رئيس جامعة الأزهر يدعو إلى إحياء المنهج التراثي الكامل في بناء العلماء    الذهب يرتفع فى الصاغة، عيار 21 يصل لهذا المستوى    وزير الكهرباء: استراتيجية متكاملة لتحويل الشبكة القومية إلى «ذكية» وتعظيم عوائد الأصول    شُعبة المستلزمات الطبية تبحث سُبل الحفاظ على استقرار السوق    حرب إيران تشعل أزمة الأسمدة فى العالم.. إنذار مبكر لموجة غلاء عالمية    حزب الله يعلن تنفيذ 28 عملية ضد إسرائيل واستهداف مستوطنات    نائب الرئيس الأمريكى: لن نهاجم مواقع الطاقة والبنية التحتية الإيرانية حتى انتهاء مهلة ترامب    وزير الخارجية يناقش مع الممثل الأوروبي لعملية السلام مستجدات الأوضاع بالأراضي الفلسطينية والشرق الأوسط    قبل مباراة الأهلي وسيراميكا، ترتيب مجموعة التتويج في الدوري الممتاز    وزير الشباب يتابع مستجدات الموقف التنفيذي لاستعدادات استضافة مصر لدورة الألعاب الأفريقية 2027    إعدام الشقيق والمؤبد للابن، جنايات المنصورة تسدل الستار على مأساة ميراث المنزلة    طرح البوستر الرسمى لفيلم إذما بطولة أحمد داود    الهيئة العامة للرعاية الصحية تعلن إنجازاتها في تطوير الكوادر الطبية وتعزيز منظومة التعليم الطبي المستمر    محافظ الغربية يتابع أسواق اليوم الواحد بتخفيضات تصل إلى 30%    كونتي يفتح الباب أمام تدريب منتخب إيطاليا    يفتح آفاقا جديدة لاكتشافات مماثلة.. معلومات عن كشف الغاز دينيس غرب1    الداخلية تضبط مصنعا غير مرخص للمواد الغذائية والعطور بالمرج    الأمن يضبط ميكروباص "الرعونة" بالفيوم والسبب "اختصار طريق"    مدبولي يتابع مع وزير النقل جهود تحويل مصر إلى مركز لتجارة الترانزيت    تطورات مقلقة في الحالة الصحية للفنان عبد الرحمن أبو زهرة    إنشاء قاعة عرض تفاعلي في المتحف القومي للحضارة المصرية    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    خالد الجندى: الكمال لله وحده ولا أحد معصوم من الخطأ    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال مارس الماضي.. أولوية قصوى للتعامل العاجل والفعال مع شكاوى واستغاثات وطلبات المواطنين المرتبطة بقطاع الصحة    مصرع معلمة تحت عجلات القطار بقنا وتوجيهات بسرعة صرف مستحقاتها لأسرتها    وزير الخارجية يستعرض مع نظرائه من أستراليا واليابان والبرتغال جهود خفض التصعيد    أول تعليق من «تعليم القاهرة» حول سقوط سقف إحدى المدارس    تكريم الطلاب المتفوقين والأمهات المثاليات في احتفالية يوم اليتيم بالشرقية    انطلاق مبادرة تمكين لدعم الخدمات الطبية والشمول المالي في قنا    درجات الحرارة في القاهرة وأخبار الطقس غدًا الأربعاء 8 أبريل 2026    ربطه من قدميه ب «حبل».. ضبط عامل عذب طفله في سوهاج ونشر الفيديو    أسباب انخفاض ضغط الدم، احذريها    متى تشرب الماء؟ معهد التغذية يوضح التوقيت والكميات المناسبة    درة تكشف أسرار بداياتها ودور يوسف شاهين في مسيرتها الفنية    قنصوة: التوسع في إنشاء الجامعات يسهم في تقليل اغتراب الطلاب    الحرس الثورى الإيرانى: الرد على التهديدات الأمريكية سيتجاوز حدود المنطقة    أمين البحوث الإسلامية: صلاح الباطن واستقامة السلوك هما المعيار الحقيقي للعلم النافع    ضبط 600 كيلو دقيق مدعم قبل تهريبه بالسوق السوداء فى الأقصر.. صور    انهيار جزئى لمنزل بالطوب اللبن فى قرية زرنيخ بمدينة إسنا دون إصابات.. صور    رائدة الفن والأمومة، لمحات من مسيرة الفنانة التشكيلية القديرة زينب السجيني    رسميا.. المصري يعلن رحيل الكوكي    وكيل تعليم بني سويف: المدرسة الدولية الجديدة تستهدف تقديم نموذج تعليمي دولي متميز بأسعار مناسبة    رئيس شركة مياه البحر الأحمر يؤكد الالتزام بمعايير جودة المياه    المصري يواصل التدريبات بمركز بورفؤاد استعدادًا لمواجهة بيراميدز    المصري يعلن إقالة الكوكي    أنشطة متنوعة بثقافة العريش والمساعيد لتعزيز القيم ودعم المواهب الفنية    عاجل- وزير الدفاع الأمريكي يكشف تفاصيل عملية إنقاذ طيار إف-15 أسقطته إيران    القنصلية الفرنسية بالإسكندرية تحتفي بتولي المحافظ مهام منصبه وتبحث آفاق التعاون    أيقونة العفة وسيدة نساء العالمين، ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض سيرة السيدة "مريم"    دمياط تحتضن التصفيات الأولية للنسخة ال33 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    هدوء فى سوق الدواجن بالإسماعيلية وسط وفرة المعروض    «الري» توضح كيفية التعامل مع مياه الأمطار واستغلالها بشكل مفيد    الأكاديمية العربية تحصد المركز الأول على مستوى الجامعات المصرية في تصنيف سيماجو 2026    إجراء أول جراحة مخ وأعصاب لرضيعة عمرها 4 أيام بمستشفى شربين بالدقهلية    قائمة منتخب كرة اليد 2008 استعدادًا للبحر المتوسط..والبعثة تغادر 12أبريل    نقيب الإعلاميين ينعى والد محمد إبراهيم رئيس التلفزيون    نائب وزير الصحة تعقد الاجتماع التنسيقي الأول لتطوير الرعاية الصحية الأولية    إبراهيم حسن: زيزو لاعب «مصنوع» وانتقاله إلى الأهلى لم يكن متوقعا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قضايا مصرية (7) مصر فى العام 2007.. رئاسة جديدة بوجوه قديمة
نشر في الشعب يوم 16 - 12 - 2006


بقلم: هشام الناصر
تمثيل منظومات الكيانات السياسية "بدوائر" هندسية يحدد العلاقات الإرتباطية فيما بينها وهم الانفصال التام والتماس والتقاطع والاحتواء. وإذا ما أسقطت تلك الدوائر على رقعة الصراع العالمى (وهو من تعريفات السياسة) لأمكن بوضوح قراءة واستبصار ملامح العام الميلادى والهجرى الجديدين (2007 / 1428) استرشادا بخصائص تلك الدوائر وبالدروس التاريخية وبقوانين الطبيعة المادية. إلقاء الضوء على منطقة الشرق ألأوسط ومنها مصر بالخصوص يظهر دوائر الكيانات الفاعلة فى العالم.
بداية الدوائر الفاعلة هى الدائرة الأمريكية التى تتقاطع مع غيرها بدرجات متفاوتة (مثل الإتحاد الأوربى وتركيا) وتحتوى أو تبتلع أخرى من دول أو من تجمعات سياسية أشبه بالدويلات (مثل إسرائيل ومصر والأردن وأجزاء كبيرة من دول الخليج ومجموعة 14 آذار فى لبنان والسلطة الفلسطينية وحكومة كرزاى أفغانستان وبعض المنتفعين فى العراق). وهناك الدائرتان الشرقيتان الروسية والصينية اللتان تتقاطعان فيما بينهما فيما يسمى "بمعاهدة شنغهاى" وتسعيان لمزيد من التقاطعات مع دول منطقة القلب العربى وأفريقيا. وهناك دائرة بدأ نضوجها فى أمريكا اللاتينية تحت راية عقيدة "اليسار الديموقراطى" (وهو الطريق الثالث بين اليسار التقليدى والليبرالية). وهناك الدائرة الإيرانية (المثيرة للجدل والخوف والإعجاب فى آن واحد) والتى تتماس وتتقاطع وتتباعد مع كافة دوائر العالم السياسية الفاعلة ولكن لا يحتويها أحد وإن كانت هى تسعى لاحتواء نظم أخرى كأمر طبيعى لطموحات مشروعها النهضوى الذى يختلط فيه القومى (الفارسى) مع الدينى المذهبى (الشيعى) اختلاطا يعجز المحللون عن الفصل أو التمييز بينهما أو الإدعاء بالتوصيف الصحيح له. هذا المشروع الإيرانى يمكن تصنيفه (إلى حد ما) كنموذج لتكرار القالب التاريخى لتجربة القومية الناصرية، وتمتاز عليه بأن قومية المشروع الإيرانى مدعومة بعقيدة دينية تضفى عليه زخما وسندا بعكس التجربة الناصرية.
قوانين الطبيعة المادية وحقائق الأشياء تؤكد حتمية غير قابلة للشك هى أن الدوائر (أو النظم) حينما تنهار ينهار معها ما تحتويه بالتبعية، أو على اقل تقدير تقوم بلفظ ما فى جوفها لتخفف من حملها تاركه إياه لمصيره تبعا لقدراته الذاتية. فلا صداقة دائمة فى عالم الصراعات "البرجماتى" ولكن هناك منافع ومصالح دائمة. وقد تصل الأمور بأن تحاكى الدول المهيمنة بعض أنواع الزواحف (البرص كمثال) فى ترك مؤخرة ذيلها لتلهى به أعدائها وتنجو هى بروحها.
والسياسة فى عصر العولمة والنيوليبرالية قد أصبحت مثل بورصة الأوراق المالية، صعود وهبوط وافتتاح وإغلاق، وأسهم تتصاعد بثبات وعناد وأخر تتخلف وتتراجع وثالثة تهوى فى حضيض الإفلاس. الفارق بين السياسة والبورصة هو أن صغار المستثمرين فى عالم السياسة يمكن أن يجدعوا أنف كبار الحيتان ويستحقون الزعامة ويحتلون المكانة شريطة ثلاث: الأولى عقيدة واضحة (دينية أو فكرية)، والثانية توفر أركان التخطيط العلمى (الرؤية والغاية – الإستراتيجيات – السياسات – المهام والأعمال – الموارد – الأدوار – التوقيتات – المراجعات)، أما الثالثة فهى الإرادة والإصرار والنفس الطويل.
* * * * * * * * * * * * * * *
أولا: المشهد العام – سقوط المشروع الإمبراطورى فى الشرق الأوسط :
يمثل المشهد السياسى العام الآن (أو بورصة السياسة العالمية) مقدمات لنتائج تبدو حتمية الحدوث فى العام الجديد، والتى يمكن تلخيصها (كمقدمات حالية ونتائج متوقعة) فى النقاط الآتية:
1 – هناك مؤشرات انتكاسة حادة لمؤسسة الأعمال الأمريكية (وهو التوصيف الصحيح للولايات المتحدة) تهدد بإفلاسها المحتمل وبالفشل المؤكد لمشروعها الإمبراطورى، وهو الأمر الذى ظهر بوضح فى توصيات تقرير "جيمس بيكر" وتصريحات "ريتشارد هيس" كإقرار من داخل المؤسسة ذاتها. وفى تصريحات "كوفى أنان" بعدما تحرر من قيود الوظيفة الرسمية كأمين عام الأمم المتحدة الأمريكية (!!). هذا بخلاف النتائج المادية الملموسة الظاهرة للعنان مثل الهزائم العسكرية المتكررة والفشل فى تحقيق الأهداف والمشاكل المالية والاقتصادية والقصور الواضح فى إدارات الأزمات الداخلية (إعصار كاترينا كمثال).
2 – المشروع الإمبراطورى الأمريكى الذى بدأ فى القرن التاسع عشر بالقارة الأمريكية والجوار اللاتينى والمستعمرات البرتغالية والأسبانية ثم أتجه نحو الشواطئ الأسيوية عبر الهادي ثم إلى أوربا بعد الحربين العالميتين، ثم إلى منطقة الشرق الأوسط كاستثمار لنجاحاته فى الحرب العالمية الثانية مبتدأ ببترول الجزيرة العربية ثم إزاحة بريطانيا من إيران ثم التبنى الكامل لوكيلها المعتمد "إسرائيل" بعد حرب يونيو 1967، ثم التجذر التام بعد معاهدة السلام "الساداتية" 1977 ، ثم الاحتواء المزدوج لإيران الإسلامية والعراق كأكبر قوة غربية فى حرب الثمان سنوات (من سبتمبر 1980 إلى أغسطس 1988وهى التى تعتبر من أطول حروب القرن العشرين وأدت إلى مقتل أكثر من مليون شخص وتحقيق خسائر مالية تتجاوز 1200 مليار دولار أمريكى (ترليون ومائتى مليار) للطرف الإيرانى وللطرف العراقى وحلفائه، ثم استقطاب وتعبئة شعوب العالم والمنطقة العربية فى تحالف تدمير الكيان العراقى فى العام 1991 (حرب تحرير الكويت)، ثم الاحتلال التام لأفغانستان والعراق وإسقاط منظومة الدولتين وتنصيب وكلاء أعمال محليين – المثير فى هذا التاريخ الدامى أن المشروع الإمبراطورى المتأثر بفلسفة الإمبراطورية الرومانية، المستندة على القوة والخيلاء والتى أخذ منها فلسفة "الصدمة والترويع" والغير مسبوق فى التاريخ قد سقط على أيدي جماعات عقائدية محدودة العتاد والإفراد وليس بواسطة دول نظامية (!!)، هى التى صدمته وهى التى روعته، والأهم أنها من المرشحين لأخذ مكانته (!).
3 – ومن الجدير بالذكر أن تلك الهزيمة (أو الانتكاسة) لأكبر وأضخم مشروع إمبراطورى فى التاريخ قد تم توقعها منذ بدايات الإعلان عن أطروحة "صدام الحاصرات" التى صنفت "الإسلامية" ضمن الحضارات المتصارعة فى عصر ما بعد انهيار الإتحاد السوفيتى بالرغم من أنها (الإسلامية) لا تملك تمثيلا ماديا كالآخرين: فالحضارة لغربية تمثلها أمريكا وأوربا وأستراليا ونيوزلندا، والسلافية تمثلها روسيا وصربيا، واليابانية تمثلها اليابان، والكونفوشية تمثلها الصين وأمثالها، والهندية تمثلها الهند، واللاتينية تمثلها دول أمريكا اللاتينية – فمن ذا الذى يمثل "الإسلامية" !!؟؟. كانت تلك الأطروحة بيانا وتأكيدا على أن "الإسلامية" بذاتها ووحدها تمثل "كيانا ثقافيا" مستقلا لا يحتاج لدعم خارجى. هذا الأمر أيضا ظهر فى تحول "القاعدة" من "كيان مادى" كجماعة منسوبه للإسلامية إلى "فكر وثقافة" أنتشر فى العالم أجمع عبر الهواء والأثير ولم يتأثر بالصواريخ الذكية أو القنابل الانشطارية.
الأمر الثانى الجدير بالذكر هو أن "الولايات المتحدة" كانت تعرف تلك الحقيقة جيدا منذ الخمسينات (قول مستشار الرئيس الأمريكى "إيزنهاور" إن الإسلامية هى طاقة نووية)، وقد استغلتها لصالحها فى مؤامرة الإطاحة بالنفوذ البريطانى فى إيران الشاه، وفى محاولات القضاء على الفكر القومى الناصرى (قبل وبعد ممات "ناصر")، وفى القضاء على النفوذ السوفيتى والفكر اليسارى فى العالم العربى والإسلامي، وفى إجهاد الآلة العسكرية الروسية فى جبال ووديان أفغانستان بالاستعانة بالجهاديين العرب والإسلاميين (مثلث مصر والسعودية وباكستان)، وفى إحداث الفتن بين المذهبين (السنى والشيعى) كما يحدث الآن. ولكن الغرور الإمبراطورى أو غباء الإمبراطور الذى نعته أهله بأنه "عميد أغبياء العالم" - (كتاب الأمريكي "مايكل مور") – قد أنساهم تلك الحقيقة التى أفشلت مشروعهم.
4 – السؤال الذي يمكن أن يثار هو: ماذا بعد بوادر تفكك المشروع الإمبراطورى الأمريكى وتأثيره على المنطقة ؟؟؟. بالنسبة لأمريكا فهناك أمور يجب عدم الخلط بينهم وهم المبادئ العامة (العقيدة) والغايات والإستراتيجيات والتكتيك. العقيدة الأمريكية النيوليبرالية سواء فى شكل عقائدى صهيومسيحى جمهورى أو علمانى ديمقراطى لن تتغير بسهولة وسيستمر الصراع العالمى. بالنسبة للغايات الأمريكية فى الشرق الأوسط فهى معروفة وهى: الهيمنة على الكنز البترولى وإنشاء خط دفاع متقدم (إستباقى) ضد الأصولية الإسلامية لحماية المصالح والأراضى الأمريكية وأخيرا أمن إسرائيل. ومن الحقائق التى اتضحت أخيرا هو انهيار أكذوبة أن إسرائيل تحوى وتسيطر على الولايات المتحدة فقد أظهرت حرب الثلاثة وثلاثين يوما اللبنانية عكس ذلك تماما. الإستراتيجيات (النوايا) الأمريكية ستتغير بالتحالف النفعى مع الأعداء التقليديين (إيران على رأسهم) والوصول إلى حلول وسطية، وبالتبعية ستتغير الوسائل والأدوات والتكتيكات.
5 – انسحاب أمريكا وتمركزها فى الجوار بات خيارا حتميا وفى تقليد للأسلوب الإمبراطورى البريطانى القديم، وستستمر الولايات المتحدة فى إتباع أسلوب "الفوضى الخلاقة" جنبا إلى جانب الاتصالات العلنية والسرية مع المحور (الإيرانى – السورى – اللبنانى – الفلسطينى الحماسى) – وهو الأمر الذى تجرى أحداثه الآن على الساحة اللبنانية (دعم قوى 14 آذار فى تعنتها ضد رغبة الإصلاح الشعبى) وعلى الساحة الفلسطينية (تنامى دور "محمد دحلان" التأمرى وإثارة أزمة معبر رفح وإطلاق النار على رئيس الوزراء "إسماعيل هنية" وما تلاها من أحداث فوضى أمنية، واحتمال كبير لإعلان الرئيس "عباس" لانتخابات مبكرة وهو الأمر الذى سيؤدى إلى مزيد من الفوضى)، وعلى الساحة العراقية (التصفيات الجسدية وأعمال التهجير القصرى الممنهج للإعداد للتقسيم الفيدرالى أو الكوتفيدرالى العراقى).
6 – بالنسبة "لمصر" – فقد أنتهى دورها "السياسى" تقريبا فى الأجندة الأمريكية وأقتصر دورها على أنشطة مخابراتية (!) وأعمال دعم ومساندة غير مباشرة إضافة إلى أعمال الوساطة كوكيل محدود الصلاحية للإدارة الأمريكية وباتت أقرب لكونها عبئا على الإدارة الأمريكية التى تتصرف بمنطق التكلفة والعائد، والتكلفة ليست دائما مادية (!)
* * * * * * * * * * * * * * *
ثانيا : المشهد المصرى – رحيل مبارك ورئاسة جديدة بوجوه قديمة (!!) :
أسرفت السلطة المصرية فى الفساد المالى والإدارى والسياسى الذى بدأ خافتا فى الثمانينات وأستفحل فى التسعينات وتوحش منذ بدايات القرن الواحد والعشرين. هناك ارتباط وثيق بين السلطة الرئاسية للجمهورية الثالثة (مبارك) وبين مؤامرة قتل "السادات" فى أكتوبر 1981 على النحو الذى أظهره الكاتب الأمريكى "جوزيف جى. ترينتو" فى كتابه الخطير "مقدمة للإرهاب" الذى جاء به تفصيلات كان من المفترض إثارتها فى البرلمان المصرى (لو كانت هناك مؤسسية قانونية دستورية). المجموعة السياسية والقيادات الأمنية المصرية التى تحالفت مع شبكات الفساد المخابراتية الأمريكية فى نهب أموال المعونة الأمريكية منذ أواخر السبعينات وحتى اكتشافها فى العام 1981 ولجوئها إلى التخلص من "السادات" بالتغاضى عن مؤامرة الجهاد الإسلامية التى كانت مخترقة أمنيا كلية، بل وتسهيل أعمالها. تلك المجموعة استمرت فى السلطة المصرية حتى تم التخلص منها تدريجيا بأسلوب "توفيقى" (!!) وتم إحلالها بمنظومة أخرى جديدة للرئيس الجديد الذى لم تبارح مخيلته أحداث "مقتل السادات" – وهو الأمر الذى يظهره أمران أساسيان هما عدم تعيين "نائب" للرئيس حتى الآن كوسيلة ضغط على الجهات العالمية النافذة والتلويح بالفوضى واحتمال استيلاء المعادين للولايات المتحدة على نظام الحكم (الإسلاميين – الاشتراكيين) وتحول مصر إلى "إيران" أو "فنزويلا" جديدة (!!) – والأمر الثانى هو إنشاء منظومة أمنية شخصية للعائلة الرئاسية باهظة التكاليف وصلت إلى استخدام الطائرات فى التنقلات وإنشاء مستويات هيكلية مستقلة للأجهزة الأمنية وتعددها وتنوعها وتشييد دويلة مجاورة "بشرم الشيخ" (لها كل مقومات وتجهيزات العاصمة السياسية)، وتسخير كافة المنظومات الأمنية لخدمة رأس السلطة كأولوية أولى على ما عداها.
هدف السلطة الحالية ليس التوريث (!)، بل هو "دفن نفاياتها السياسية والمالية" التى أحدثت شروخا وتصدعات فى الأمن القومى المصرى على كافة المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية. لم يكن التوريث سوى إستراتيجية (نوايا) تم طرحها كخيار لتحقيق الهدف الأساسى ولكن الرفض الشعبى المتنامى وردة الفعل العنيفة أجهضت الخيار فى مهده (إقليميا وعالميا).
الإستراتيجية البديلة للسلطة المصرية الحالية هى الحل التوفيقى مع مؤسسات الدولة صاحبة القوة عن طريق دفع أحد رموزها لتقلد السلطة فى مصر. السمات الواجب توافرها فى تلك الشخصية هى الآتى: لا ينتمى إلى مؤسسة الداخلية (الجهاز الشرطى) أو يتعاطف معها أو يخضع لها بسبب موروثات التاريخ القريب الذى تمثل إحداها فى انفجار أحداث 1986 (الأمن المركزى) !!!!. التمتع بانتماء وبخلفية عسكرية (أمنية – سياسية) وله علاقات مباشرة بمجلس الأمن القومى المصرى الذى لا يعرف أحد الكثير عنه (لا من الشعب ولا من أجهزة الدولة السياسية !!). أن يكون معروفا ومعلوما لجماعات مركز صناعة القرار الأمريكى وسبق التعامل معه. ليس له عداء ضد الدولة العبرية ويعترف ويقر بكافة الاتفاقيات والمعاهدات والالتزامات (المعلنة والخفية) المبرمة معها. له دراية بكافة (معظم) الأعمال المخابراتية المصرية فى القلب العربى بما يتوائم والدور المناسب للكيان المصرى بعد انحسار دورها السياسى وفاعليته. شديد الصلة بالرئيس "مبارك" ويدين له بالولاء التام، ويتمتع تقريبا بمعظم سمات وصفات الرئيس القديمة قبيل احتوائه التام (عائليا !!) – وهو أمر ليس خافيا على معظم العاملين والمتعاملين مع الجهاز الرئاسى. شخصية برجماتية بيروقراطية غير معروف عنه تشدد (أو حتى تعاطف) دينى إسلامى، وله دراية بدهاليز "الدولاب الحكومى". ليس له انتماء حزبى حاليا وهو الأمر الذى ستتم مراعاته فى التعديلات الدستورية القادمة أو الدفع به كأحد المستقلين لتولى منصب الرئاسة.
أخطأت جمهورية "مبارك" كثيرا حينما أسلمت الأمور الداخلية إلى أفراد العائلة الرئاسية فى مطلع القرن الواحد والعشرين وإيجاد المبرر القانونى لذلك والأخلاقى أيضا (إدعاء مبارك أن ابنة شيراك تساعده فى الحكم فلماذا ينتقدون مشاركة أبنه !!؟؟) وهى مقولة إن كان يعرف معناها ويدلس على رعيته فهى "مصيبة" وإن لم يكن يعرف (تم تلقينه بها) فالمصيبة أعظم !!.
من أهم أسباب تدمير وإفشال السياسات الداخلية المصرية وتصديرها إلى السياسات الخارجية هو تحالف "الفساد" و"عدم التأهيل". كم الأموال التى تم نهبها (فسادا) وإهدارها (لانعدام التأهيل) تحتاج إلى عقود طويلة لعلاجها. لا يمكن لأحد التكهن بحجم الخسائر المصرية حتى الآن لا بالعلم الصريح ولا بالتسريبات والاستقراءات – فما هو معلوم أو مقروء أشبه بجزء من جبل ثلجى قد تتضح معالمه بعد سنوات قليله من قدوم رئيس الجمهورية الرابعة (!).
خطة تأمين البلاد وعملية التنصيب الرئاسية سبق وضع إطارها العام منذ سنوات (بدايات القرن الواحد والعشرين). ظهرت معالم تلك الخطة (ولا نعرف إن كانت عفوية أو متعمدة) منذ سنوات قلائل حينما أغشى على الرئيس "مبارك" فى "مجلس الشعب المصرى". حركة الطيران الحربى وتحرك القوات المسلحة كانت لافتة ... ومبالغة أيضا (!!). يضاف إلى ذلك رصد أفراد "عسكريين" غير "أمنيين" كانوا يقومون بمتابعة المظاهرات الشعبية الضخمة التى حدثت فى أعقاب الإعلان عن التعديلات الدستورية للمادة العوار "76" الخاصة بانتخاب الرئيس.
استمرارية الرئيس "مبارك" من عدمه لم يعد فى يده (!!)، أو بالأحرى لم يعد هو متخذ القرار الوحيد فى هذا الشأن، ولا حتى أسرته أو الموالين لها. الأحداث التى سيشهدها العام 2007 أكبر من مقدرة "مبارك" ونظامه الحالى على معالجتها وإدارتها وهو الأمر الذى لا ترضى عنه "جهة القوة الخارجية" (الأمريكية أساسا – والمتأثرة بالإسرائيلية) ولا "جهة القوة الداخلية" التى تعاظم تأثيرها بزيادة مطردة تتناسب عكسيا مع تدهور حالة الرئاسة.
القوى الشعبية والسياسية المصرية لا تملك من أمر البلاد شيئا (!!)، بما فيهم قوى "الإسلاميين" الممثلة فى جماعة الإخوان المسلمين. ما يحدث الآن من ترصد أمنى واعتقالات بالجملة فى صفوف كوادرهم (ومعظمهم من الطلية حاليا) وقيادات الصفوف الأولى لا علاقة له بمخطط التولية الرئاسية التى ستتم (باحتمال كبير) فى العام القادم 2007. ما يحدث الآن (من اعتقالات) هو نتاج التفويض السابق إعطائه إلى الجهاز الأمنى للتصرف طبقا لمقتضيات معينة (خطط سابقة الإعداد). كافة رجالات ما يسمى بالحرس الجديد ورموز الحرس القديم لا يملكون أى قدرة للتاثير على المخطط المزمع تنفيذه، فالجماعة الأولى مجرد "نبت شيطانى" طفيلى لا جذور له، والثانى تكنوقراطى تنفيذى يدين بالولاء للكرسى قبل السلطان.
الشعب المصرى يدخل العام الجديد وهو مريض منكوب، فأكثر من 20% من أفراده يعانون من مرض "إلتهاب الكبد الوبائى" الذى ينهش أكبادهم ويجعل ربعهم (أى حوالى 5 ملايين) أقرب للموت. باقى قائمة الأمراض (البلهارسيا والسكر والقلب والفشل الكلوى والسرطان) تنشب مخالبها فى معظم أفراد الشعب (البلهارسيا وحدها تصيب 60%)، بينما تتولى الأمراض النفسية والعصبية الباقى من الباقية.
الخيار البديل لعدم النقل السلمى للرئاسة مفزع (!!). يكفى بضع مئات (أو حتى عشرات) من الشباب والرجال المضطهدين الغير منتميين لأى فصيل إسلامى رسمى ومعروف أن يحدثوا مغامرة (أقرب للكارثة) سيكون الكل خاسرا فيها بمن فيهم أصحاب المصالح الأمريكية والجار الإسرائيلي. مقولة بضع عشرات ليست من قبيل المبالغة أو الاستهانة اللفظية، فغباء الأجهزة الأمنية ستتولى مضاعفة العدد وتضخيمه (!!). هذا ما حدث تماما فى أحداث نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات من جهاز شرطة يفتقر للأسلوب العلمى وللمرجعية الأخلاقية ولوجود جهة محاسبة. أسلوب الجهاز الأمنى فى الاعتقال الكمى المكثف للمشتبه فيهم (مهما قلت درجة الاشتباه) وخضوع ذلك للأهواء الشخصية، والقيام بالتعذيب السادى للأفراد وذوييهم (رجال ونساء) سيؤدى إلى مضاعفة هؤلاء العشرات المضطهدين الثائرين وتصميمهم على ثأر الشرف وثأر الدم. الاحتقان الشعبى يجعل البيئة المصرية الآن غير حالها منذ عقد من الزمان – بسبب الممارسات الأمريكية الإسرائيلية فى الجوار العربى والعالم الإسلامى، وبسبب المعاناة الشعبية الطاحنة داخل الدولة المصرية (أو التى كانت دولة).
الشعب المصرى لا يملك ترف الخيار من عدة بدائل بل هو أمام ثنائية بفرضها عليه أولياء الأمر. موقف الشعب المصرى من شخصية صاحب الرئاسة سيكون نفس الموقف الذى كان عليه عقب أحداث خريف أكتوبر 1981 (مقتل السادات) – فأى بديل أخر هو خير من الحالى.
هذا الموقف تم تصويره فى مقال سابق (وهى قصة حقيقية) جاءت على لسان أحد العمال عندما شاهدنا نتجادل عن ماهية القادم مساء يوم مقتل السادات (6 أكتوبر 1981) فى أحد المقاهى رغم حالة "حظر التجول"، وفيها قلنا (بصياغة) أنه قد انتصب واقفا زنهار، قاطعا علينا الحوار، قائلا بصوت أجش تخين، يا سادة يا مثقفين ، يا متنورين ومتعلمين، مع احترامي لرأيكم، وسلامة فكركم، فكل من ذكرتموهم أو عددتموهم قد كانوا في السلطة، والسُلطة سَلطة، سوء عملهم حاضر وخيرهم نادر، بتقولوا "مصطفي خليل" أو "صوفى أبو طالب"، قسما ثلاثة بالله العظيم لو جابوا "سهير زكي" فلن أعارض" (!!!). (ملحوظة لغير المصريين – "سهير زكى" كانت راقصة شهيرة فى ذلك الوقت).
وما أكثر الراقصات فى ربوع المحروسة بفضل سياسة رأس الدولة المتأوربة وبفضل تطبيقات وتنفيذ وزارات الإعلام والتربية والتعليم و"الصفاقة" (الثقافة – سابقا) المصرية – وبفضل حياد شيوخ "الأزهر" الحكوميين.
وربنا يستر . . . . . . . . . .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.