يقول صديقي أنّ الطريقة الأفضل للتفكير خارج الخطاب السائد هي طرح الأسئلة الحقيقية التي يتجاهلها الناس عن قصد أو دون قصد، لذلك دعونا نسأل ما هو الدور الحقيقي للبرلمان وماذا يمثل ؟ في النظرية السياسية ما يعرف بالديموقراطية التمثيلية—وللمستعد أن يتعب نفسه قليلاً وينظر في ويكيبيديا سيعلم أن ما يسمى بالديموقراطية التمثيلية—هو شكل من أشكال الديموقراطية يتمثل في عملية ينتج عنها البرلمان، وهذه العملية تعرف بالإنتخابات والتي ينتج عنها كما ذكرنا برلمان ونواب يتحدثون بإسم ناخبيهم، وهذه نقطة غاية في الأهمية، كما أنّ الأساس في الديموقراطية هو عملية الفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية، والقضائية، والتشريعية الرقابية والتي يقوم بها البرلمان، إذا فالدور الحقيقي للبرلمان يتمثل في : الدور التشريعي والدور الرقابي. وكل هذا الكلام تجدونه على ويكيبيديا، ولا تعد تلك معلومات جديدة أو سرية. بناءاً على ما سبق إن كان علينا أن نحكم على أداء البرلمان المصري فلابد أن يكون ذلك في ضوء دوره الحقيقي، إذ تكمن المشكلة الحقيقية في الآمال التي وضعت على البرلمان قبيل انتخابه، والتي بنيت في أساسها على عدم دراية لدور البرلمان الحقيقي، لكننا لا نجد أن هذه المشكلة موجودة على الساحة الجماهيرية التي خرج منها الناخبون، ليختاروا ممثليهم، لكننا نجدها جليّة وسط كوكبة من شباب الثورة الجميل. الأمر الذي لا أستطيع فهمه هو إذا كنا نطالب بالديموقراطية وبقوة ومنذ البداية، فلماذا لم نسأل أنفسنا ما هي الديموقراطية! لنجد الإجابة تقرر أن الديموقراطية هي حكم الشعب لنفسه، وأن ممارستها عن طريق اختيار ممثلين للشعب، وهو ما تم في الحالة المصرية. ثم إن الديموقراطية تستلزم التسليم لاختيار الشعب وإن كان على غير هواي، وهو ما تمّ حين أكد الشعب المصري على نضجه ووعيه المتجاوز لوعي النخب السياسية وكثير من النخب الشبابية التي صنعها الركوب على موجة الثورة—أو من يعرفون أحياناً بشباب الثورة الجميل—وذلك حين نجد البرلمان المصري مثلاً يخلو من الفلول. المشكلة مرة أخرى تكمن في الخطاب السائد، فحالة الرفض للبرلمان موجودة فقط في أوساط من سميناهم بشباب الثورة الجميل، هؤلاء الذين يصفون البرلمان بأنه لا يمثل الشعب، وبذلك يمارسون فاشيتهم على الشعب وتكريسهم للخطاب الذين يعيشون بداخله : الأنا المتضخمة المتعالية في مقابل الآخر الجاهل بالنسبة إليهم. لمجرد أن الشعب لم يختر من هم على هواهم فالبرلمان لا يمثل الشعب! ولو عدنا مرة أخرى لنتساءل عن ما هو المطلوب من البرلمان الذي يتمثل دوره في كونه مجرد جهة رقابية وتشريعية سنجد أن البرلمان المصري يؤدي دوره المنوط به على أكمل وجه، إذ ليس من دور البرلمان بناءاً على الإعلان الدستوري أن يخلع الحكومة المعينة من السلطة التنفيذية العليا، ولذلك ليس من المنصف مطالبته بذلك، وفي المقابل نجد أن البرلمان يؤدي دوره بخصوص استجواب الوزراء، وعلى رأسهم وزير الداخلية، الذي يسعى جاهداً في كل مرة أن يقدم تبريراته أمام الهجوم عليه من قبل النواب، إنه الأمر الذي لم يحدث من قبل في برلمان مصري. وإذا عدنا للحديث عن خلع الحكومة وقد أسلفنا أنه ليس من صلاحيات البرلمان القيام بذلك، لكننا نجد أنه على الرغم من ذلك قامت الكتل الحزبية وعلى رأسها الإخوان بإعلان سحب الثقة من حكومة الجنزوري إبان استجوابه في البرلمان، وهي تضغط حالياً لتشكيل حكومة توافق وطني كما أسموها. إذا مرة أخرى ما هو المطلوب من البرلمان ولم يقم به ؟ أمامنا خياران للإجابة على هذه التساؤل، إما أن نحلم ونتعامل مع الخيال ومن ثم نتجاهل الدور الحقيقي المنوط بالبرلمان أداؤه، أو أن نتعامل مع الواقع. بدايةً لابد من الإقرار بأنّه ليس من دور البرلمان أن يقوم بالثورة، دور البرلمان ليس أكثر من أن يتحدث باسم الشعب، أن يقدم الاستجاوبات بناءاً على مطالب الشعب ( كلام مثل هذا تجدونه أيضاً على ويكيبيديا )، أن يقدم طلبات الإحاطة بناءاً على مطالب الشعب. البرلمان ليس نحن، ليس التحرك الثوري الذي نصنعه في الشارع للضغط على الجهات التنفيذية. مرة أخرى البرلمان يراقب على هذه الجهات والتي نعمل نحن بدورنا كثوار بالضعط عليها من خلال التحرك في الشارع، وأظنّ أن البرلمان يؤدي هذا الدور " الرقابي " على أكمل وجه. ومن ثمّ لا تكمن المشكلة في البرلمان وأدائه إنما في عدم متابعتنا لما يقوم به، والسبب هو انشغالنا بالشو الإعلامي الذي يقدمه بعض نواب البرلمان! نعم لا أنكر..هناك شو إعلامي و"مكلمة" داخل البرلمان، ولكن لنعد مرة أخرى للديموقراطية، ولنتحدث عن البرلمانات في الدول الأكثر ديموقراطية على وجه البسيطة، لنتحدث عن المشاجرات الكلامية، والمشاجرات بالأيدي . ( شاهد حلقة : مجلس الشعب كلاكيت أول مرة. في برنامج البرنامج لباسم يوسف )، دعونا نتحدث عن تلك البرلمانات وما يحدث فيها وأن لا نتجاهل أن الديموقراطية تمر من هناك قبل أن تأتي إلينا. كما أنّ الشعب المصري أكثر وعياً من نخبه قالها أحد المثقفين الأوروبين، وسأقولها مرة أخرى، وأضيف إلى النخبة المجموعة الجديدة التي عرفت كنخبة شبابية نتيجة ركوبها المثير على ظهر الثورة، أو من يعرفون بشباب الثورة الجميل، أن وعي الشعب المصري جليّ في البرلمان التعددي، الذي تتمثل فيه معظم الأحزاب المصرية والقوى السياسية غير الفلول، ووعي الشعب المصري كان سابقاً في خضم العملية الانتخابية نفسها، لنجد أن الاختيار كان بناءاً على البرنامج السياسي والخلفية الخدمية للقائمة المنتخبة ولذلك نجد أن الأغلبية في البرلمان في يد الإخوان والسلفيين، أكثر الذين قدّموا الخدمات للمصرين على مر السنين، وهنا يكمن مربط الفرس. ثمّ نجد أنه في المعارك الرمزية السياسية يبرز وعي الناخب بتجاهله للحملات الإعلامية ضد مرشحين بأعينهم واختياره لمن يعتبره وجه شبابي أو ثوري، والأمثلة في هذا السياق كثيرة، بدايةً من مصطفى النجار، ومروراً بالشوبكي والخضيري، وحمزاوي، والبدري فرغلي وعمرو الركشي، وسقوط الذين قرروا ابتداء هذه المعارك الرمزية، وسقوط الفلول. ثمّ يتجلى هذا الوعي في تجاهل المصريين للمعارك الجانبية التي يحاول البعض الزج بهم فيها، والاهتمام بالأمور الأكثر جدية، وحين أتحدث عن المصريين هنا لا أقصد سكان الفيس بوك أو القنوات التلفزيونية، إذ لا يمكن القياس بهم، أنا أتحدث هنا عن سائق التاكسي الذي يدرك تماماً أن المشكلة الأساسية في الداخلية وأجهزتها، وفي عدم توفّر أنابيب الغاز، والتي يلعب نواب البرلمان –خصوصاً نواب الأغلبية—دوراً مهماً في توفيرها بأنفسهم، ومشاكل الفساد في المصانع والشركات، ومكتبة الإسكندرية. أتحدث عن المصريين الذين لم يعيروا انتباهاً لقضية إطلاق لحى ضباط الشرطة، أو منع المواقع الإباحية، الذين تجاهلوا الخوض في هذا الهراء، المصريين الذين يدركون تماماً أن النائب الفلاني نائب شو وبروباجندا، وأن النائب الآخر يعبّر عن مطالبهم، وأن الذي يقول بأنّ البرلمان لا يمثل الشعب شخص تافه، وأن الذي يشير إلى المصريين باعتباره مريخياً شخص يحتقر نفسه، وأيضاً برلماننا تعددي ولا تتحكم فيه قوة سياسية واحدة. هذا كما أسلفنا من حيث التمثيل في البرلمان، ثمّ أيضاً لو نظرنا لنجوم البرلمان سنجد أنهم من غير الإخوان، إذ سنجد أن نجوم البرلمان هم : محمد حامد، وعمرو حمزاوي، ومصطفى النجار وأبو عز الحريري، ومصطفى بكري ! ولا أتذكر أنه مورس عليهم في يومٍ من الأيام أي شكل من أشكال الاضطهاد باعتبارهم أقلية، أو باعتبار ممارسة السلطة من قبل الأغلبية. ولكن لماذا لا يموت الفاشيون ؟ دعونا من الإجابة على هذا السؤال، فالله وحده يعلم، ولنتحدث عن الفاشيين الذين نقصدهم؟ عبّر أحد الأصدقاء ذات يوم عن مخاوفه من أن يكون لشباب الثورة الجميل سلطة مطلقة، وذلك بسبب نعرة السلطوية في أحاديثهم وخصوصاً بعد خلع المغضوب عليه، حين كنا نرى كل يوم بعض أعضاء ائتلاف شباب الثورة يتحدثون على شاشات التلفاز باعتبارهم مفجري الثورة وملاكها، وحين كنا نسمع كلام من آخرين وُصفوا كثوار وناشطين يتحدثون باستعلاء وكبرياء شديد يصل أحياناً كثيرة لاحتقار عامة الشعب المصري. قد يبدو خوف هذا الصديق مبالغاً فيه، نعم قد يبدو ذلك، ولكن لو تابعنا كلام بعض تلك النخب الشبابية في الإعلام أو ما يكتبونه على الفيس بوك وتويتر باعتبارهم أعلم أهل الأرض، سنجد أن ذلك الخوف في محله تماماً، إن الفاشية واحدة، ولكن تتختلف أشكالها، لا أجد أي فرق بين هؤلاء وبين هتلر مثلاً، بل ربما كان هتلر يستند على قاعدة شعبية جماهيرية.! أن يتحدث الواحد منهم باعتبار أنّ رأيه صواب مطلق وأن ما اجتمعت عليه الجموع خلاف رأيه إنما هو جهل، وإن لم يذكر أنه جهل فسيقول على أقل تقدير أن مجلس الشعب لا يمثل الشعب . هو هنا يتجاهل بفجور اختيار الشعب، فإما أنه يعتبر أن الانتخابات مزوّرة وبالتالي عليه أن يثبت ذلك، أو يعتبر أنه قد تمّ التأثير على توجه الشعب وتوجيه اختياراته، كما نستمع إلى الحديث عن التوجيه باستخدام الشعارات الدينية وخلافه من هذا الهراء، وهنا فإنّ الأستاذ شاب الثورة الجميل والخبير الإستراتيجي يتعامل باستخفاف مع الشعب كلّه ويعتبره غير ناضج أو بالأحرى طفل قاصر منساق وذلك لأنّ الشعب الجاهل لم يختر للأسف الذي يريده شاب الثورة الجميل. ويحيلني ذلك بالضرورة إلى تذكر مجرمي الداخلية الذين يعتبرون أنفسهم أفضل من الشعب ومن حقهم تقرير مصيره، إلى تذكر رموز النظام السابق، وأعضاء الحزب المنحل الذين كانوا يتحدثون باستعلاء فاجر معتبرين أنفسهم أوصياء على الشعب وهم وحدهم القادرين على تحديد مصيره. هل يمكن لشاب الثورة الجميل هذا أن يذكر لي الفرق بين خطابه وخطاب صبحي صالح الذي يعتبره هو خطاب إقصائي ومفعم بالاستعلاء والكبر، أو خطاب مجدي أبو قمر الشهير، أو خطاب اللواء محمد نور الدين الذي يعتبر نفسه أفضل من كل الآخرين، ثمّ يظهر شاب الثورة الجميلة غضبه من اهتمام سواق التاكسي بأنبوبة الغاز وتجاهله للكرامة! السؤال هنا من يحدد القيَم الأكثر أهمية ؟ لماذا الناشط الثوري والخبير والاستراتيجي وشاب الثورة الجميل يعتقدون أنّه لابد أن تكون الكرامة أهم من أنبوبة الغاز، في حين أن الكرامة لا تغني من جوع على العكس من أنبوبة الغاز تساهم في ذلك، ثم ما هي الكرامة بالنسبة إلى شخص يتقاضى راتباً بآلاف وربما عشرات الآلاف من الجنيهات ويركب سيارة بي إم ويسكن في منزل في مصر الجديدة أمام الكرامة بالنسبة إلى شخص يقتات على عشرة جنيهات هو وأسرته ؟ علينا أن ندرك بشكل جيّد حين نقارن بين المطالب والقيم الأساسية لكل فرد الفرق المعيشي بين كل فرد والآخر ومدى توفر الحاجات الأساسية . ( ارجعوا لهرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية، وأغنية التغريبة لحمزة نمرة حين قال : حب البلد بيعيش لما يموت الجوع ). وعلى الرغم من ذلك لو عدنا لموضوع الكرامة سنجد أن تلك القيمة تتجسد بوضوح وعملية عند المواطن المصري البسيط أكثر بكثير من المواطن الخبير الاستراتيجي أو الناشط السياسي أو من يسمّوْن بشباب الثورة الجميل . تتجسد بوضوح في إدراك ذلك المواطن إلى أنّ المشكلة الحقيقة تكمن في الداخلية أساس إهانة كرامة المواطن المصري منذ عقود، و تتجسد بعملية في معاركه مع الداخلية وأجهزتها، والتي راح ضحيتها الكثير من الشهداء من هذه الفئة، فئة المواطن المصري البسيط وفي النهاية : دعونا بالفعل نسأل الأسئلة الجادة وأن نترك الهراء .. للفاشيين.