جامعة سوهاج ترد رسميًا على أزمة الطالبة الأولى بقسم اللغة الفارسية    رئيس مصلحة الجمارك: نظام التسجيل المسبق للشحنات ACI حقق نجاحًا كبيرًا في تسريع الإفراج الجمركي    أحمد أموي: الهدف الأساسي للجمارك هو حماية الصناعة المصرية وتنظيم الأسواق    ترامب: تم تشكيل مجلس السلام في غزة وسيتم الإعلان عن أعضائه قريبًا    «كمونة» يكشف أسباب تفوق السنغال فنيًا على منتخب مصر    تعرض الفنان هشام ماجد لموقف محرج مع المخرج محمد دياب.. اعرف التفاصيل    متحدث الحكومة: أنفقنا 300 مليار جنيه على تطوير الموانئ المصرية    شيخ الأزهر بمناسبة الإسراء والمعراج: المسجد الأقصى أمانة في أعناق المسلمين لا تسقط ولا تُمحَى    إيران تحذر في مجلس الأمن: واشنطن تلجأ إلى الأكاذيب وسنرد بحزم على أي عمل عدائي    متحدثة أمريكية: وجود قوات أوروبية في جرينلاند لا يؤثر على قرار ترامب    واشنطن: جميع الخيارات مطروحة لوقف "المذبحة" في إيران وترامب رجل أفعال لا أقوال    هل تشهد أسعار الدواجن زيادة خلال شهر رمضان؟ اتحاد المنتجين يرد    إلى ربع النهائي.. برشلونة يتجنب مفاجآت الكأس ويطيح ب راسينج سانتاندير    ميلان يقلب تأخره لفوز على كومو ويواصل مطاردة إنتر في الدوري الإيطالي    تامر حسني يشعل أوبن إير مول مدينتي في حفل جماهيري (صور)    خبر في الجول - موعد سفر بلال عطية لخوض فترة معايشة مع هانوفر    تسرب غاز ينهي حياة طفلين شقيقين في أبو النمرس بالجيزة    شديدة البرودة ورياح، حالة الطقس اليوم الجمعة 16 يناير 2026    أول قرار من النيابة ضد المتهم بدهس سيدة واثنين من أبنائها في حدائق أكتوبر    السعودية والمغرب توقعان برنامجين تنفيذيين للتعاون في مجال الطاقة المتجددة    أحمد فتحي: فيلم «مؤلف ومخرج وحرامي» يوجه رسالة أمل لكل من مر بتجربة فشل    جاسم حيدر: الفن العراقي يواجه تحديات ولكل محافظة لون فني يميزها    أبطال وصناع فيلم مؤلف ومخرج وحرامي يحتفلون بعرضه الخاص    حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج.. ما قاله العلماء بين الاستحباب والبدعية    أهم 10 أدعية مستجابة في ليلة الإسراء والمعراج وفضل الصدقات في هذه الليلة المباركة    دعاء الإسراء والمعراج.. كلمات إيمانية تُحيي القلوب وتُجدد الرجاء في ليلة مباركة    شيخ الأزهر يهنئ الأمة بذكرى الإسراء والمعراج: المسجد الأقصى أمانة لا تسقط    لأول مرة في تاريخ الطب البشري، نجاح أول جراحة لتحويل مسار الشريان التاجي دون فتح الصدر    رئيس الإمارات يتلقى رسالة خطية من رئيسة وزراء اليابان تتصل بالعلاقات الثنائية    ترامب يلتقي زعيمة المعارضة الفنزويلية    «رفض يغششه».. طالب يعتدي على زميله بسلاح أبيض بعد امتحان التاريخ في الشرقية    "تعليم الإسكندرية" تنهي استعداداتها لامتحانات الفصل الدراسي الأول للشهادة الإعدادية    محافظ أسوان يشهد احتفالية الأوقاف بذكرى ليلة الإسراء والمعراج بمسجد الحاج حسن    الجمعية المصرية للتكييف: البيئة تساعد مصانع التبريد على استخدام تكنولوجيات لا تضر الأوزون    أخبار × 24 ساعة.. مدبولى: تطوير الموانئ يهدف لتحويل مصر إلى مركز إقليمى للنقل    اسعار الفاكهه اليوم الخميس 15يناير 2026 فى اسواق المنيا    وزير الثقافة يقرر سفر الفائزين بجائزة الدولة للإبداع للدراسة بأكاديمية الفنون بروما    جوتيريش: الأمم المتحدة ملتزمة بالسلام في غزة وأوكرانيا والسودان    إريك شيل: أريد قيادة نيجيريا للفوز على منتخب مصر    بعقد ثلاثى.. مصطفى العش يوقع للمصرى لمدة 6 أشهر وينتظم فى التدريبات غدا    إبراهيم عبد الجواد: يوسف بلعمرى يصل القاهرة الأربعاء المقبل وديانج يتلقى اتصالات أوروبية    استشهاد 3 فلسطينيين في غارة نفذتها مسيرة إسرائيلية جنوب غربي مدينة غزة    الرعاية الصحية بالإسماعيلية تستعد لإطلاق المرحلة الثانية من حملة "دمتم سند"    تطورات الحالة الصحية للفنان ياسر صادق بعد دخوله الرعاية المركزة    هند الضاوي: إسرائيل تعرقل المرحلة الثانية من اتفاق غزة وتناور بنزع سلاح حماس    محافظ المنيا يشهد احتفالية الأوقاف بليلة الإسراء والمعراج (صور)    رئيس جامعة الأزهر يحضر مناقشة رسالة ماجستير ب طب الأسنان حول أحدث أساليب علاج الجذور    صحة جنوب سيناء تعقد ورشة عمل لإطلاق حملة 365 يوم سلامة لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    النيابة تأمر بتحليل الطعام في واقعة اشتباه تسمم أسرة بمدينة 15 مايو    "الشيوخ" يستأنف جلساته العامة الأحد بمناقشة قضايا المناخ وورد النيل وتعديل قانون الضريبة على العقارات    سبيد يشارك فرقة مصرية عروض التنورة والطبلة فى قلب القاهرة.. صور    حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج وأفضل الأعمال    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد إجراء الامتحان التجريبي للأسبقية الثانية لمنظومة الاختبارات الإلكترونية    رئيس جامعة قنا يفتتح قسم طب وجراحة العيون الجديد بالمستشفى الجامعي    الطقس غدا.. شديد البرودة وشبورة كثيفة والصغرى بالقاهرة 12 درجة    بهاء أبو شقة يعلن تنازله عن الترشح لرئاسة الوفد ويستقيل من عضوية الحزب    حى وسط القاهرة: حريق درب الدهان بمحل إكسسوارات ومحدود    إسقاط الجنسية المصرية عن شخصين لتجنسهما وخدمتهما العسكرية خارج البلاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن متابعة الثورة! –ميشيل كيلو
نشر في المصريون يوم 26 - 07 - 2011

ان لينين يقول: إن كل ثورة تتضمن سلسلة بدايات متتابعة، فالثورة ليست فعلا تاريخيا يتحقق لمرة واحدة أو من خلال فعل واحد، لذلك يمكن القول متى بدأ الفعل الثوري، لكنه يصعب القول متى ينتهي، ويمكن التأكيد على أن هذا الفعل يبدأ من مقدمات معينة، لكن من الصعوبة بمكان معرفة ما ينتهي إليه، ما دامت له بداية معلومة وليس له نهاية محددة، وما دام الواقع، الذي يجري فيه متطورا متغيرا، ويفرض عليه أن يتطور ويتغير بدوره.
وقد طرحت أسئلة كثيرة حول هوية الفعل الذي يجري في الواقع العربي الحالي، وهل هو ثورة، أو تمرد ناقص، أو احتجاج فاشل، أو انقلاب لم يكتمل ... الخ. وكان الميل إلى تقديم جواب سلبي على هذا السؤال ظاهرا للعيان في الآونة الأخيرة، فالذي وقع ليس ثورة، وهو لم يقلب النظام القائم وإن أبعد الرئيس وأسرته وبطانته، وبدّل بعض الشيء مواقع القوى داخل المجتمع والسلطة، وغير حسابات بعض السلطويين والمتسلطين، وأخاف أو شجع بعض المالكين والمحرومين، وأجبر عددا ضخما من الناس على تغيير لغتهم واستخدام مفردات كانوا يجهلونها أو يرفضونها، وألغى في الظاهر بعض المظاهر، التي كانت علامات فارقة للنظام القديم، الذي قيل إنه تمت إطاحته، لكن حضوره القوي ما برح ملموسا، وفاعليته راهنة وقبضته تمسك بأعنة أقسام ومناطق ومجالات واسعة من الحياة العامة، الرسمية والشعبية، فعن أية ثورة يتحدثون؟
سادت فكرة الثورة كفعل يتم في مرحلة واحدة خلال الحقبة التي تلت الثورة السوفييتية، وقدمت نموذجا محددا للثورة ما لبث أن انتشر إلى العالم بأكمله، واعتبر النموذج الثوري الوحيد الجدير بالتطبيق والمضمون النجاح، وكل نموذج آخر فاشل حكما. تركزت دراسة الثورة على شروط إعداد ونجاح الفعل الثوري، فلم يدرس أحد بما فيه الكفاية، وبما هي موضوعا قائما بذاته، الفترة بعد نجاح ضربته الحاسمة، التي تقلب النظام القائم وتعلن حلول نظام جديد محله. ولم يهتم أحد لهذه الفترة، لأنها اعتبرت فترة ثورية بالضرورة، ما دامت تلي الفعل الثوري / الانقلابي، رغم ما عرفه الواقع العالمي من نماذج دول وبناء متباينة هنا وهناك، ومن سمات خاصة برزت خلال التطور، الذي حكمته خصائص وطنية وقومية، تاريخية وسياسية، اجتماعية وقيمية، متباينة، طبعته بطابعها، وأضفت خصائصها على سماته العامة والمشتركة مع غيره، التي لم يقر مركز الثورة السوفييتي بغيرها، وسعى إلى فرضها على سواه، بحجة أن للثورة سمات واحدة وطريقا واحدا ونتائج واحدة، وأن أي نموذج يحيد عن النموذج السوفييتي لا يجوز أن يعتبر ثورة، مهما كانت خصائصه وإنجازاته الفعلية ودرجة ثوريته.
رغم هذا، عرفت المرحلة التالية للفعل الثوري حقب مد وجزر انتشرت في كل مكان، بل وشهدت حالات عادت فيها إلى أنماط من السلطة والممارسة كان يعتقد عموما أنها خاصة بالنظام القديم، وتنتمي إلى ما كان يسمى الثورة المضادة. ولو أخذنا الثورة الفرنسية كمثال، لوجدنا أنها كانت ثورة ضد الملكية المطلقة ومجتمعها الإقطاعي، وأن الأولى عادت مرات متتالية بعد نجاح ضربة عام 1789 إلى السلطة والحكم، وإن في صيغة دستورية مقيدة، ولم تغادر المسرح تماما حتى منتصف القرن التاسع عشر، بعد ثورة باريس الأولى بأكثر من ستين عاما. لكن اللافت أن أحدا لا يتحدث اليوم عن فشل الثورة الفرنسية، ولا يشكك في حقيقة وقوعها ونجاحها، بل ولا يرى أحد فيها شيئا آخر غير النموذج الأمثل والأكمل للثورة، الذي بدل العالم والتاريخ تبديلا لا يمكن مقارنته مع أي شيء سبقه أو ترتب عليه. هل أذكر في هذا السياق بالثورة من فوق، التي قامت في بلدان أوروبية عديدة بقوة السلطة القائمة، وكانت ملكية وإقطاعية، وأدت في النهاية إلى قيام مجتمع برجوازي / رأسمالي يشبه النظام الفرنسي الذي أنتجته الثورة من تحت، ولم يخجل مؤيدوها المخلصون للملكية والإقطاع من إطلاق اسم 'ثورة' عليها؟. فكانت نموذجا آخر، سلميا وتدرجيا، غير شعبي وغير مجتمعي، من الثورة، أفضى في نهاية الأمر إلى إقامة نظام حافظ على الأمر القائم في الشكل ونسفه في الجوهر!.
لو كان هناك دراسات للحقبة التالية للفعل الثوري بوصفها مرحلة قائمة بذاتها ومستقلة عن هذا الفعل، وتخضع لآليات تختلف عن الآليات التي أنتجته، لبدا جليا أن الثورة أخذت شكلا جديدا كانت له حركة خاصة كل مرة، وانه قام أساسا على التقدم لبعض الوقت والتراجع أو الركود لبعضه الآخر، وأن حركته تشبه موجات متتابعة تتقدم ثم تنحسر، لتندفع من جديد، وأن المهم هنا هو أن تكون الموجة التالية أعلى من التي سبقتها، مع أنها غالبا ما تعقب حالة انحسار مرت فيها يبدو معها وكأن الثورة بمجموعها تضيع الاتجاه أو تتراجع أو تفشل، بالنظر إلى أن الفكرة التي سادت عنها كانت ترى فيها فعلا متصاعدا لا يتراجع ولا يعرف البطء، هو مرحلة واحدة لا تقطّع فيها ولا تعثر، مع أن هذا ليس ولم يكن صحيحا في أية ثورة عرفها التاريخ.
ربما كانت الثورات العربية الراهنة قد بلغت لحظة كهذه في الفترة الأخيرة، التي قيل خلالها إنها لم تكن بالأصل ثورة، أو إنها ثورة ناقصة سرعان ما فقدت زخمها وبالتالي اتجاهها، إن كان لها أصلا اتجاه ... الخ. لكن الأحداث تؤكد أن الحراك عاود الانطلاق والصعود في موجة ثانية، بعد أن برز التفاوت الزمني في انطلاقته الأولى بين بلد عربي وآخر ؛ تفاوت زمني عبر عن تفاوت مجتمعي / سياسي يرتبط بعناصر كثيرة خاصة بكل بلد عربي، علما بأن تونس لم تكن أكثر البلدان العربية نضوجا للثورة، بل كانت أول من انطلق فيها لأسباب تميزها عن غيرها، وبأن نجاح ثورتها ذكّر بقية العرب بإمكانية نجاح ثورتهم هم أيضا، فكان هذا دورها في حراكهم، الذي تعين بأوضاع لم يقررها أساسا أي تأثير خارجي : دوليا كان أم عربي.
بسبب تفاوت الانطلاقة الزمنية والواقع المحلي، تفاوتت الحدة أيضا، فجاء كل ثورة أشد من سابقتها، خاصة وأنها تعلمت منها. واليوم، تتجدد انطلاقة الثورتين الرائدتين: التونسية والمصرية، بعد أن بان كم تحاول قوى النظام القديم والأمر القائم كبحهما ووضع العراقيل في سبيلهما، وكم يتهددهما خطر وقوعهما في رتابة وتكرارية الحياة السياسية اليومية ما بعد الثورية، وكم يواجههما من مقاومة على يد الأجهزة الحاكمة، الحاملة للنظام، الذي ما أن أسقطت رأسه حتى تقدمت كي تمسك بالوضع العام، وتنتزع عنان القيادة من يد الشباب الثائر والجماهير العريضة، وتعيد إنتاج النظام في الظرف الجديد، فيتمكن من احتوائه ورده إلى حال قريبة إلى الأصلية السابقة للثورة. ولعله ليس من المبالغة ما يقال اليوم حول عودة الروح إلى الثورة، وليس من المباغت ما نراه من تجديد زخمها في انطلاقة ثانية لا تقل تصميما عن الأولى، التي أطاحت بالرئيس ويعني تجددها إحداث اختراقات واسعة وحقيقية في جسد النظام من الضروري أن تستهلك بالتدريج عافيته وقدرته على البقاء والمقاومة، شريطة أن يتم ذلك وفق رؤية ذات مراحل معروفة سلفا، تتالى على شكل موجات لا بد أن تكون التالية منها أعلى من السابقة، وأن تقوم بتعبئة وحشد قوى كافية لإنجازها، وتمتلك برامج تفصيلية تقبل الترجمة إلى وقائع تترابط حلقاتها وتتماسك، أخذا بعين الاعتبار أن مصير الحركة كلها يتوقف على نجاح كل واحدة منها، فلا بد إذن من منحها أعظم قدر من الاهتمام، ومن دراستها بدقة قبل تنفيذها بأعظم قدر من التصميم والعزيمة، دون أن يترك أي فاصل زمني أو برنامجي بينها وبين الحلقة التي تليها، أو يتم القفز عن أية واحدة منها، أو يقع الثوار في خطيئة مميتة هي النظر إلى هدفهم باعتباره شعارا مرحليا يمكن بلوغه بخطوة واحدة، وتحقيقه بوصفه خطوة تكتيكية. إذا حدث هذا، كانت الثورة مهددة بالقتل على يد من يقومون بإنجازها، واكتفت الثورة المضادة بانتظار فرصة اقتناصها، التي ترتسم عندئذ في أفق الأخطاء القاتلة.
قامت الموجة الأولى من الثورة العربية بكنس رموز في النظام القائم، وها هي تنطلق من جديد كي تكنس بعض ركائزه وقواه وتحتل مواقعها، وهي ستدخل بعد زمن يقصر أو يطول في موجة ثالثة ستقضم خلالها المزيد من بنية هذا النظام وشخوصه، إلى أن تنجز ما وعدت نفسها والشعب العربي بتحقيقه : الحرية والعدالة والمساواة والدولة الديموقراطية المدنية، العدالية والوحدوية.
من هنا، أعتقد أن الثورة العربية الحالية ستستمر لفترة طويلة، وستعرف حالات تقدم وتراجع، صعود وهبوط، حماسة وفتور، نجاح وفشل، دون أن تفقد هويتها أو طابعها كثورة، مهما قال القائلون من خصومها والجاهلون من أنصارها!.
انطلق العرب في طريق جديدة لن يرجعوا عنها، مهما كانت المصاعب التي سيواجهونها. هذه الانطلاقة وهذا الطريق هما الثورة، التي ستنقلهم إلى مطلبهم : الحرية والكرامة!.
نقلا عن القدس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.