لم يدرك المهندس نجيب ساويرس فترة الحياة التي عاشها الشعب المصري قبل ثورة 23 يوليو عام 1952 بحكم صغر سنه أو بحكم أنه لم يكن قد ولد أصلاً في ذلك الوقت ليحكم حكماً صحيحاً علي حياة الشعب بأحكام تجافي الحقيقة. لم ير الكيفية التي عومل بها فقراء مصر خاصة من الفلاحين علي أيدي الاقطاعيين الذين انتعشت خزائن أموالهم من عرق ودماء الفلاحين الذين عاشوا كالعبيد لدي هؤلاء الاقطاعيين. لم يسمع المهندس نجيب ساويرس عن الطريقة التي جمع بها الاقطاعيون أراضيهم حتي اتسعت هذه الأراضي. وأصبح كل منهم يملك عدة آلاف من الأفدنة ويستغل الفلاحين بالسخرة لزراعتها في مقابل ثمن بخس فيزداد الاقطاعي غني علي غناه وتنتفخ جيوبه أكثر ويصبح بأمواله حاكماً بأمره في منطقته فيأمر الفلاح ليكون طوع إشارته ويلهث تحت قدمه!! كان الاقطاعي يقرب بعض الاتباع بقروش معدودة فيتحكمون في الغالبية بالإرهاب أو الحرمان من العمل في "الدايرة" ليصير كل فلاح في خدمة الاقطاعي.. يشتري السيارات الفارهة في ذلك الوقت ويبني القصور التي مازال بعضها قائماً إلي الآن في الوقت الذي ينام فيه الفلاح وأسرته عرايا.. ويمشي حافياً في سبيل لقمة العيش التي يسد بها أوده هو وأسرته.. ولم يدرك المهندس ساويرس كم من أسرة باتت وهي جوعي أو عريانة. هل سمع المهندس نجيب ساويرس كيف جمع الاقطاعيون آلاف الأفدنة لتكوين ثرواتهم؟! أعتقد أنه لم يسمع بذلك لأنه لم يكن قد ولد بعد.. وما سمعته عن جمع هذه الأراضي - باعتباري أكبر منه سناً - أن الاقطاعي الذي كان يملك عدداً من الأفدنة لا تزيد علي عدة عشرات منها كان يجبر أصحاب الأراضي الصغيرة الذين يملكون فداناً أو نصف فدان. وعدة قراريط ليبيعوا له هذه الأرض بالسعر الذي يحدده الاقطاعي. فإذا تمسك الرجل بأرضه كانت تتم مضايقته وأحياناً تعذيبه حتي يرضخ.. وهكذا تكونت الثروات الطائلة وعاشت مصر عصر الاقطاع. أصبح الاقطاعي يملك آلاف الأفدنة حتي إن بعضهم كانت ثروته منها تمتد إلي زمام 12 أو 13 قرية في عدة مراكز.. وكان يجبر الفلاحين علي العمل في أرضه لتنتج له محصولاً يساهم في غناه.. فانتشرت أقاويل بأن الاقطاعي سوف يذهب لتفقد أرضه في قرية معينة فينشط الفلاحون في العمل.. ثم لا يذهب إلي تلك القرية!! قبل ثورة 23 يوليو كنت مازلت دون السادسة عشرة من العمر.. وكانت أجرة الفلاح الأجير 7 قروش في اليوم عند من يملكون فداناً أو اثنين.. وأجرته عند الاقطاعي 5 قروش.. لكن الفلاح كان يفضل العمل عند الاقطاعي لأنه بدل أن يعمل يوماً عند الآخرين كان يعمل أياماً عند الاقطاعي فيضمن استمرار أجرته. لست أعلم: كيف كان حال والد المهندس نجيب ساويرس؟! هل كان من الاقطاعيين مثلاً حتي يقول في برنامج تليفزيوني: "عبدالناصر حب يوزع الأرزاق بدل ربنا"! أعلم أن المهندس نجيب ساويرس رجل أعمال ناجح ويدير رأسماله بذكاء وخبرة.. والجميع يشهد له بذلك.. وهو في تعامله مع موظفي شركاته يتعامل معهم باحترام وشفافية ولا تأخذه نعرة أصحاب الأموال المتكبرين.. ويقدر النفس العفوفة لا النفس الطامعة.. لكن لا أدري هل كان والده اقطاعياً أضير من قرارات عبدالناصر؟! الله أعلم. عبدالناصر قد يكون له أخطاء فهو بشر يخطئ ويصيب.. وأراد أن يفعل ما فعلته الثورات في العالم أن يعيد الحقوق لأصحابها.. وقد فعل من خلال قانون الإصلاح الزراعي.. ولقيت تلك الخطوة استجابة محمودة من الشعب المصري.. ولذلك كان الحزن عظيماً يوم وفاة عبدالناصر. هل تري - يا باشمهندس نجيب - أن شعبية الرجل كانت زائفة.. أرجو أن تعيد حساباتك فلعلك تكون قد أخطأت بقولك: "إن عبدالناصر حب يوزع الأرزاق بدل ربنا"!!