لا يتصور أحد حجم المعاناة والعذاب الذي تتكبده الأم التي رزقها الله بطفل معوّق في سبيل تعليم طفلها، رحلة شقاء يومية تعيشها أمهات الأطفال من ذوي الإعاقة، بداية من البحث عن مدرسة تناسب إعاقة ابنها، ومروراً بعذاب الانتقال، خصوصًا إذا ما كان الطفل معوّقاً حركياً، فضلاً عن قضية هي الأخطر وهو أن مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة لا تعلم تلاميذها، أي أن المسألة «صورية». شجرة صغيرة حديثة النبتة هي أقصى ما وجدته «أم يوسف» كي تحتمي بظلها من أشعة الشمس طوال 6 ساعات تقضيها أمام بوابة مدرسة الأمل للصم وضعاف السمع بالإسماعيلية.. ساعات تقضيها تلك السيدة القروية التي لم تتجاوز بعد الثلاثين من عمرها وهي في انتظار طفليها «يوسف» و«هناء» اللذين يعانيان من الصمم ويدرسان بالمرحلة الابتدائية داخل المدرسة الوحيدة بمحافظة الإسماعيلية ، بعدما قطعت مسافة أكثر من 40 كيلو متراً قادمة من قريتها «سرابيوم» مستقلة قطار الركاب. كانت شاردة الذهن لا تعير اهتماماً بما يجري حولها، كل ما يشغل بالها حال طفلتها الصغيرة «سلمى» التي تعاني هي الأخرى من الصمم، واضطرت إلى أن تتركها في المنزل مع جدتها المسنة لتستقل القطار مع طفليها في رحلتهم اليومية إلى المدرسة الكائنة بالمدينة. رفضت «أم يوسف» التصوير والحديث في البداية، معللة ذلك بأنها من عائلة لها أصول بدوية، والتصوير في وسائل الإعلام يعد منافياً لأعرافهم وتقاليدهم.. ولكن بصعوبة وتحفظ بدأت الحديث عن أطفالها الثلاثة «هناء 10 سنوات» و«يوسف 8 سنوات» و«سلمى 4 سنوات» الذين ولدوا بإعاقة سمعية، فهم من الصم والبكم منذ ولادتهم لعوامل وراثية. وتابعت: «زوجي يعمل باليومية والحمد لله على حالنا، أنا بأصحى على أذان الفجر علشان أجهز ولادي ونلحق نركب القطار، وبوصل عند المدرسة على الساعة 8 ونص وعشان ألحق القطار في الرجوع بطلع العيال من المدرسة بدري عن ميعادهم عشان نلحق قطار الساعة 1». وتابعت: «لو القطار فاتني مش هعرف أجيب العيال وآجي المدرسة، أنا مش حمل مصاريف العربيات والميكروباصات من الإسماعيلية لسرابيوم والعكس». وقالت: «البيت اللي فيه طفل أصم بيعاني فما بالك بثلاثة أطفال.. لكن أنا راضية بقضاء ربنا وقدره ومش زعلانة.. أنا مستحملة قعدة الرصيف والبهدلة في القطار كل يوم علشان أعلم عيالي وأربيهم أحسن تربية.. أنا الوحيدة اللي بفهمهم وبعرف هم عايزين إيه، ولغة الإشارة اتعلمتها بالممارسة معاهم وهكمل معاهم مشوارهم حتى آخر نفس». وتقول سماح السيد، والدة الطفل «مازن» في الصف الرابع الابتدائي: «مازن ترتيبه الأوسط بين أشقائه، تأخر موعد ولادته بسبب سوء تقدير من الطبيب فتسبب ذلك في التأثير على سمع ابني، وعلى رغم أن «مازن» ضعيف السمع وليس «أصم» ولكن عدم وجود أماكن تعليمية مخصصة لتنمية مهارات التخاطب أودت بي وبكثير من أولياء الأمور ليواصل الأطفال دراستهم في مدرسة الصم». وتابعت: «جلسة التخاطب تكلفتها 20 جنيهاً، إضافة ل20 جنيهاً مواصلات والمفترض أن الطفل يتلقى 3 جلسات تخاطب في الأسبوع بتكلفة 120 جنيهاً، وهذه تكلفة لا تقدر عليها الأسر المتوسطة الحال». وقالت: «مازن عندي بالدنيا ومرضه مخليني دايماً قوية عشانه وعلشان أواصل معاه الطريق.. أنا مش هسيبه وهفضل معاه أعلمه وأربيه لحد ما ياخد شهادته ويشتغل ويفتح بيت». وقالت ريهام إبراهيم، والدة الطفلين «حكمت» و«أحمد» بمدرسة الأمل للصم وضعاف السمع: «حكمت بنتي في 6 ابتدائي وأحمد في 4 ابتدائي، الاتنين بيعانوا من ضعف في السمع وقضيت معاهم مشوار طويل في العلاج بين مستشفيات القاهرة ومراكز التخاطب وراضية بقضاء ربنا وقدره.. وتعلمت لغة الإشارة علشان أتواصل معاهم والحمد لله حكمت شاطرة في المدرسة وذكية وأحمد متفوق رياضياً». وأضافت: «أنا معنديش القدرة على تكاليف جلسات التخاطب ومصاريف مواصلات الولاد لوحدها محتاجة ميزانية خاصة، أنا بطلع من بيتي في مدينة المستقبل وأركب 3 مواصلات عشان أجيب الولاد وأفضل قاعدة على الرصيف مستنيه مواعيد خروجهم عشان أجيبهم، وأرجع على البيت أعمل الأكل وأذاكر لهم وكل يوم بنكرر الرحلة دي». وبابتسامة رضا قالت: «أنا مقضية نص يومي على الرصيف عشان ولادي وراضية ومش معترضة على حكمة ربنا لكن أنا نفسي الدولة تساعدنا وتوفر للولاد دول مواصلات خاصة تنقلهم من بيوتهم لمدارسهم كل يوم علشان يخففوا الأعباء علينا وكمان يتم توفير إخصائيي تخاطب ومعامل تخاطب داخل المدرسة لتنمية حاسة السمع والنطق عند الأطفال بدلًا من تدهورها وإصابتهم بالصمم الكامل». وتابعت: «أنا وغيري كتير من الأهالي معندناش المقدرة المادية على جلسات التخاطب الخاصة، إحنا محتاجين مساعدة من التربية والتعليم والجهات المسئولة لحل الأزمة دي». كده وكده إحدي الأمهات تدعى «ليلي» ربة بيت، أكدت لي أنها تضطر لحمل طفلتها وهي في المرحلة الإعدادية لتذهب بها إلى المدرسة وتصعد بها لفصلها في الطابق الثالث لعدم وجود فصل في الدور الأول، لدرجة أن البنت تعبت نفسياً لأن المدرسة مشتركة وأصابها اكتئاب ولم تعد تذهب إلى المدرسة، واضطرت الأم لأن تعطيها دروسًا في غالبية المواد على رغم ضيق الحال، أما «سلوى» الابنة فأكدت لأمها أن التعليم بالنسبة لها بلا فائدة لأنها تشعر أنها لن تتمكن من تحقيق أحلامها، فكل الصعوبات تحول دون أن يأخذ المعوّق حقه في التعليم وفي المجتمع.