ما يحدث في مصر الآن يحتاج إلي استعادة الطاقة المعنوية للمصريين. وابتعاث شخصيتهم القادرة علي بناء حضارة جديدة تليق بماضينا العريق.. ولعل استلهام تجارب النجاح في دول لها مثل ظروفنا وربما أصعب يفيد في تحديد نقطة الانطلاق الصحيح علي طريق التقدم. كوريا الجنوبية مثال حي علي الصعود من نقطة الصفر ووهدة التخلف إلي ذروة النجاح والريادة العالمية.. من أطلال حرب خلفت أكثر من 50 ألف قتيل و5 ملايين مصاب إلي مصاف الدول المتقدمة.. من دولة لا تملك أي ثروات معدنية أو نفطية إلي دولة تحقق أرقاماً قياسية في النمو والازدهار حتي دخلت نادي التريليون دولار ثم صارت ضمن أقوي 15 اقتصاداً في العالم. ثلاثة دروس يمكننا استخلاصها من تجربة كوريا الجنوبية. أولها أنه لا نهضة دون تعليم متطور. ومن ثم فقد جعلت كوريا التعليم الأساسي إلزامياً. وأنفقت عليه بسخاء. وربطت البحث العلمي في الجامعات والمعاهد المتخصصة بالصناعات المتطورة. وزادت جامعاتها من 30 جامعة في عام 1945 إلي 219 في عام 1970. فتحققت لها طفرة علمية في جميع المجالات. اهتمت بالتعليم المنتج الذي يغذي الصناعة. ويركز علي تنمية روح الابتكار. وتطوير المهارات المعلوماتية بما يترجم المحصلة إلي اقتصاد المعرفة. ناهيك عن ضخ استثمارات ضخمة في تعليم الحاسب والإنترنت لمن هم خارج دائرة التعليم النظامي. أدرك قادة كوريا أن الريادة العالمية لا يمكن أن تتم إلا عبر بوابة التفوق الصناعي المبني علي المعرفة دون إغفال الهوية القومية والانتماء الوطني. واحترام التاريخ. وخلق توازن بين التنمية والتقاليد وتلبية حاجات الفرد والوطن معاً. ركز الكوريون علي تعليم الرياضيات والعلوم واللغات.. ولعبت الدولة دوراً تنموياً بالتخطيط الاقتصادي. وتحقيق التعاون بين القطاعين العام والخاص. وجعل زيادة الصادرات هدفاً استراتيجياً حتي ارتفع ناتجها المحلي من 4.1% عام 1962 إلي 3.9% عام .63 لكوريا ظروف تشبهنا وإن كنا أكثر منها غني في الموارد البشرية والطبيعية.. فقد كانت تعتمد حتي عام 1961 علي المعونات بنسبة 96% من ميزانيتها وما إن توقفت تلك المعونات حتي وجدت نفسها في مأزق شديد فقدت علي إثره عملتها الوطنية نصف قيمتها أمام الدولار فابتعثت الأيدي العاملة الكورية للعمل في مناجم ألمانيا. واهتمت بالتصدير بادئة بالصناعات الخفيفة كالنسيج والحياكة حتي أصبحت الأولي في صادرات النسيج عالمياً. لم تكتف كوريا بذلك بل انتقلت للصناعات الثقيلة ببناء المشروع القومي يوهانج للحديد والصلب في السبعينيات. واحتلت به المرتبة الرابعة عالمياً عام 2009 ثم ولجت إلي صناعات التكنولوجيا حتي غدت أجهزة الكمبيوتر والمحمول الكورية في أغلب منازل وشركات العالم. الدرس الثالث المستفاد من تجربة كوريا الجنوبية هو شعور المواطن بالمسئولية المجتمعية. ومن ثم لقيت مبادرة "حركة سايمول" التي أطلقتها الحكومة لتقليل الفوارق الاجتماعية بين الحضر والريف إقبالاً شعبياً قيض لها أسباب النجاح حتي أسهمت في تحسين البنية الأساسية للدولة بمختلف أقاليمها. ولا ننسي عندما تعرضت كوريا لأزمة مالية طاحنة أغلقت بسببها شركة دايو. كما فاقمت ديونها فاضطرت الحكومة للاقتراض.. وهنا انخرط الشعب الكوري بجميع طوائفه في حملة "الذهب القومية" متبرعين بمقتنياتهم الثمينة حتي نجحت دولتهم في عبور أزمتها واستعادة توازنها.. هكذا تكون الحكومات وهكذا تكون الشعوب.