أصبح لزاما على المصريين أن يتناولوا أخبار حكومتنا الرشيدة كدواء غير مستساغ الطعم يصيبهم بأمراض عصبية وخيمة ، نظرا لغياب أبجديات المنطق لدى مسئولينا " كما عودونا دائما " ، و الحقيقة أن الحكومة الحالية تفتقر الى أي خطط طموح ناجحة أو أفكار مبتكرة للخروج بأزمة مصر الاقتصادية إلى بر الأمان ، وقد أضحى التفكير خارج الصندوق معضلة ، و عناء ما بعده عناء . و آخر الأفكار التي تفتقت عنها أذهانهم ، هو طرح شركات " قابضة " في البورصة المصرية ، كما أعلن وزير التموين خالد حنفي عن وجود " توجه حكومي "جديد لإعادة هيكلة الشركة القابضة للصناعات الغذائية ،.و أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها التفكير في طرح أسهم شركة قابضة و ليس إحدى شركاتها التابعة. والحقيقة أن الجزء الثاني تحديدا من التصريح ، ملأنا حبورا و تفاؤلا ، فهو يبشرنا بأن هذه أول مرة سيُعرض نصيب "الشركة القابضة " للطرح في البورصة المصرية و ليس" إحدى شركاتها التابعة " ، مما يطمئنا على مستقبل حافل مليء بالمغامرات غير المحسوبة ! ومما يزيد الطين بله ، أن الشركة القابضة للصناعات الغذائية ليست كأي شركة أخرى ، فالعديد من شركات الصناعات الغذائية تتبعها ، كالمصرية للنشا والخميرة ، الإسكندرية للزيوت والصابون ،و الملح والصودا المصرية ،و السكر والصناعات التكاملية ، قها للأغذية المحفوظة ، أدفينا للأغذية المحفوظة ، مصر للألبان والأغذية ،و النيل للزيوت والمنظفات ، كما تتبعها شركات التوزيع ، العامة لتجارة الجملة ، المصرية لتجارة الجملة ، المصرية لتسويق الأسماك ، المصرية للحوم والدواجن ، النيل للمجمعات الاستهلاكية ، الأهرام للمجمعات الاستهلاكية ،الإسكندرية ، تسويق الأرز ، مطاحن شمال القاهرة ، مطاحن مصر الوسطى ، مطاحن جنوبالقاهرة ، مطاحن ومخابز الإسكندرية ، الشركة العامة للمخابز ، الشركة العامة للصوامع ، و شركات المضارب : مضارب رشيد ، الغربية ، البحيرة ، م كفر الشيخ ، الدقهلية ، دمياط و بلقاس ، الشرقية ، الإسكندرية ، وشركات المطاحن : مطاحن وسط وغرب الدلتا - مطاحن شرق الدلتا - مطاحن مصر العليا والعديد من الأنشطة الأخرى و بنظرة سريعة على الشركات التي ذكرت سابقا ، نستطيع الجزم بلا خطأ كبير أن تعريض شركة بهذا الحجم و بهذه الأهمية لأي مخاطرة ، إنما هو تعريض لأمن مصر الغذائي . و بغض النظر عن عدم قانونيه طرح الشركة القابضة في البورصة للاكتتاب العام، نظراً لان المادة الأولي من القانون رقم 203 لتنظيم عمل شركات قطاع الأعمال العام تنص علي أن رأس مال الشركة القابضة يكون مملوكا بالكامل للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة فقط، مما يعني عدم جواز مشاركه القطاع الخاص في ملكيتها، فضلاً عن عدم اتساق الطرح مع المادة 9 من القانون رقم 203 والخاص بتنظيم عمل الشركات القابضة التابعة لقطاع الأعمال. دعوني أسوق أمثلة على فساد عمليات زيادة رأس المال بطرق البيع المختلفة ، و لكن سأشرح قبلا على عجالة طرق بيع شركات القطاع العام في الأسواق أولا : البيع على أساس سعر ثابت، وفي هذا الأسلوب تطرح الوزارة سعرا للبيع هو التقويم، وعلى أساسه يقبل المشترى أو يرفض عملية البيع ثانيا : البيع في مزاد ، و يشوبه فساد لجوء الحكومة أحيانا إلى البيع في مزاد مغلق ثالثا : البيع في البورصة ، وذلك ببيع شريحة أولى من أسهم الشركة حوالي 10% وفق قيمة محددة لاكتشاف السعر الحقيقي للسوق، ثم بعد ذلك تتوالى الشرائح . و أخيرا عن طريق التفاوض المباشر و بالرجوع إلى وقائع بيع شركة بسكو مصر ، و التي مازالت ماثلة للعيان ، بعد أن أوصت النقابات الرسمية والمستقلة ببيع شركة بسكو مصر لمستثمرين وطنيين حفاظا على الأمن الغذائي وصحة المواطنين. بعد أن تقدمت شركة “Kellogg's الأمريكية عرضا للشراء ، و هي المعروف عنها استخدامها لمكونات معدلة جينيا عن طريق الهندسة الوراثية وهذه المكونات من شأنها أن تتسبب في أمراض خطيرة طبقا للدراسات التي أصدرتها المنظمات الدوائية والغذائية والصحية. هذا على مستوى صحة الإنسان المصري ، أما على مستوى هيكلة القطاع ، فالشركة معروف تاريخها الأسود في تصفية العمالة لتحقيق أرباح كما حدث في مصانعها في كارولينا الشمالية بأمريكا و أخرى في أستراليا، ما يمثل خطورة على عمال بسكو مصر في حالة استيلاءها على الشركة الوطنية . و الغير مفهوم هو عرض الشركة السخي ، حيث عرضت شراء جميع أسهم "بسكو مصر" بسعر 79.5 جنيها في الوقت الذي كان سعر السهم للشركة في البورصة 70.5 جنيها، ما ينبئ عن رغبة في الاستحواذ على الشركة الوطنية لتنفيذ مخطط مجهول و على الرغم من أن المركز العربي للنزاهة والشفافية، أفاد بأن القضاء الإداري بمجلس الدولة سينظر في الدعوى القضائية التي قدمها لإلغاء عقد بيع شركة بسكو مصر الأصلي من الحكومة إلى القطاع الخاص عام 2005 فقد استبعد محلل لأسواق المال، أن يؤثر ذلك الحكم على مجريات الصفقة، مؤكدًا أن البيع حق أصيل للمساهمين، ولهم أن يقبلوا أو يرفضوا . ذاك كان تطبيقا على شركة وطنية لا تمثل سوى القدر اليسير من المخاطر المحدقة بالاقتصاد المصري، فما بالنا و قد عرَض مسئولونا أمننا الغذائي للتهديد ؟؟ و كيف إذا استحسنوا " المال السهل " و تكرر الطرح و لكن بنسب أكبر ، حتى نستيقظ يوما لنجد أنفسنا و قد وقعنا في فخ سيطرة شخصيات أجنبية اعتبارية مجهولة الأهداف و الطموحات ؟؟ ودعني أسوق مثال آخر ، كيف أن إعادة هيكلة شركة ما قد أثرت سلبا على الاقتصاد المصري ففي يناير 1994 تمت عملية بيع شركة مشروبات غازية شهيرة لشركة أخرى شهيرة في نفس المجال بعد منافسة غير متكافئة مع مستثمرين مصريين آخرين، وكان عدد العمالة وقت الشراء 4032 عاملا، وبعد شراء مصنع للمشروبات ، تم ضم عمالهم البالغ عددهم 1111 إلى الشركة ليصبح إجمالي عدد العاملين لديها 5143 عاملا، لنخرج بنتيجة مفادها أن الزيادة التي حدثت في معدل العمالة إنما زيادة هيكلية غير حقيقة، و رُغماً عن ذلك ، ورد في ميزانية الشركة لعام 1994 أن عدد العمال قد وصل إلى 3943 عاملا مما شكل دليلا أنه قد تم الاستغناء عن 1200 عامل. وكانت الشركة قد حققت في آخر ميزانية لها قبل البيع أرباحا وصلت إلى 9,7 مليون جنيه قابلة للتوزيع واستثمارات 88 مليون جنيه ، و بعدها أظهرت إحصاءات بعد البيع خسارة الشركة بمقدار 9 ملايين و643 ألف جنيه ، تحمل عبؤها العمال الذين حرموا حوافزهم و مكافآتهم ، ناهيك عن تقليص حصة العاملين في أسهم الشركة وفقا لعقد البيع من 10% إلى 5% فقط ! والغريب أن الخسارة جاءت مصاحبة لرفع أسعار زجاجات المياه الغازية بنسبة كبيرة !
الخلاصة لا ينبغي التقليل من شأن و أهمية الدور الذي يقوم به القطاع العام ، و لحل أسباب تعثره ، لابد من الاعتراف أولا بمعاناته من عدم الدقة في تخطيط المشاريع , و تحديد أسبقيتها ، والالتزام بجدول لتنفيذ المشروعات , و سوء التخطيط , و عدم إجراء الدراسات الضرورية لضمان نجاح المشاريع . كما ينبغي دراسة العوائق التي تمنعه من القيام بالدور المنوط به في توفير السلع الاستهلاكية الضرورية التي يقوم بإنتاجها , حتى لا يصبح عبئا على الخزينة العامة , و يمكن إعادة جدولة ديونه ، و إعطاء الفرصة للشركات لتصحيح أوضاعها ، مع عدم الإخلال بمكتسبات العاملين بسن تشريعات منصفة تحميهم مستقبلا من أي تعسف أو سوء استخدام إداري لاحق ، مع إفساح المجال للنقابات للتدخل عوضا عن اللجوء الى الحلول السهلة ، و تعريض أمن الوطن و المواطنين لمغامرات غير محسوبة !