بعد ثورة 25 يناير 2011، التى اندلعت، من الأساس بسبب جرائم قتل نفذتها وزارة الداخلية خارج إطار القانون، والتعذيب الممنهج للمعتقلين فى أقسام الشرطة والسجون، والتى كان منها عملية قتل خالد سعيد "أيقونة الثورة" بالإسكندرية على يد أمناء الشرطة، ورغم قيام الثورة وخلع مبارك ووزير داخلتيه حبيب العادلى وإيداعهما السجن فى اتهامات مختلفة منها قتل الثوار، وتعهد الوزارة عقب الثورة بعمل مراجعات وتغيير فى السياسيات الخاصة بحقوق الإنسان، عادت الوزارة إلى سياستها السابقة، بشهادة الوقائع والأحداث التى كشفت على أن الوزارة لم تتغير، بحسب منظمات حقوقية ونشطاء، فضلاً على اعتمادها على سياسة عدم الاعتراف، وتبرير القتل تحت ضغط الإعلام والمنظمات الحقوقية بأن المجنى عليه عضو جماعة إرهابية، وأنه بادر بإطلاق النار، مما دفع رجال الداخلية إلى إطلاق النار عليه. ترصد "المصريون"، عددًا من الوقائع كانت الداخلية طرفًا فيها، فى أحداث عنف، يكون البيان الأول فى معظم تلك الوقائع نفى من الأساس، ومع تطور الأحداث يأتى البيان الثانى بالتبرير لعملية القتل أو التصفية كما تسميها الداخلية بأنه جاء نتيجة الاشتباك مع عناصر إرهابية، وبعد حالة من الغضب فى الشارع المصرى بعد شهادات شهود العيان ونشر عدد من الفيديوهات عن تلك الوقائع التى تثبت زيف ما ذكرته الداخلية، يأتى البيان الأخير ليعترف بالواقعة. وجاءت عملية قتل السياح المكسيكيين فى منطقة الواحات بالصحراء الغربية، وبيانات الداخلية المتضاربة عن الحادثة، لتعيد للأذهان عددًا من الوقائع المشابهة، وتنكشف السياسية الإعلامية للوزارة فى التعامل مع تلك الأحداث من خلال بيانات مختلفة، نفت الوزارة فى بداية الواقعة صلتها بقتل السياح المكسيكيين، ثم أصدرت بيانا آخر تحت وقع الضغط الإعلامى أكدت فيه أن القتلى إرهابيون وتمت تصفيتهم بعد تسللهم من ليبيا. وتراجعت الداخلية وقالت فى بيان لها، أن الفوج السياحى تواجد بمنطقة محظورة، موضحة أن فريق العمل الذى جرى تشكيله سيبحث مبررات تواجد الفوج فى المنطقة المُشار إليها. كانت قوات مشتركة من الشرطة والجيش، تعاملت مع 4 سيارات دفع رباعى تبين أنها خاصة بفوج سياحى بمنطقة الواحات بالصحراء الغربية، وأسفرت الواقعة عن مقتل 12 شخصًا، وإصابة 10 آخرين، وجرى نقلهم للمستشفيات للعلاج.
التبرير وسيلة فعالة داهمت القوات الأمنية منزلا، بالسادس من أكتوبر، عقد فيه 13 قياديًا من جماعة الإخوان المسلمين اجتماعًا، وفتحت النار عليهم وأردتهم قتلى، وذلك بعد أيام من مقتل النائب العام. وعلقت جماعة الإخوان، على ذلك بأن قياديها كانوا يعقدون اجتماعًا خيريًا بمناسبة شهر رمضان. أما وزارة الداخلية المصرية فلها روايتها المغايرة تمامًا، فقد وصفت القادة بأنهم "إرهابيون كانوا يخططون لأعمال تخريبية فى المنشآت المهمة والحيوية خلال الفترة المواكبة لاحتفالات ثورة 30 يونيو، وأنهم بادروا بإطلاق النار على القوات التى ردت على مصادر النيران وأردتهم جميعًا". ولكى تكتمل الرواية كان لا بد من صور تدعمها، حيث نشرت صفحة الوزارة على فيسبوك صورا تظهر قتلى على الأرض وبجانبهم بنادق آلية ومخازن إضافية وصورة للمبنى التى كان يتواجد فى إحدى شققه قياديو الجماعة، ولا يظهر فيها أى آثار لاشتباكات.
وفى حادثة أخرى، أثارت البلبلة، وذلك بعد أن أقدم أمين شرطة يوم 1 فبراير 2015 على قتل مواطن محبوس على ذمة إحدى القضايا، وكان يتلقى العلاج بمستشفى العجوزة. وعقب إثارة تلك الحادثة، أصدرت وزارة الداخلية بيانا بررت فيه قتل المسجون داخل المستشفي، بأنه استفز مشاعر أمين الشرطة وهدده. وجاء البيان: " أن المتهم المتحفظ عليه، هدد الشرطى المعين لحراسته، واستفز مشاعره ووجه الإهانات له ولأسرته، وهيئة الشرطة والقوات المسلحة، والدولة وقياداتها، مهددا بعزمه على قتله والتمثيل بجثته كما جرى لزملائه، ما أفقد الشرطى السيطرة على شعوره، وأطلق عليه النار من سلاحه فأرداه قتيلا. ونتيجة حالة السخرية من البيان الصادر، من النشطاء ومنظمات حقوق الإنسان، تعليقا على بيان الداخلية، أفادت الوزارة فى بيان جديد لها بأن المتهم، عضو فى جماعة الإخوان، وأنه تم ضبطه أثناء زرعه لعبوة ناسفة أمام حى الوراق، حسب البيان. ولكن رواية الداخلية لم تهدئ ثورة المنظمات الحقوقية وغضب النشطاء، حتى أوضحت الداخلية، أنها تحفظت على أمين الشرطة، وسلاحه الميري، وحررت محضرًا بالواقعة، تمهيدًا لعرضه على النيابة العامة لتولى التحقيق. وجاءت التحقيقات، بمفاجئة حيث كشفت تحقيقات نيابة العجوزة، أن أمين الشرطة بقسم الوراق، والمكلف بتأمين إحدى عناصر جماعة الإخوان، أنه تلقى مبالغ مالية على سبيل الرشوة، مقابل قتل أحد عناصر الجماعة داخل مستشفى العجوزة، وذلك لعدم إفشاء أى أسرار بخصوص التنظيم الإخواني، بحسب أقواله.
شيماء الصباغ وتأتى واقعة مقتل شيماء الصباغ إحدى عضوات حزب التحالف الشعبى الاشتراكى ليكون دليلاً بينًا على مواقف الداخلية المختلفة. وتعود الواقعة إلى أثناء فض الشرطة مسيرة كانت تشارك فيها شيماء الصباغ مع قرابة 30 من حزبها توجهوا سيرًا على الإقدام إلى ميدان التحرير لوضع أكليل من الزهور على النصب التذكارى للذين سقطوا فى الثورة، أطلق أحد ضباط الداخلية الخرطوش عليها ما أدى إلى مقتلها فى الحال، وهو ما رصدته عدسات الكاميرات التى كانت تصور الوقفة. ونفت وزارة الداخلية تورط قوات الأمن فى مقتل شيماء أو وجود أى علاقة بمقتل الناشطة، ما أثار غضبا واسعا خصوصا أن المسيرة كانت صغيرة وسلمية تماما. وبناء على الضغط الشعبى وروايات شهود العيان، عن الواقعة الذين أكدوا تورط ضابط من الداخلية بقتل الصباغ، فضلا عن انتشار فيديو ظهر فيه قيادى أمنى يشير إلى شيماء الصباغ قبل مقتلها بلحظات. أحال النائب العام الراحل هشام بركات، ضابط شرطة إلى محكمة الجنايات بتهمة "ضرب أفضى إلى موت" لتقضى بعد ذلك محكمة جنايات القاهرة بالسجن المشدد 15 سنة على الضابط "ياسين حاتم" فى اتهامه بقتل الناشطة.
سيارة الترحيلات وفى جريمة بشعة قتل 37 سجينًا مصريًا فى سيارة شرطة خارج سجن أبو زعبل مختنقين بالغاز بعد احتجاز 6 ساعات فى سيارة الترحيلات ومعظم من كانوا داخل الشاحنة من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي. وتعود وقائع حادثة "سيارة ترحيلات أبو زعبل" إلى 18 أغسطس 2013، بعد 4 أيام من فض اعتصامى مؤيدى الرئيس المعزول محمد مرسى فى ميدانى "رابعة العدوية" و"النهضة"، حيث تم القبض على عشرات من المتظاهرين، وخلال قيام الشرطة بترحيلهم من قسم مصر الجديدة إلى سجن "أبو زعبل"، توفى 37 منهم. القتل الخطأ كان الحاضر الغائب لدى وزارة الداخلية فى هذه الحادثة فقد أعلنت وزارة الداخلية مساء ذلك اليوم، أن عددًا من المتهمين المقبوض عليهم، تدافعوا وحاولوا الهروب من سيارة الترحيلات التى كانت تنقلهم إلى السجن أبو زعبل، ونجحت القوات فى السيطرة على الموقف، وتحرير ضابط احتجزه المتهمون عن طريق التعامل من المتهمين بقنابل الغاز المسيل للدموع. وأوضحت وزارة الداخلية أن 37 محبوسًا قتلوا داخل سيارة الترحيلات اختناقًا بالغاز، جراء التعامل معهم، دون هروب أى متهم. باشرت النيابة العامة التحقيقات، التى انتهت فى 22 أكتوبر بقرار النائب العام فى ذلك الوقت المستشار هشام بركات، إلى إحالة 4 ضباط بقسم مصر الجديدة هم: المقدم عمرو فاروق، نائب مأمور قسم مصر الجديدة، والنقيب إبراهيم محمد المرسي، والملازم إسلام عبد الفتاح حلمي، والملازم محمد يحيى عبد العزيز إلى المحاكمة العاجلة. وأسندت النيابة للضباط الأربعة، تهمتى القتل الخطأ ل37 شخصًا، والإصابة الخطأ ل8 آخرين؛ حيث أطلق المتهمون قنابل الغاز المسيلة للدموع والدخان، داخل سيارات ترحيلات المتهمين المقبوض عليهم فى أحداث عنف، بسبب شكواهم وهياجهم لاحتجاز فى السيارة لعدة ساعات، دون وجود منفذ تهوية، وهو ما تسبب فى مصرع المقبوض عليهم خنقا. فى 18 مارس 2014، قضت محكمة جنح الخانكة، بالسجن المشدد 10 سنوات على مأمور قسم شرطة مصر الجديدة، والحبس عام مع إيقاف التنفيذ (عدم تنفيذ العقوبة) بحق 3 ضباط آخرين بالقسم الذى يقع فى دائرته الحادثة. وفى 7 يونيو 2014، ألغت محكمة جنح مستأنف الخانكة، المنعقدة بأكاديمية الشرطة بالتجمع الخامس، الحكم الصادر بحق 4 ضباط شرطة، وقضت ببراءتهم. وقضت محكمة جنح مستأنف الخانكة فى 13أغسطس، بتخفيف الحكم على نائب مأمور قسم مصر الجديدة المتهم بقضية "سيارة ترحيلات أبو زعبل" المستأنف إلى 5سنوات مع الشغل بدلًا من 10، وتأييد حكم الحبس سنة مع إيقاف التنفيذ ل3ضباط آخرين بقسم شرطة مصر الجديدة وقت الحادث.
قناصة الداخلية خلال أيام ثورة الخامس والعشرين من يناير فى ميدان التحرير، وسقوط عدد كبير من الشهداء والمصابين فى الميدان وعلى كوبرى 6 أكتوبر، وجه نشطاء الثورة اتهامات مباشرة لوزارة الداخلية بعد مقتل العشرات من الشباب، من خلال استخدام القناصة من على أسطح البنيات ميدان التحرير. وعقب نجاح الثورة وخلع مبارك، طالب شباب الثورة بتقديم قتلة الشهداء، فى وزارة الداخلية مختصين بذلك القناصة، وهو ما نفته الداخلية بعدم وجود قناصة من الأساس داخل الوزارة. ونفى وزير الداخلية الأسبق اللواء محمود وجدي، فى تصريحات صحفية سابقة وجود القناصة أعلى المبانى المجاورة لميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير، وقيامهم بإطلاق النار على المتظاهرين. وبعد شهور من تصريح الوزير، اعترفت الوزارة بوجود قناصة داخل معاهد تدريب ضباط الأمن المركزي، مشيرين إلى أن مهمتهم تنحصر فى رفع الكفاءة القتالية لهم فى جميع النواحي، وتدريبهم على استخدام كافة الأسلحة الحديثة، حتى يكونوا مستعدين للمشاركة فى العمليات التى يتم تكليفهم بها أيا كان نوعها.
خبراء: "داخلية" حبيب العادلى مازالت مسيطرة قال جمال عيد، مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان، إن وزارة الداخلية تظن توجيه الاتهام هو اتهام للوزارة، وأنه يدينها بأسرها، مؤكدًا أن ذلك خطأ. ورأى مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان ل"المصريون"، أنه بالفعل توجد أطراف داخل وزارة الداخلية مدانة فى جرائم قتل، وأرجع ذلك بسبب أن داخلية حبيب العادلى مازلت تسيطر على الوزارة، لكنه شدد على ضرورة التفريق بين الشخصيات المدانة فى الداخلية والوزارة كيان لا يجب توجيه الاتهام المباشر له أو الدعوة لإسقاطه، مشيرًا إلى أن الوزارة تضم 400 ألف من المصريين ومن الظلم نعتهم جميعا ومحاسبتهم على أفعال زملائهم، الذين يجب أن يحاسبوا. وقال اللواء محمود السيد قطرى الخبير الأمنى، إن حوادث القتل التى تتم من قبل الداخلية تقع بسبب سياسة العشوائية المتبعة فى الوزارة، مشيرًا إلى أنها ليست منهجية ثابتة مثل التعذيب والتلفيق وغير متعمدة ولكنها نتيجة السياسيات الفاسدة لدى الوزارة. وأضاف الخبير الأمنى ل "المصريون"، أن الداخلية منذ ثورة 25 يناير لم ينظر إليها أحد ولم توجد لديها استراتيجية واضحة فى التعامل مع الأحداث الحالية وخير دليل على ذلك هو مقتل النائب العام السابق المستشار هشام بركات والإرهاب الذى ضرب جذور الوطن، موضحًا أن سبب ذلك هو التقصير فى أخذ الإجراءات الاستباقية والاهتمام بالأمن الوقائي. وتابع قطري، أن الداخلية هيئة مدنية نظامية وليست عشوائية كما هو متبع الآن مشيرًا إلى أنها تحتاج إلى إعادة بناء من الألف إلى الياء فلن تقوم قائمة لمصر ولن تبنى إلا إذا كان هناك بناء للأمن على أسس علمية. واستنكر قطري، إلغاء المحاكمات العسكرية على أفراد الشرطة، موضحًا أن ذلك تسبب فى نوع من الفوضى فمن أمن العقوبة أساء الأدب وهذا ما يحدث الآن.