إفطار رمضاني لوزارة الداخلية بحضور وزير الدفاع ورئيس الأركان    استقرار سعر الدولار أمام الجنيه في ختام تعاملات اليوم 13 مارس 2026    حزب الله: قصفنا بالصواريخ للمرة الثالثة تجمعًا لجنود العدو في مستوطنة المطلة    تحذير من "كارثة تاريخية" إذا تدخلت واشنطن في أسواق النفط    تفاصيل جلسة معتمد جمال مع لاعبي الزمالك قبل لقاء أوتوهو    القبض على مروج شائعة بيع مخدرات بمحيط مسجد في السويس    نوة الحسوم تصل بورسعيد.. تيارات مائية شديدة فى البحر المتوسط وانخفاض فى الحرارة    نقل الفنان محمد فضل شاكر للمستشفى بعد تعرضه لأزمة صحية مفاجئة    مسؤول سابق بالخارجية الأمريكية: أهداف ترامب من الحرب لم تتحقق حتى الآن.. فيديو    العمرانية تجهّز مائدة للمحبة.. استعدادات واسعة لإفطار رمضانى جماعى    جمعية رعاية مرضى الكبد بالدقهلية تنظم قافلة طبية للكشف المبكر عن أمراض الكبد    إصابة 5 أشخاص من أسرة واحدة بإشتباه استنشاق غاز ببني سويف    تجديد حبس دجال أطفيح بتهمة النصب علي سيدة    هيجسيث: واشنطن ستمنح إيران "خيار الاستسلام" عبر المفاوضات    ختام قافلة الصحة المجانية في الشرقية ضمن مبادرة حياة كريمة    رصيد القمح بميناء دمياط يتجاوز 96 ألف طن    نمو الاقتصاد الأمريكي بوتيرة بطيئة بلغت 7ر0% في الربع الأخير من 2025    ليفاندوفسكي: انتقالي لبرشلونة أصعب قرار في مسيرتي    التموين في أسبوع| صرف منحة الرئيس السيسي وتطوير الشركات الأبرز    ب5 ملايين حنيه.. افتتاح مسجد الشهيد محمد زكي بنجع حمادي بقنا    رئيس مدينة مرسى مطروح يعقد اجتماعا طارئا استعدادا لاستقبال عيد الفطر (صور)    استعدادًا لسوء الطقس.. طوارئ كاملة بمستشفيات الوادي الجديد    محافظ دمياط يتابع سير العمل بأحد المخابز البلدية بكفر سعد    رسمياً: وزير العمل يعلن موعد وعدد أيام إجازة عيد الفطر للقطاع الخاص    محمود حمادة عن مواجهة شباب بلوزداد: جماهير المصري تدفعنا للفوز    توزيع 5000 شنطة سلع غذائية على الأسر الأولى بالرعاية فى كفر الشيخ    ليالي رمضان الثقافية.. أمسيات فنية وورش إبداعية بقصور الثقافة في القاهرة    تكريم الكاتب الفلسطينى إبراهيم نصر الله فى إيطاليا    ختم ضمان" لأي عمل درامي ونرجس "الحكاية"فى رمضان 2026.. ريهام عبد الغفور "الممثلة الحرباء" والرقم الصعب فى الدراما العربية المعاصرة    المنبر النبوي موضع خطب الرسول.. كل ما تريد معرفته عنه    أسماء المصابين وحالتهما الصحية فى حادث تصادم بطريق الإسكندرية الصحراوى    تشغيل عدد من القطارات الإضافية خلال أيام عيد الفطر.. اعرف المواعيد    باكستان تقصف مستودع وقود في أفغانستان.. وكابول تتوعد بالرد    رئيس الاتصال السياسي بالوزارة ومدير أوقاف الفيوم يشهدان احتفالية تكريم حفظة القرآن الكريم بمسجد محمد الخطيب بالمناشى    وزيرا "التخطيط" و"المالية" يبحثان آليات مبتكرة لتمويل مشروعات البنية التحتية في مصر    وزير التعليم العالي يبحث تعزيز التعاون مع اليونسكو في العلوم والتكنولوجيا    الصحة تستعرض تجربة مصر فى خدمات علاج الإدمان باجتماعات لجنة المخدرات بفيينا    كيف يرفع دعاء سيدنا موسى الحسنات ويجلب الخير؟.. دينا أبو الخير تجيب    مجموعة مصر.. إيران تقترح استضافة المكسيك لمباريات منتخبها في كأس العالم    في أجواء رياضية.. انطلاق مهرجان ختام الأنشطة الرمضانية بمركز شباب الساحل بطور سيناء    جامعة قناة السويس تطلق الدورة الرياضية لمهرجان «من أجل مصر» الرمضاني    قرارات جمهورية مهمة وتوجيهات حاسمة للحكومة تتصدران نشاط السيسي الأسبوعي    إجراء جراحة تثبيت كسر بالساق بتقنية المسمار النخاعي بمستشفى السباعية المركزي بأسوان    صحة الدقهلية: 518 عملية جراحية في ثالث أسبوع من رمضان بالمستشفيات    رئيس جامعة القاهرة: فتح باب التقدم لمسابقة «وقف الفنجري».. و70 ألف جنيه جوائز للفائزين    صحيفة ألمانية: عدد الأطفال المشردين في البلاد بلغ مستوى قياسيا    إعلام إسرائيلي: إيران أطلقت 14 صاروخا بينها 11 انشطارية جميعها تجاوزت الدفاعات الجوية    يارب بلغني رمضان كاملا.. ماذا كتب طالب أزهري من الفيوم قبل وفاته بحادث بعد صلاة التهجد؟    بمناسبة يوم الشهيد، قيادة قوات الصاعقة تنظم احتفالية لعدد من أسر الشهداء    تحت إشراف قضائي.. فتح لجان انتخابات الإعادة لاختيار نقيب مهندسي مصر بأسيوط    أستراليا تطلب من مسئوليها غير الأساسيين مغادرة لبنان بسبب تدهور الوضع الأمني    المنتخب المصري يضم المهدى سليمان لمعسكر مارس استعدادًا لكأس العالم    «هدف وأسيست».. عبد القادر يقود الكرمة للفوز على الغراف في الدوري العراقي    بيراميدز يختتم تدريباته لمواجهة الجيش الملكي بدوري الأبطال    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة ال23 من رمضان    الإسعاف الإسرائيلي: 30 جريحًا جراء قصف الجليل شمال إسرائيل    ميار الببلاوي تعترف: استغل برنامجي للرد على خصومي وتصفية حساباتي    إصابة إبراهيم الأسيوطي بقطع جزئي في الرباط الصليبي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام والصراع على النيل !!
نشر في المصريون يوم 26 - 05 - 2010

ربما يكون العنوان غريبا , فما علاقة النيل كمجري مائي , والإسلام كدين ؟ وربما يقول قائل مستنكرا : ما هذا ؟ أي ربط هذا بين النيل والإسلام , وهل كل شيئ يربط بالدين هكذا ؟
وللإجابة على هذا الأمر يمكن الاستفادة من نصيحة الرئيس الفرنس الكبير شارل ديجول الذي قال يوما : إذا أردت أن تفهم السياسة فانظر الى الخريطة !!
خريطة النيل
يجتمع نهر النيل في عاصمة السودان الخرطوم ويتكون من فرعين رئيسيين يقوما بتغذيته وهما: فرع النيل الأبيض في شرق القارة، و"فرع النيل الأزرق" في إثيوبيا.
يشكل النيل الأزرق نسبة (80-85%) من المياه المغذية لنهر النيل، وهوينبع من بحيرة تانا الواقعة في مرتفعات إثيوبيا بشرق القارة. بينما يطلق عليه اسم "النيل الأزرق" في السودان، ففي إثيوبيا يطلق عليه اسم "آبباي". ويستمر هذا النيل حاملا اسمه السوداني في مسار طوله 1,400 كم حتى يلتقي بالفرع الآخر – النيل الأبيض – ليشكلا معا ما يعرف باسم "النيل" منذ هذه النقطة وحتى المصب في البحر المتوسط.
نتيجة للإمكانيات الهائلة التي يوفرها نهر النيل، فقد كان مطمعا للقوي الاستعمارية في القرن التاسع عشر.فقد تحكمت الدول الأوروبية في دول حوض النيل في تلك الفترة؛
ومع انتهاء السيطرة البريطانية علي مصر والسودان في الخمسينات من القرن العشرين، فقد تم توقيع اتفاقية نهر النيل عام 1959 لتقسيم مياه النيل، وترفض أغلبية دول حوض النيل هذا التقسيم ويعتبرونه جائراً من ايام التوسع الاستعماري.
اثيوبيا والإسلام
تذكر المراجع التاريخية أن الوثنية كانت هي الديانة الغالبة للشعب الأثيوبي بينما كان الحكم نصرانيا، وتعتبر اثيوبيا هي الارض الاولى التي وطأتها اقدام المسلمين ، وتعرفت على هذا الدين العظيم قبل ان ينتشر في الجزيرة العربية. وويرجع ذلك الفضل للمهاجرين الاوائل من المسلمين ، وقد توطّن الاسلام وانتشر في تلك الربوع، حتى أن ملكها أصحمة (النجاشي) وعدداً من أصحابه دخلوا الاسلام وكتموا أمرهم خوفاً من تعصب البلاط النصراني. ولاقتراب المنطقة من الاراضي الاسلامية المقدسة ، كان تأثير الاسلام عليها واضحاً. وقد ساعد هذا القرب الجغرافي على انتشار الاسلام في المنطقة ، خاصة سواحل البحر الاحمر ، حيث حركة التبادل التجاري مع سكان الجزيرة العربية. وفي اوائل القرن الثاني للهجرة دخل الاسلام القارة الافريقية عن طريق الدعاة القادمين من الجزيرة العربية عبر البحر الاحمر، حيث نزلوا في ميناء زيلع في القرن الافريقي، وازداد انتشار وتعاظم عدد المسلمين في القرن الخامس الهجري، حيث اسس المسلمون دولتهم في هذه ا لمنطقة واتخذوا من مدينة هرر عاصمة لهم.
ولقد توغل المسلمون بعد ذلك في الاراضي الاثيوبية وكان معظمهم من الدعاة التجار الذين ينتمون الى القبائل النازحة من الجزيرة العربية. أما في العصر العباسي ، فقد هاجرت مجموعات مضطهدة من انصار أهل البيت الى تلك الارض واستطاعت ان تنقل القبائل الاثيوبية الوثنية الى الاسلام وساعدت على انهاء الصراعات القبلية، ومنذ ذلك الحين انفصلت أرتيريا عن اثيوبيا وحُكمت بالاسلام كما هو شأن الاراضي الصومالية.
لكنّ وعورة الاراضي الجبلية الاثيوبية وصعوبة اجتيازها شكلت عاملاً من عوامل عدم انتشار الاسلام بسهولة فيها. كما هو شأن الاراضي المنخفضة والسهول كاليتجراي وهرر.
وكان لسيطرة المسلمين على الطرق التجارية المهمة اثر كبير في انتشار الاسلام ، خاصة بعد فتحهم منطقة ( زيلع ) وأشرافهم منها على طريق هرر التجاري المهم. ثمّ انشأوا على هذا الطريق المؤدي الى قلب الحبشة امارات وممالك صغيرة ، مثل زفات، أدل، موده، جداية، وغيرها جنوبي نهر (هوش). وفي القرن العاشر الهجري ، ازداد قلق المسيحيين والاحباش من انتشار الاسلام فبعثوا برسائل الى كل من الفاتيكان وبريطانيا وروسيا واسبانيا يطلبون فيها تزويد المسيحيين بالسلاح لايقاف الزحف الاسلامي وابادته، مدعين بأنهم محاصرون ببحر اسلامي يهدد كيان المسيحية في البلاد.
بدأ الاحباش حربهم الغادرة على امارة هرر الاسلامية ووصلوا الى مشارفها فتصدى لهم الامام الفاتح احمد ابراهيم وردهم على اعقابهم ، ثم اعدّ لهم جيشاً قوياً وزحف بجيشه هذا حتى وصل مدينة اكسوم عاصمتهم آنذاك ، وحكم البلاد زهاء 16 سنة ، نشر فيها الاسلام حتى وصلت نسبة المسلمين فيها ا لى 90% . وانتشر الاسلام كذلك بين قبائل (سلامة) الحبشية المستقرة وما حولها من قبائل البدو، كذلك دخل ملوك بلاد (كوشي) في الاسلام واصبحت مدينة هرر في مملكة (دوارة) مركزاً من المراكز الاسلامية المهمة، والتي كانت في اوج تطورها واستقرارها منطلقاً للأشعاع الفكري، حيث شهدت حركة فكرية اسلامية واسعة بنيت خلالها المساجد ومدارس اللغة العربية والعلوم الاسلامية، وكان فيها ما يقرب (90) مسجداً لا تزال باقية حتى اليوم شاهدة على عظمة الاسلام ونفوذه، وقد كان معظم الدعاة من اليمن والجزيرة العربية ومصر، ومن مدينة هرر هذه انطلقت الحركات الجهادية التي كانت تدعو الى توحيد المسلمين في تلك الارض تحت راية واحدة لتشكيل الدولة الاسلامية الافريقية الكبرى. وكان من اهم هذه الحركات حركة الامام احمد ابراهيم الفرّان الجرافي، امير هرر، الذي ما ان تعرضت امارته لهجوم الصليبيين حتى دعى الى الجهاد الشامل وذلك سنة 1527م لدرء الخطر عن الامارة وفتح البلاد الوثنية والنصرانية.
واصل الامام احمد الزحف بجيوشه حتى فتح أثيوبيا كلها، ووصلت جيوشه الى منطقة التاكا السودانية وسيطرة على مساحات شاسعة من اراضي افريقيا الوسطى والشرقية ولولا تدخل الغرب الصليبي ممثلاً بالبرتغاليين الذين كانوا يجوبون سواحل المنطقة وبحارها بأساطيلهم الحربية وسلاحهم الناري المتطور حين استنجدت بهم الكنيسة النصرانية، فتمكنوا من ايقاف زحف المسلمين وخاض المسلمون معارك دامية ومدمرة استشهد خلالها الامام احمد عام 1537 وتفرقت جيوشه وطويت باستشهاده صفحة مشرقة من تاريخ المسلمون. وبقيت هرر بعد استشهاده بمدارسها ومساجدها مركز نشر الاسلام ودعوته بين القبائل هناك. وكان لمجيء الحملة المصرية بقيادة رؤوف باشا عام 1875م ابان حكم الامبراطور النصراني يوحنا – الذي كان شديد البطش بالمسلمين والتعصب للنصرانية – اثر كبير في دخول المزيد من قبائل الاورومو في الاسلام وانتشار الدين بشكل واسع هناك، خاصة بعد سيطرة المصريين على زيلع وبربرا وهرر. لكن قيام الثورة المهدية في السودان وانسحاب الحاميات المصرية من المنطقة ادى الى اضعاف امارة هرر، خاصة بعد ان لحقت بالجيش المصري هزائم متكررة من قبل جيوش الحبشة بقيادة (منليك) الذي اصبح امبراطوراً للحبشة بعد يوحنا. فسقطت الامارة وهزم اميرها عبد الله علي عبد الشكور امام جيوش منليك النصراني.
ولا يزال المسلمون يشكلون الاكثرية بين سكان اثيوبيا الذي يبلغ 60 مليون نسمة ففي العاصمة اديس ابابا وحدها تتراوح نسبة المسلمين من 30 الى 36% من مجموع السكان ولا زالت اللغة العربية الرسمية في خمسة ولايات من بين ثلاث عشرة ولاية. والمسلمون هناك فئتين : الاولى ، وهي اقلية من اصحاب الاموال والجاه والنفوذ ، والثانية وهي الغالبة فقيرة من الرعاة والمزارعين. وللمسلمين هناك مجلساً يتولى ادارة شؤونهم الدينية حيث يشرف على (160) مدرسة و (17) مسجداً
التطور المُهدر!
كان من الممكن للعرب أن يستثمرون ذلك التطور الايجابي في اثيوبيا وافريقيا عموما , وقد ظلت مصر على يقظة بالغة لتلك القضية حتى العهد الملكي وبدايات العهد الناصري من خلال ارسال بعثات الأزهر والدعاة والقراء للدول الافريقية , وللأسف الشديد اُهدرت تلك الجهود فيما بعد, كما كتب بجلاء واضح الدكتور / حلمي شعراوي – مركز البحوث العربية والأفريقية – في كتابه القيم " االفكر السياسي والإجتماعي في افريقيا " , ليشعر المرء ببالغ الأسى عن غفلة صناع القرار عن التواصل مع نتائج وجهود المراكز البحثية في بلادنا !!
جهود التنصير وغفلة العرب !!
لقد بدا جليا أمام القوى الغربية الاستعمارية أن الشمال الأفريقي يمثل بوابة عبور الإسلام لبقية أفريقيا , وهذا من شأنه أن يؤدي الى وحدة المصير والهدف مع عمق الروابط الأخوية والثقافية , ولذلك بذلت جهودا كبيرة من دول ومنظمات لفصل تأثير الشمال على الجنوب , وكان منها ربط الشمال الافريقي شمالا صوب البحر الابيض المتوسط (الاتحاد من أجل المتوسط مثالا ) , كما تم تأسيس وروابط افريقية مستقلة عن الشمال كالكوميسا وغيرها , فالغرب الأفريقي الغى جوازات السفر فيما بينهم تأسيسا لوحدته, وأصبح الجنوب الأفريقي قوة اقليمية كبيرة وكذلك الشرق الأفريقي !!
في تلك الأثناء انشغل الشمال الأفريقي بحالة الصحوة الإسلامية التي سادت هذه البلاد , وبدلا من استيعابها وحسن توظيفها وترشيدها باعتبارها مكونا هاما لترسيخ الهوية , سادت حالة من العداء بين الأنظمة الشمالية والحركات الإسلامية , كما ساهم الغرب في ربط الإسلام بالإرهاب ليؤدي الى محاصرة الدعوة , وتركزت الإملاءات الغربية للأنظمة بتغيير المناهج الدراسية , ونشر الثقافة الغربية ( الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ) مما أدي الى الخصخصة ورسملة الاقتصاد وشرب البيبسي وارتداء الجينز وكشف بطون بعض الفتيات , واحتقار اللغة العربية , وتأسيس الجامعات الغربية على أرض البلاد الإ‘سلامية , كل ذلك وغيره ساهم في تعميق الصراع , والانسلاخ التدريجي من هوية الأمة , فلم يكن غريبا أن تعيش كل بلاد الشمال الأفريقي ( مصر وليبيا والجزائر وتونس والجزائر والمغرب ) حالة صراع مع الإسلام على اختلاف درجات الحدة والصراع , بل والأغرب من ذلك فقد تولدت بين بلدان الشمال حالة من الفتور والخصومة وربما العداء , ولعل حالة مباراة مصر والجزائر تكشف بجلاء عن هذه القضية ..
في ذلك الوقت كانت جهود ( الأخر ) على قدم وساق في افريقيا , فالغرب الذي يطالبنا بتغيير هويتنا واعتناق العلمانية , كان ( ولا يزال ) يدعم جهود التنصير عبر أعلى مستوياته السياسية والاقتصادية من خلال واجهات اجتماعية أو خيرية أو طبية أو إغاثية , ولذلك نرى كيف تغيرت نسب تعداد المسلمين في هذه البلاد هبوطا بسبب الجهود التنصيرية من جهة والفراغ الدعوي القادم من الشمال من جهة , والجهود السياسية والاقتصادية الدولية من جهة أخرى , كما نشطت اسرائيل بشدة لتحتل ذلك الفراغ ( فهذه البلاد لا تلعب !! ) ,
وكان الأولي بنا ( كعرب ومسلمين ) أن تُبذل الجهود للمحافظة على الوجود الإسلامي في هذه الدول ترسيخا للهوية وتحصينا وتقوية للروابط بيننا وبينهم
حتى في حالة السودان, كانت خصومتنا لحكومة البشير ذات التوجه الإسلامي , وكانت الروابط والعلاقات والاستقبالات الرئاسية لجون قرنق وقادة حركة تحرير السودان ( تحرير السودان ممن ؟ ومن أي شيئ ؟ ) دون النظر الى خطورة انفصال الجنوب السوداني الملاصق لدول المنبع والساعي لتكوين دولة مستقلة مسيحية في جنوب السودان.
الدوافع سياسية ثقافية وليست اقتصادية !!
لقد أظهرت الأزمة الحالية في استقلال دول المنبع في قرارها واتفاقها دون دول المصب أثار الغفلة العربية عن هذه الدول , وإذا كانت الدول الكبرى تسعى لتحقيق مصالحها عبر السياسة والاقتصاد والثقافة , فإننا تجاهلنا ذلك كله , وبما يقول قائل أن الدافع لهذه الأزمة هو الدافع الاقتصادي لدول المنبع , وربما يكون ذلك صحيحا , لكنه ليس الدافع الأهم وليس الدافع الرئيس , فأغلب دول المنبع تعتمد على الامطار في زراعتها , كما أن ما يجري على اراضيها من مياه النيل يكفيها وزيادة , لذلك فإن الدافع السياسي الذي يدعم الصراع الثقافي هو الأبرز بامتياز
جدار هنا وجدار هناك
إن الداعين الى تقزيم دور مصر داخل حدودها فقط دون النظر الى أهمية الجار وعمق روابطنا به , هم الذين نادوا بحق مصر بناء جدار فولاذي بيننا وبين غزة ( بين مصر وحماس , وليس بين مصر واسرائيل !! ) , واستصدروا فتاوى تقول بحق مصر أن تفعل على اراضيها ما تشاء حفاظا على أمنها القومي , فهل يكون مقبولا الآن أن نؤمن بحق اثيوبيا أن تفعل على أرضها ما تشاء , فتقيم سدودا على النيل عبر مشروعات كبرى لشركات ايطالية وصينية ويابانية؟
وأخيرا : إن الحفاظ على هويتنا وعدم الانجرار وراء مساعي الغرب في طمس ومسخ هويتنا سيظل حصنا حصينا لوحدتنا وتحقيق مصالحنا , ولعل الصلح المجتمعي بين الأنظمة وشعوبها تحقيقا للحرية والعدالة والديمقراطية والمحافظة على ثقافة أمتنا سيعمل على تقوية أمتنا أمام المخاطر التي تتهددها , وهاهو الخطر أتي من صهاينة وغرب كنا نظن أن النفع في الركون إليهم , ولعل ذلك يوقظنا من غفلتنا فننهض بأمتنا وفق ثقافتنا , نعمل لها ووننشرها , فقد اتضح أنها أهم ركائز أمننا القومي الذي يتجاوز حدودونا الضيقة التي أراد اعداؤنا حصرنا فيها , وللأسف روج لذلك فريق من بني جلدتنا لكنهم ليسوا قطعا من محبي ثقافتنا..
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.