أثارت حركة المحافظين الأخيرة نفس السؤال الذي كان يطرح قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير. فالحركة جاءت تقليدية، بعض الوجوه ظلت لصيقة بكراسيها وللمرة الثالثة على التوالي. وليس هناك من سبب إلا أن يكون لهذا البعض اللصيق مناعة مكتسبة، أو أن البلد ليس فيها من يصلح للنهوض بمسئولية محافظة. فمثلا محافظ أسوان- وأنا من أبناء هذه المحافظة- نجا من التغيير رغم أنه بلا بصمة كتلك التي تركها سلفه المرحوم اللواء سمير يوسف، ومن ثم لا يُرى مبرر للتجديد له، خاصة وأنه حتى لم "يحافظ" على إنجازات سلفه، وعادت أسوان في أيامه إلى سابق عهدها من ارتباك وفوضى. بالطبع لا يلام المحافظ فهو ليس مسئولا عن التجديد لنفسه، وإنما اللوم على الذين جددوا الثقة في أدائه. تغيير الوجوه بلا خطط مرافقة لا معنى له ولا جدوى منه وإلا لما تفشت العشوائيات على حدود المحافظات، ولما تدهورت المرافق على النحو المعلن. تغيير الوجوه بلا مراجعة ما تم تنفيذه من تلك الخطط يعني دعوة إلى الكسل والتمادي فيه. وليس من الحكمة في شئ تغيير الوجوه بلا توصيف مسبق لمهام المنصب ولمن سيشغله. نعلم أن هناك توصيفا لوظائف القضاء والسلك الدبلوماسي، والجامعات، بل ومؤسسات القطاع الخاص، فكيف تظل وظيفة المحافظ هكذا على المشاع. ومن يتأمل أي حركة للمحافظين سيجد فيها خليطا من رجال القضاء، وأساتذة الجامعات ولواءات الجيش، بما يعني أن أيا من هؤلاء يصلح لأن يكون محافظا رغم اختلاف المشارب وطبيعة الأعمال التي أعدوا لها ومارسوها في مواقعهم. والملاحظ دوما أنه حينما يقترب أي من هؤلاء من سن انتهاء الخدمة أو التقاعد يؤتى به محافظا، وفي هذا ظلم للشاغل والمشغول. أفبعد الخدمة الشاقة في العمل الأصلي، وعندما يقارب معين العطاء من النضوب وتتوق النفس إلى الراحة والسكينة تبدأ رحلة عمل تختلف تماما عن العمل الأصلي. هذا النهج الغريب يقودنا إلى القول أن منصب المحافظ أشبه بمكافأة نهاية الخدمة، وأنه منصب ليس للعمل، وإنما للراحة والاستجمام. ومن ناحية أخرى، من الظلم حرمان المحافظات من جهود شابة تستطيع النهوض بالأعباء بلا كلل أو نصب. غياب التوصيف لمنصب المحافظ يعني عشوائية الاختيار التي تفضي إلى صفرية الأداء، وهو السر في تخلف معظم محافظات مصر وقراها حيث يعيش أهلها عيشة لا تقبلها العجماوات وذلك على مدى عقود طويلة خلت تتابع خلالها محافظون كسحائب صيف. لن تنصلح حال البلاد إلا إذا صلح أمر المحافظين.