وفى رواية «الراقصة والسياسى» تتحدث الراقصة فى أسى عن زعماء مصر المنسيين الذين تم تشويهم مثل سعد زغلول.
ويعد عبد الرحمن الشرقاوى أفضل نموذج أدبى معبر عن عظمة شخصية سعد ونجد فى إحدى رواياته أحد الأشخاص يبرر سجنه بأنه ليس عيبا فسعد زغلول نفسه اتحبس.
وفى روايته «الشوارع الخلفية» يعود سعد زغلول رمزا للنضال ضد الاستبداد لدى الطلبة. ويقترب أكثر من شخصية سعد زغلول فى رواية «الأرض» حيث يمثل النضال الحقيقى ضد الظلم والاستبداد.
أما يوسف إدريس فيتحدث أبطاله بلسان سعد زغلول القدوة فيقول أحدهم «أنا زى ما قال سعد باشا.. انتهيت».
ولا يغيب مصطفى النحاس باشا عن أدب نجيب محفوظ فهو قدوته ونموذجه الأنبل فى السياسة والوطنية لذا فإنه يؤرخ لميلاد بعض ابطاله بيوم إقالة حكومة الوفد. وفى رواية «أمام العرش» يدافع النحاس عن توقيعه لمعاهدة 1936 وإلغائه لها بتقلبات الظروف وبالفرص المتاحة، ويبدو ذلك منطقيا. وفى «الباقى من الزمن ساعة» يظهر تأثر محفوظ بحكومة الوفد عندما يقول أحد أبطاله «انتهت اللعنات وسوف يحكم الوفد إلى الأبد» فيربط بذلك بين الوفد وغياب اللعنات!
وفى «المرايا» يهتز رضا حمادة طربا يوم إلغاء معاهدة 1936 ويشعر أن نسيم 1919 يرفرف على مصر. ويعبر أيضا حامد برهان فى «الباقى من الزمن ساعة» على قرار إلغاء المعاهدة بقوله «لأي قدر على إلغائها إلا من عقدها فالوفد وحده».
وتتناول كتابات «محفوظ» حادث 4 فبراير عام 1942 فيورد دفاعا مقنعا فى رواية «قصر الشوق» على لسان كمال عبد الجواد ورياض قلدس منه «أن النحاس ليس بالرجل الذى يتآمر مع الإنجليز فى سبيل العودة الى الحكم. إن احمد ماهر مجنون، هو الذى خان الشعب وانضم الى الملك ثم أراد أن يغطى مركزه بتصريحه الأحمق». وفى «المرايا» يقول الراوى عن النحاس فى وقت حادث 4 فبراير أنه «أنقذ الوطن والعرش». ويقول إسماعيل قدرى فى «قشتمر» مدافعا عن زعيم الوفد قائلا: «لا تشكوا فى الوفد وشكوا فيما شئتم».
وتعدد رواية «أمام العرش» إنجازات مصطفى النحاس وحكومات الوفد قبل 23 يوليو ومن أهمها: إلغاء الامتيازات الأجنبية، تأسيس جامعة الدول العربية، استقلال القضاء والجامعات، الاعتراف بنقابات العمال، مجانية التعليم الابتدائى والإعدادى والثانوى.
أما علاء الأسوانى فيكتب قصة مشوقة عن النحاس بعنوان «جمعية منتظرى الزعيم» يصور الرجل فيها كأسطورة لا تتكرر ويتوق الناس لعودته مرة أخرى للحياة لحل مشكلاتها وهمومها.
حبيب الشعب «ح أبوسه بكره»
عندما انشق مكرم عبيد باشا عن الوفد وخسر شعبيته، عاد والتقى «النحاس» فى إحدى المناسبات وبكى ندما على ما جرى وحاول العودة للوفد لكن الوقت كان قد فات. فكتب الدكتور سعيد عبده قصيدة طريفة على لسان مكرم للعودة إلى الباشا نشرتها الصحف تقول كلماتها:
«ح أبوسه بكره وبعد بكره / وبعد بعده أبوسه بكره / يا كتلة هيصى / ح أبوس عريسى، صفصف رئيسى / ح أبوسه بكره / أقول له أهلا / يقول لى مهلا / ولما أبوسه أقوله بكره / يا قلبى جالك / سواد كتابك، واللى جرالك / عمره ما يجرى».
مذكرات النحاس بخط يده
فى عام 1990 نشرت بعض الصحف مذكرات منسوبة للنحاس باشا كتبها محمد كامل البنا سكرتير «النحاس» الخاص، لكن هناك مذكرات أخرى بخط يد النحاس نفسه عبارة عن مجموعة من الكراسات القديمة التى كتبت لتسجل مراحل مختلفة من حياة الرجل، وقد وجد فؤاد بدراوى سكرتير عام حزب الوفد ضمن متعلقات جده فؤاد سراج الدين تلك الكراسات كاملة. ومن المقرر أن يتم تقديم تلك المذكرات إلى لجنة من أساتذة التاريخ والباحثين الأكاديميين لمراجعتها تاريخيا. والملاحظ وفقا للمذكرات أن خط النحاس باشا كان أكثر وضوحا من خط سعد باشا وأن المذكرات مسلسلة تاريخيا بشكل يومى.
عندما مات «النحاس»
لما مات مصطفى باشا النحاس يوم 23 أغسطس عام 1965 كان عبد الناصر فى زيارة للهند، فأصدر المشير عبد الحكيم عامر قرارا بحظر نشر نعى النحاس وحظر تشييع جنازته علنيا كأنما هم يخافونه فى الموت كما يخشونه فى الحياة. لكن شاءت إرادة الله أن يتسرب النعى إلى جريدة الأخبار وينشر فيها على عامود كامل جاء فيه «فى ذمة الله مصطفى النحاس.. اختار الله إلى جواره الكريم الزعيم الوطنى العظيم الرئيس السابق مصطفى النحاس زوج كريمة.....» وقد نشر أسفله مشاطرة من أحمد الجبالى مدير مدارس الأمة بالزقازيق، ومشاطرة أخرى من الحاج محمد إمام أبو الذهب بتفتيش العربات بالسكة الحديد، وثالثة من عبده يوسف تره الصحفى، ثم اللجنة النقابية لعمال النقل البرى بسمنود.
ورغم قرار المشير فقد سار فى جنازة النحاس عشرات الآلاف مرددين «لا زعيم إلا النحاس» وتعرض كثير منهم للقبض عليه والسجن فى سجن القلعة عدة سنوات جزاء لذلك.
أم المصريين رمز المرأة
فى خطبة شهيرة له قال سعد «إن المرأة التى تفتح صدرها لرصاص الإنجليز لا يجدر بها أن تحجب وجهها بهذا النقاب الذى لم يعد ملائما للعصر الذى نعيش فيه». داعيا إلى تحريرها من تقاليد بالية ليس لها من الدين شىء.
كان «سعد» يكن احتراما عظيما للمرأة وكانت زوجته صفية زغلول شريكا رئيسيا فى الثورة والشعبية خاضت معه نضال الفداء حتى استحقت عن جدارة لقب «أم المصريين». وفى الصورة إعلان عن عطر باسم صفية زغلول.
عندما يكتب «النحاس» و«العقاد» و«عبيد» عن «سعد»
فى أغسطس عام 1937 وبمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله خصصت مجلة «صوت الدنيا» عددا خاصا عن سعد زغلول استكتبت فيه عدد من الوفديين كلمات عن الزعيم. كتب دولة رئيس الحكومة مصطفى باشا النحاس وقتها «الآن يهنا سعد فى مقره بما أسبغ الله تعالى على الأمة من نعمائه فأتم عليها نعمة الاستقلال الذى بدأ بالجهاد له سعد فى حياته فأتمته الأمة بثباتها على مبادئ سعد بعد مماته».
وكتب مكرم عبيد باشا: «سعد العظيم هو مفخرة المصريين لأنه رمز النبوغ المصرى فقد كان رحمه الله مصريا فى كل قطرة من قطرات دمه، وفى كل طية من طيات نفسه، وفى كل حبة من حبات قلبه».
وكتب واصف غالى باشا: «سعد رمز مصر الخالد. والمثل الأعلى للمصريين، فيه تمثلت مصر فى لحظة من أدق لحظات تاريخها، فكان روح حركتها التى رقت بالشعب إلى الخلاص وإلى الحرية».
وكان من أجمل ما كتب عن «سعد» ما كتبه عباس العقاد فى جريدة «البلاغ الأسبوعى» فى 2 سبتمبر 1927 حيث كتب «صدقى»: أيتها النفوس الهالعة والأكباد الوارية والصدور الوافرة والعيون الدمعة، صدقى أن سعدا قد مات وأن الرجل الذى حملك قوة فى مجال الكفاح تحملينه أنت جثة فى الممات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.