منذ عامٍ وشهرٍ مضى، وطوال ال 18 يوم التي بتنا نُخبّر عنها وكأنها في قصص الخيال، كان الشباب المصري يُصعّد في الهتاف :"الشعب يريد إسقاط النظام"، لم يكن هتافاً اعتباطياً أو وليد اللحظة لمَن يُريد أن يُحللّ المفاجآة، إنما يعني اللفظ والمعنى، ويُؤسسّ للمستقبل بجملة، كان الشعب بالفعل يريد إسقاط أركان النظام الفاسد وليس رأسه فقط... ولكن ما حدث كان مغايراً والكلّ يعلم ذلك. كانت خطيئة لفظ وطوال عام كامل وشهر يمرّ بنا الآن، تأكدّ لدينا نحن قوى الشعب الثائر، أننّا وإن أطحنا برأس النظام الفاسد المُتمثّلة في الرئيس المخلوع، إلاّ أنه كان قد غرس جذور مُفسديه في أنحاء مصر بشكلٍ أفقي ورأسي في ذات الوقت، ورغم أن الشعب أراد أن يتخلصّ من النظام فعلياً ويبني غيره نظيفاً، إلاّ أنه أخطأ اللفظ في برهة من الزمن كانت هي الخطيئة التي نُعاقب عليها حتى يومنا هذا، فكلمة "إسقاط" تعني في اللغة أن تُوقع شيء ما من أعلى إلى أسفل وحين سقوطه يُحدث دوياً هائلاً، ولأن النظام كانت جذوره الفاسدة ممتدّة أفقياً ورأسياً لم ننجح في ذلك، وما حدث في مصر هو إزاحة لرأس نظام جبروتيّ مستبد، وتم إستبدال ما أُزيح ب 19 رأس أخرى وبقى النظام مُتجذّراً، وكان الأجدر بنا أن نهتف: "الشعب يريد إقتلاع النظام"، فلربما كنا إجتثثنا جذوره وأصوله من وطننا، لكن ما حدث قد حدث وفُرضت علينا الإستفادة. وفي هذه الأيام وبعد عام وشهر، تتجدّدّ أرواحنا بروح الثورة بالتوازن مع السطو المسلحّ عليها وعلى مكتسباتها، ومازال الهتاف يُدويّ أنحاء الوطن، فاليوم لا نخرج ضد سياسات الرئيس المخلوع وآلته الأمنية والنهب المنظّم الذي يمارسه حزبه المنحلّ لنا، وإنما لأن الثورة أكملت عامها ولم تُسقط النظام رأسياً كان أو أفقياً، فانطلق يوم 25 يناير الماضي لسنة 2012 مجدداً أمامنا يقود مسيرات الغضب الحاشدة المستمرة حتى الآن، تهتف جميعها "يسقط يسقط حكم العسكر.. إحنا الشعب الخط الأحمر"، و "س لّ م .. ال س ل ط ة". دلالة الهتاف وتطورها تتضحّ لنا دلالة الهتاف وقوته ومدى تغيره من عامٍ لعام، ومن لحظة لأخرى، ومن حدثٍ لغيره، ونجد تطورّه يتمتعّ بمدى قوة وقع الكارثة على عددٍ واعٍ من الثوّار غير القليلين، ومصداقية الهتاف تأتي عندما ينطلق من الحناجر الهادرة، فيكون أقوى من الرصاص، وطعنات التخوين الصدأة التي يُقذف بها الثائرون عبر آلة المجلس العسكري الإعلامية القميئة، مُؤمنةٌ بأنها تعني ما تُطلقه وسيقوم الشعب بتنفيذه. نحن عندما نرى دلالة الهتافات التي يُبدع في تأليفها الشباب المصري، نعلم أنه يقصد الهتاف لفظاً ومعنىً، فهو حين يهتف :"يسقط يسقط حكم العسكر.. إحنا الشعب الخط الأحمر" فهو يؤكدّ علمه بممارسات العسكر المنتهكة لحقوق الإنسان ويسجّل رفضه لها ويفضحه ويحذره من المساس بآدمية الشعب ثم يطلب إسقاطه، الشباب يعلم بوجود خلل يبرز في إستماتة المجلس العسكري بقبضته على السلطة واللعب بدهاء حربي وكأنه في قتال ميداني، فقطع الشباب الثائر عليه طريق غدر الخمسينات، وطالبه في رنة تحدّي وندية كبيرة بأن يُسلّم السلطة. وبعد يوم 25 يناير الماضي وخروج الآلاف الهادرة المتحّرك بقيادة ذاتية، ترجّ بالهتافات الشوارع والميادين، تزأر غضباً وحباً من أجل الوطن، تُسمع مصر عالياً: "إرفع كل رايات النصر.. إحنا شباب بنحررّ مصر"، لتُثبت أن الحرية كالطعام والشراب والهواء.. مطلب إنساني كي نستطيع الحياة. تستمر الهتافات للدلالة وتأتي المجزرة المأساة التي حدثت في محافظة "بورسعيد" والتي إلى اليوم تتضارب أرقام الشهداء فيها، لتُوحدّ الركب الثائر من جديد بكل الألوان الطيفية للشعب، فكل الأفكار والتّوجهّات والإنتماءات والأشكال تتلاشى في فضاء الوطن ليبزغ مكانها نسيج واحد يهتف: "وحدّ صفك.. كتفي بكتفك.. حركة وطنية واحدة.. ضدّ السلطة إللي بتدبحنا"، وترتفع المعنويات، ويبقى أمل مدينة الدولة يؤخره تسليم سريع للسلطة... وتستمر الهتافات مزلزلة ذات دلالات واضحة: "ثوار أحرار.. هنكمّل المشوار" "مش هتفيدك كاب وبيادة.. إنتوا جهنم وإحنا شهادة" "اقتل خالد اقتل مينا.. كل رصاصة بتقوينا" "قالوا ثورة وقالوا حمونا.. ولما بنهتف يقتلونا" "قالوا حرية وقالوا قانون.. والأحرار جوا السجون" "الجيش المصري بتاعنا.. طنطاوي باعوا وباعنا" "مجلس عسكر ياأوباش.. مصر بناتها ماتتعراش" "قلنا عيش كرامة حرية.. قالوا علينا بلطجية" "مش راجعين من غير حرية.. مهما بَعتوا البلطجية" "يسقط يسقط حكم العسكر.. مصر دولة مش معسكر.. في حرية وناس بتفكرّ" "عايزين يركبوا على ثورتنا.. إلاّ الثورة على جثتنا" "أنا مش جبان أنا مش جبان.. أنا ميت ميت في الميدان" "عهد عليا ياشهيد.. قبل النصر حرام العيد" "ياأهالينا ياأهالينا.. الكرامة ليكوا ولينا.. الحرية ليكوا ولينا.. لقمة عيش ليكوا ولينا" "كلمة في ودنك ياحربية.. إحنا إللي ضربنا الداخلية.. إحنا الشرعية الثورية" "قول ماتخافشي.. العسكر لازم يمشي" "هنفّكه هنحلّه.. خنشيل المجلس كله" "يلا ياشعب صحيّ النوم.. إوعى تنام تاني مظلوم" ويعلو الإستمرار.. ونجد هذه الدلالات وإن اختلفت أوزانها أو صدحت بها حناجر شقيقة في كل البلاد الثائرة تخرج وتموت كي تعيش حريتها، فتُحرج العالم المساعد للطغاة.