نشرت صحيفة الإيكونوميست على موقعها الإلكترونى تقريراً عن ضحايا تعذيب الإستخباراتن الأمريكية فى مختلف دول أوروبا وقالت فى أواخر عام 2002، قدمت بولندا لحلفائها الأمريكيين خدمة من خلال السماح لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية باستخدام قاعدة استخبارات عسكرية بولندية لاستجواب الإرهابيين المشتبه بهم. وقد كان ذلك قرارًا ستدفع وارسو بسببه ثمنًا باهظًا. ففي 17 فبراير الجاري، رفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) طعن بولندا على الحكم الصادر العام الماضي والذي اعتبر البلاد مسؤولة عن تعذيب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لاثنين من المعتقلين في القاعدة البولندية. كان المعتقلان الاثنان من المواطنين السعوديين، وهما عبد الرحيم الناشري المتهم بالتخطيط لتفجير سفينة حربية أمريكية، في عام 2000. والثاني هو أحد زعماء تنظيم القاعدة، والمعروف باسم أبي زبيدة ووجدت المحكمة أن بولندا قد انتهكت عددًا كبيرًا من مواد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وعرضت حياة السيد الناشري للخطر من خلال السماح بترحيله إلى بلد (أمريكا) قد يتعرض فيها لعقوبة الإعدام، وهو ما يعتبر غير قانوني في الاتحاد الأوروبي. وتلتزم بولندا الآن بدفع مبلغ قدره 262 ألف دولار للإرهابيين المزعومين كتعويض عن الأضرار. والأهم من ذلك، يجب على وارسو الكشف عن تفاصيل احتجاز الرجلين، وأن تسعى للحصول على تأكيدات دبلوماسية من أمريكا بأنها لن تخضع السيد الناشري لعقوبة الإعدام. يذكر أن بولندا هي البلد الوحيد حتى الآن، التي تواجه عقوبات قضائية لمشاركتها فيما يسمى ببرنامج الترحيل السري لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والذي يتم بموجبه شحن الإرهابيين المشتبه بهم المحتجزين في جميع أنحاء العالم، إلى دول ثالثة للتحقيق معهم على أمل التهرب من القانون. ولكنّ تقريرًا شاملًا أصدرته مؤسسة أوبن سوسايتي قد ذكر أسماء 54 دولة شاركت في ذلك. كما أن هناك دعوتين مماثلتين ضد كل من رومانيا وليتوانيا لا تزالان معلقتين في محكمة حقوق الإنسان الأوروبية. وترتدي بولندا قناع الشجاعة بقبول قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية؛ حيث قال غريغور سكيتينا، وزير الخارجية البولندي، لمحطة إذاعة الأنباء البولندية، إنه سيتم دفع الغرامات؛ لأننا “بلد تلتزم بالقانون“. ولكن، تحميل الحكومة البولندية مسؤولية عمليات التعذيب الأمريكية كان أمرًا شديد القسوة، بينما أفلت ضباط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الذين قاموا بالتعذيب بدون عقاب. فقبل أسبوع من صدور قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، تم الإفراج عن موظف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الوحيد الذي تمت محاكمته بتهم تتعلق ببرامج التعذيب من السجن ليقضي الأشهر الثلاثة الأخيرة من حكم بالسجن لمدة 30 شهرًا تحت الإقامة الجبرية. وفي الوقت نفسه، سجن ضابط المخابرات السابق، جون كيرياكو، ليس بسبب ارتكابه عمليات تعذيب، ولكن لإعلانه عن حدوثها؛ حيث يواجه كيرياكو المحاكمة بموجب قانون التجسس الأمريكي، وقد أقر بأنه مذنب، بعد مقابلة تلفزيونية عام 2007 ندد فيها باستخدام وكالة الاستخبارات المركزية لأسلوب الإيهام بالغرق في التعذيب. كان الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، قد أعلن إن بلاده قد نبذت الآن ممارسات الاستجواب المسيئة التي استخدمت في عهد سلفه، جورج بوش. فقد استخدم في خطاب ألقاه في شهر أغسطس الماضي نفس المصطلحات المستخدمة من قبل السيد كيرياكو، فقال: “لقد فعلنا بعض الأشياء الخاطئة. لقد عذبنا بعض الناس. لقد فعلنا بعض الأشياء التي تتعارض مع قيمنا“. وقد أعلنت الانتهاكات الواضحة في تقرير من 499 صفحة حول ممارسات التعذيب التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أصدره مجلس الشيوخ الأمريكي في شهر ديسمبر الماضي. وبرغم أنه قد تم تنقيح التقرير من أسماء الدول المشاركة، ولكنه كان سهلًا بما فيه الكفاية تحديد تلك الدول؛ حيث يرسم القسم الذي يصف الاستجوابات في بولندا صورة واضحة لصفقة “إيجار زنزانة“ وكانت الحكومة البولندية حريصة في البداية على التعاون مع أمريكا في “الحرب على الإرهاب“، ولكنها تراجعت وقررت أن تستمر في ذلك فقط مقابل 15 مليون دولار نقدًا. ورفضت وكالة المخابرات المركزية الطلبات البولندية بكتابة مذكرة تفاهم. وعلى افتراض أن الاتفاق الشفهي فقط يعني أنها سوف تتمتع بالسرية، فقد غضب البولنديون في عام 2006 عندما اعترف بوش بوجود البرنامج “كان المسؤولون (البولنديون) مستائين للغاية“، لعدم حفظ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية للأسرار، “وبخيبة أمل شديدة” لعدم وجود المزيد من التحذيرات وكان أحد التجاوزات المشينة لبرنامج الاستجواب الذي نفذ في القاعدة العسكرية البولندية، أن قام أحد محققي وكالة الاستخبارات الأمريكية غير المدربين بتهديد السيد الناشري بمسدس وأجبره على الوقوف في أوضاع مجهدة لعدة أيام، وقال له إنه سيتم إحضار والدته والاعتداء عليها جنسيًا أمامه. وقد أرسل رئيس فريق الاستجواب بوكالة الاستخبارات المركزية رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى زملائه معلنًا أنه سيتقاعد احتجاجًا على معاملة السيد الناشري. وخلص التقرير إلى أن التحقيقات لم تنتج أي معلومات مفيدة لمنع الهجمات الإرهابية وبينما يقول أوباما إن استخدام وكالة الاستخبارات المركزية للتعذيب لن يتكرر، كان مسؤولون أمريكيون آخرون أكثر التباسًا فقد دافع جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الحالي، عن الوكالة في أعقاب صدور التقرير في مجلس الشيوخ، وأصر على أنها “فعلت الكثير من الأمور الصحيحة“. وقال السيد برينان إنه لا توجد وسيلة لمعرفة ما إذا كان التعذيب قد أنتج معلومات مفيدة أم لا، ورفض استبعاد استخدام ما يسمى ب “تقنيات الاستجواب المعدلة” في المستقبل. وفي الوقت نفسه، لم تتخذ أمريكا أي خطوات لمحاسبة ضباط وكالة المخابرات المركزية أو غيرهم من الموظفين العموميين على انتهاك الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي صادقت عليها أمريكا. وسواء قررت الحكومة الأمريكية المستقبلية اللجوء إلى مثل هذه الأساليب مرة أخرى أم لا، فإن أي طلب للتعاون الأوروبي في ذلك سيكون حبرًا على ورق. فقد لا تريد أمريكا ملاحقة ضباط مخابراتها المتورطين في تعذيب المعتقلين، ولكن الحكم ضد بولندا جعل من الواضح أن الحكومات الأوروبية سوف تكون مسؤولة عن التعاون معهم. وكانت الفكرة من وراء برنامج الترحيل السري لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، هي الهروب من الرقابة القانونية إلى دول ثالثة لا تنطبق عليها القوانين الأمريكية والمحلية. ولكن، محكمة حقوق الإنسان الأوروبية قد أغلقت هذا المخرج، على الأقل في أوروبا