منذ ما يقرب من68 عاما كانت هناك دول كثيرة جدا حول العالم شبه مدمرة اقتصاديا بسبب الحرب العالمية الثانية التي انتهت في1945 و توابعها.. وكانت النتيجة واحدة حيث تساوي الجميع بأن عادوا إلي المربع رقم واحد في رحلة بناء الدولة اقتصاديا وعلميا ومجتمعيا. ولم يعف التاريخ دولا كثيرة ربما يمتد عمرها لسبعة آلاف سنة من أن تقف الموقف ذاته مع دول أخري حديثة العهد بالتاريخ نسبيا, لكن الفيصل في هذا الأمر لم يكن ميراث الأجداد بقدر ما هو العزيمة الصادقة علي تجاوز الأزمات و تخطي العثرات لتحقيق نهضة حقيقية تتباهي بها أمام العالم. وبعيدا عن النماذج التي لازالت بعد مرور العقود الستة تفكر في المدخل الأنسب للنهضة حتي الآن, تأتي التجربة الكورية الجنوبية مثالا صارخا علي نجاح الإرادة الذكية في تحقيق نهضة حقيقية من الصفر حتي أصبحت اليوم صاحبة واحدة من أنجح الاقتصاديات العالمية و ترتيبها في ذلك الحادي عشر. كل ذلك علي الرغم من أن كوريا1948كانت كعائلة التي فقدت كل شيء ولم يبق لها سوي جدران المنزل المدمر لتعيد بناءه لتحيا فيه حياة كريمة. فمن حرب طال أمدها إلي35 عاما مع اليابان خرجت كوريا الجنوبية إلي حرب جديدة استغرقت ثلاث سنوات بعد أن غزتها شقيقتها الشمالية وأعلن الانفصال لتبقي الجزيرة الجنوبية وحيدة مدمرة بلا بنية تحتية ولا حتي الحد الأدني الذي يساعدها علي تجاوز الأزمة, لأن كل الموارد الطبيعية التي كانت تعيش عليها موجودة في كوريا الشمالية. و كانت كوريا الجنوبية تعيش عل المساعدات الخارجية في هذه الفترة. وكان أسهل خيار يتخذه صناع القرار هناك آنذاك هو أن يعيشوا مع شعبهم علي هذه المساعدات ويستجدوا مشاعر الدول الغنية لتمدهم بالمزيد ومن ثم تفتح أبوابا للفساد و الصراعات من أجل السيطرة علي هذه المساعدات لتعيش طبقة حاكمة مرفهة وأخري محكومة مطحونة. لكن الحس الوطني كان صوته أعلي من أي شيء آخر في كوريا الجنوبية. وانصاع له الجميع سواسية حتي أصبح البلد الذي كان يعيش علي المساعدات بلدا مانحا يقدم المعونة للدول المحتاجة. وإيمانا منهم بأن التعليم هو أقصر الطرق إلي النهضة, ركزت حكومة سيول علي محو أمية كانت تقارب نسبتها ال30% في أعقاب الحرب العالمية الثانية, لتصل بعد ذلك إلي أقل من1% في عام1990. و لم يكن مفهوم محو الأمية عندهم يقتصر علي تعليم القراءة والكتابة و مباديء الحساب والجمع والطرح, بل كانت النظرة إلي التعليم أوسع وأشمل وأعم بكثير, حيث اتجهوا مباشرة إلي محو الأمية التكنولوجية باعتبارها مستقبل الصناعة الحقيقية في العالم بعد عقود طويلة, وكان لهم ما أرادوا, لكن العزيمة لم تخمد يوما لأنهم وفقا للاحصائيات هم الدولة الأكثر انفاقا علي التعليم, حيث تخصص من إجمالي ناتجها1,7% تحت بند التعليم, كما أن هناك اليوم أكثر من200 جامعة تخدم سكان كوريا الذين لايتجاوز عددهم خمسين مليون نسمة. فالاستثمار الكوري الحقيقي لم يكن في شيء بقدر ما كان في المعرفة وقد آتت هذه السياسات ثمارها طوال السنوات الستين الماضية حتي أن إجمالي الناتج المحلي تضاعف29مرة ما بين1960 و2006, بل و التحقت كوريا الجنوبية بنادي التريليون دولار للاقتصاديات العالمية في2004, وتفوق اقتصادها علي اقتصاد اليابان والصين اللذين اتخذت منهما نموذجا يقتدي به في بداية رحلتها الاقتصادية.لكن المسألة أيضا ليست مجرد الاسهاب في الانفاق علي التعليم, فكل خطوة كانوا يتخذونها كانت محسوبة ومدروسة و في انتظار أن تؤتي ثمارها في وقت مخطط له, فما فعله الكوريون هو أنهم ربطوا مسيرة الحركة التعليمية باحتياجات سوق العمل, وغالبية الجامعات الكورية هي جامعات تعليم فني. وبالنسبة للتعليم الأساسي الذي لم يكن يقبل عليه الكثيرون في أعقاب الحرب العالمية الثانية, فقد رأت الحكومة أن يكون مجانيا100% طوال سنواته الست وهي الزامية ولا يمر الطالب بأية اختبارات حتي يحصل علي حقه في الالتحاق بالمرحلة الاعدادية وينال قدر ما يستطيع من التعليم. أما المرحلة الثانوية فهي مسألة اختيارية. وعلي الرغم من أنها اختيارية إلا أن عليها اقبال شديد لأن النظام زرع في نفوس أبناء شعبه حب التعليم وأعلي من قيمته وجعله أساسا في مفهوم الوفاء للوطن. واستمرار لهذه المسيرة المشرفة, قررت كوريا ألا يكون التعليم مجرد صفحة و تطوي في حياة المواطن بمجرد دخوله إلي مجال العمل. فالاتجاه هناك الآن نحو التعليم المفتوح بمعني أن الجامعات تفتح أبوابها لكل من يريد التعليم حتي وإن كان كهلا. وأخيرا, العثرات في حياة الشعوب ليست عيبا, لكن العجز عن تجاوزها والتخاذل أمامها وتغليب المصالح الشخصية والطائفية والأيديولوجية يقضي علي مستقبل أجيال بأكملها. ورسالة كوريا الجنوبية إلي العالم صريحة: انتموا إلي أوطانكم فحسب, يرحمكم الله.