لجنة انتخابات حزب الوفد تتلقى الطعون من المرشحين.. غدًا    النائب أحمد جبيلي: القضايا العامة في مقدمة أولويات البرلمان    الإسكان تطرح أراضي استثمارية مميزة بالعلمين الجديدة والسادات بنظام البيع    المشاط: تطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    قادة الاتحاد الأوروبي يتعهدون خلال زيارة لدمشق بدعم تعافي سوريا بعد الحرب    الحرس الثوري: سنقف إلى جانب الشعب الإيراني حتى ضمان أمن المواطنين    وزير الخارجية يشدد على رفض أي ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية أو تقسيم قطاع غزة    آرسنال يتوصل لاتفاق لتجديد عقد طويل الأمد ل ساكا    مباراة السنغال ومالي تشتعل في ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025    مران الزمالك - انتظام شيكو بانزا.. وتخفيف الأحمال استعدادا لمواجهة زد    حصاد الوزارات.. رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح    وفاة ابنة الفنان أحمد عبد الحميد    إيرادات الخميس.. إن غاب القط يواصل صدارة شباك التذاكر وجوازة ولا جنازة يتراجع للمركز الثالث    تداول صورة لفضل شاكر أمام المحكمة العسكرية اللبنانية في جلسة سرية    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    مدرب الجزائر: جاهزون ذهنيًا لمواجهة نيجيريا ونواجه صعوبات    ارتفاع مفاجئ في أسعار الذهب| عيار 21 يلامس 6000 جنيه بمنتصف التعاملات    الجيش السورى يطالب أهالى حى الشيخ مقصود بإخلاء 3 مواقع تابعة لقسد لقصفها    بُناة مصر الرقمية.. منحة تدريبية مجانية لتأهيل الخريجين لسوق العمل التكنولوجي    رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح فى علاج المرضى الأجانب    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    «الصحة»: فحص 4 ملايين طالب ضمن أعمال الفحص الطبي الدوري الشامل بالمدارس    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    الأمن يفحص فيديو استغاثة لسيدة تزعم تعرضها هي وبناتها للاعتداء من والدهن في قنا    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    رانيا المشاط: تطبيق دليل "خطة التنمية المستجيبة للنوع" لتمكين ذوي الهمم    حبس عامل 4 أيام لاتهامه بقتل زوجته الحامل إثر خلافات أسرية بقنا    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    عضو مجلس الزمالك: فوجئت بتعيين معتمد جمال مديرًا فنيًا للزمالك من الإعلام    الجيل الديمقراطي: ذكرى السد العالي تجسد قدرة مصر على حماية أمنها القومي    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رجال الأعمال ... وثقافة العطاء
نشر في المصريون يوم 19 - 04 - 2010

كثيرا ما نبهر حين نسمع عن تبرعات الأثرياء ورجال الأعمال السخية جدا في الغرب للمؤسسات الخيرية، فعلى سبيل المثال الملياردير الأميركي بيل جيتس تبرع بمبلغ (28) مليار دولار (أي أكثر من 150مليار جنيه مصري) من ثروته لأعمال الخير!! ووارين بافيت ثاني أغنى رجل في العالم تبرع إلى المؤسسات الخيرية التي يديرها صديقه الملياردير بيل جيتس بنحو (37) مليار دولار (أي أكثر من 200مليار جنيه مصري) وهو ما يزيد عن 80 % من إجمالي ثروته، والمتابع للتقارير الرسمية عن حجم التبرعات والعمل الخيري في أمريكا وأوربا يُعْجَب كثيرا بهذا الوعي الرائع بدور وأهمية البذل والعطاء في الحياة الإنسانية، وبغض النظر عما يقال من ارتباط المؤسسات الخيرية الغربية بأعمال التنصير، والنشاطات المشبوهة المرتبطة بماكينة الاستخبارات الهادفة إلى تحقيق أغراض دنيئة بعيدة كل البعد عن نبل وسمو فكرة أعمال الخير... بغض النظر عن كل ذلك فضخامة حجم التبرع السخي الذي ينفقه الأثرياء للقيام بأعمال البر والإحسان من وجهة نظر المتبرع تعطينا مؤشرا قويا على مستوى الوعي والنضج الراقي الذي بلغه رجال الأعمال الغربيين في هذه الناحية!!
وللعلم فقد سبقت الحضارة الإسلامية الخالدة الغرب والغربيين بقرون طويلة إلى فكرة العمل الخيري؛ لأنه ضرب من ضروب الإنفاق في سبيل الله تعالى، فها هو الصديق أبو بكر رضي الله عنه سيد المنفقين والباذلين ينفق ثروته كلها في سبيل الله تعالى، وحينما يسأله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :"ماذا تركت لأبنائك وأهلك؟" يقول رضي الله عنه :"تركت لهم الله ورسوله!!" ومذ أشرق نور الإسلام على البشرية وثقافة البذل والعطاء والإنفاق في سبيل الله تعالى جزء أصيل من البنية الثقافية والمنظومة القيمية للمسلمين الذين ينفقون أموالهم في كل أوجه البر والإحسان؛ تحقيقاً للتكافل الاجتماعي والترابط والتعاون بين جميع أبناء المجتمع المسلم، والأوقاف الإسلامية خير شاهد على رقي ونبل المسلمين في ذلك، ونضج ثقافة البذل والعطاء لديهم على امتداد التاريخ الإسلامي المجيد، وقد شملت أموال الأوقاف الإسلامية جميع أوجه البر وأعمال الخير، ودون مبالغة شملت جوانب الحياة كافة: فهناك الإنفاق على اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين والضعفاء، والإنفاق على طلبة العلم، وبناء المستشفيات، والإنفاق على بناء المساجد، وتعبيد الطرق وبناء الجسور، وإقامة الأسْبِلَة والتكايا، وشق الترع والقنوات وحفر الآبار، وتوفير المياه النقية للناس في المنازل للشرب والطهي، وكذلك توفير مياه الري، وتزويج الشباب والفتيات، والإعانة على سداد الديون والقروض، ودفع الديات والغرامات، بل لقد وصل الأمر إلى حد أن بعض أهل الخير من المسلمين أوقفوا أجزاء كبيرة من ثرواتهم لإقامة حظائر للحيوانات المسنة التي لا يرغب فيها أصحابها، كالخيول والبغال، والحمير... وغيرها، والإنفاق على طعامها وشرابها!!
نتحدث في ذلك الموضوع مع الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الضرورية والمتطلبات الحيوية التي لا غنى لأي أسرة عنها كالأرز والسكر والدقيق والزيت واللحوم ... وغيرها، حيث تتصاعد الشكوى وتئن قطاعات كبيرة وشرائح واسعة من المجتمع، وربما لا يستطيع الكثيرون من أبناء الطبقة المخملية تخيل حال الشعب المسكين وما وصل إليه من قمة البؤس والمعاناة...!! علما بأن الإحصاءات الرسمية الحكومية تشير إلى تزايد أعداد الفقراء، ومن هم تحت خط الفقر، ووصول نسبتها إلى أكثر من 40% من تعداد السكان.
وأريد أن أناقش هذه القضية هنا من الجانبين الديني والاجتماعي فقط ، دون تطرق لبقية الجوانب الأخرى السياسية والاقتصادية... فحالة الفساد المستشري في كامل منظومة السلطة الحاكمة على مختلف المستويات أصبحت مُوَثَّقَة، ومُثْبَتَة بالأوراق الرسمية، والشهادات الرسمية الصادرة عن عدد كبير من رجالات الحكم أنفسهم، فها هو الدكتور زكريا عزمي يصرخ مؤخرا تحت قبة البرلمان قائلا "لعن الله الخصخصة" وتقارير منظمة الشفافية الدولية عن شيوع الفساد في مصر، وانتشار ما يسمى باقتصاديات الفساد تغنينا عن محاولات إثبات ذلك، فالفساد أصبح بكل أسف ثقافة ونمط حياة تتبناه السلطة بدرجات متفاوتة، ويكفي تزاوج الثروة مع السلطة كأبرز دليل على شيوع هذه الثقافة الرديئة!!
وليس بخافٍ دور السلطة والمؤسسة الحاكمة ومسؤوليتها الكبيرة والأمانة الضخمة التي تتحملها أمام الله تعالى، ثم أمام شعبها وأمام التاريخ، ففي رقاب جميع المشاركين في هذه السلطة كل مسكين بات ليلة طاوياً لا يجد ما يسد به رمقه ورمق أطفاله، وفي أعناق هؤلاء أمام الخالق عز وجل كل شيخ بائس ضعيف لا يجد دواءً لعلاج أوجاعه، وكل أرملة مسكينة هزمتها الحياة وهدتها بمطالب أطفالها التي لا تنتهي، وكل يتيم ملتاع اعتصر قلبه الألم والحزن وهو عاجز عن إيجاد لقمة العيش، فضلا عن أن تتوافر له سبل الحياة الكريمة، وفرص الصحة والتعليم كغيره من الأطفال!!!
وسأركز كلامي هنا على دور المجتمع عامة، ورجال الأعمال والأثرياء خاصة في علاج ظاهرة الفقر، ومسؤوليتهم أمام الله تعالى في هذا المجال، لاسيما وأن بمصر عددا كبيرا من المليارديرات والمليونيرات الذين جمعوا ثرواتهم الطائلة من هذا المجتمع البائس الفقير...!!
إن الفقر من أهم عوامل الانحطاط البشري والارتكاس الفكري والخلقي، وبيئة الفقر ملوَّثة بجراثيم الفساد والانحراف، وقد أدى تحول الفقر إلى ظاهرة واسعة الانتشار في المجتمع إلى استفحال المشاكل الاجتماعية، وانتشار الأمراض الأخلاقية والسلوكية بشكل لم يسبق له مثيل ، فقد عمَّ الفساد المالي والإداري، وزادت الاختلاسات والرشاوى، وانتشرت المخدرات، وانخفضت الإنتاجية، واتسعت الفجوة بشكل رهيب في مستويات المعيشة بين أبناء المجتمع الواحد، وليس من الإيجابي تكرار الحديث بشكل سلبي عن هذه المشاكل والإلحاح عليها، لأن ذلك يكرسها، وينشر حالة من اليأس والقنوط نحن في غنى عنها!!
إننا بحاجة إلى الإلحاح على النجاح، والبحث عن مخارج عملية سريعة تحمي مجتمعنا من الانهيار والضياع لا قدر الله وهنا نؤكد على أهمية الدور المجتمعي على كلٍّ منا، وبخاصة رجال الأعمال الذين تقدر ثرواتهم بالمليارات، فهؤلاء عليهم واجب ديني ووطني، واجب حتمي وعاجل ومُلِحٌّ وفوري للمساهمة في علاج مشكلة الفقر المستشرية في كل مكان، ويعاني جرَّائها ملايين الأسر، والسؤال المهم الآن: هل يؤتي الأغنياء زكاة أموالهم على النحو المطلوب؟! وإذا كان الأمر كذلك فهل يتصدقون بجزء آخر من ملياراتهم لمحاربة الفقر في المجتمع؟!
ولأضرب لذلك مثلا: فقد سمعنا جميعا أن أحد رجال الأعمال المصريين قد أقام علاقة مع مغنية وأنفق عليها أموالا طائلة، يقال والعلم عند الله إنها بلغت نحو مئة مليون جنيه بالتمام والكمال...!!! وبغض النظر عن مشروعية هذا التصرف من عدمها، فسأركز عل الجانب الاجتماعي للمسألة، فلو أن رجل الأعمال هذا أنفق هذا المبلغ (مئة مليون جنيه) على عشرة آلاف شاب فقير معدم، لكان قد أعطى كلا منهم عشرة آلاف جنيه!! ولكان بذلك قد فتح باب الرزق أمامهم، وبعد عدة سنوات لربما أمكن كل منهم أن يتزوج ويبني أسرة جديدة...!!!
وهذا مثال واحد، فما بالنا لو أصبح العطاء ثقافة عامة ورؤية شاملة يتمتع بها رجال الأعمال؟ وقد يقول قائل: ومن أدراك أن هذا الرجل أو غيره لا يؤتي زكاة ماله؟ والإجابة عن ذلك بسيطة جداً ففي المال حق سوى الزكاة، لاسيما مع تنامي ثروات رجال الأعمال بهذا الشكل الأسطوري، حتى أصبحت ثروة رجل أعمال واحد تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، فكيف يرضى رجل كهذا أن يعيش متقلباً في النعيم في قصر من ذهب، ورفاهية لا حدود لها، وحوله ملايين الناس يعيشون في أكواخ، أو يسكنون في المقابر (والعشش)، ويرى ويشاهد بأم عينيه ملايين الجائعين يعانون الفقر والبؤس والجوع والحرمان، ثم يتحجج بأنه أدى ما عليه من زكاة!!!
لا والله فأغلب الظن أن مثل هذا ما أدى ما عليه!! فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل على راحلة، فجعل يضرب يمينا وشمالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان معه فضل ظهرٍ فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فَلْيَعُدْ به على من لا زاد له " قال : فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا بسلعته بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا، فصدقه فأخذها وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ما يريد وفى له وإن لم يعطه لم يفِ" وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم :" ورجل حلف على سلعته لقد أُعْطِيَ بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماءٍ فيقول الله عز وجل له: اليوم أمنعك فضلي كما منعتَ فضلَ ما لم تعمل يداك" رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وأبو داود.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وَقُعِدَ لها بِقَاعٍ قرقرٍ تَسْتَنُّ عليه بقوائمها وأخفافها، ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت وَقُعِدَ لها بِقَاعٍ قرقرٍ فتنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها ليس فيها جمَّاء، ولا منكسر قرنها، ولا صاحبِ كنْزٍ لا يفعلُ فيه حقَّه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه، فإذا أتاه فرَّ منه، فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بد له منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل" رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفايح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقْضَى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل: يا رسول الله فالإبل؟! قال صلى الله عليه وسلم :" ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطِح لها بِقَاعٍ قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أُوْلَاها رُدَّ عليه أُخْرَاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟! قال صلى الله عليه وسلم :"ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بِقَاعٍ قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها شيئا ليس منها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطَحُه بقرونها وتطَؤُه بأظلافها، كلما مر عليه أوَّلُها رُدَّ عليه آخرُها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل: يا رسول الله فالخيل؟! قال صلى الله عليه وسلم :"الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء لأهل الإسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينسَ حق الله في ظهورها، ولا رقابها فهي له ستر، وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كُتِبَ له عددُ ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كُتب الله تعالى له عدد ما شربت حسنات" قيل: يا رسول الله فالحمر؟! قال صلى الله عليه وسلم :"ماأنزل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذة الجامعة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أعطي لا توكي فيوكى عليك" وفي رواية:"أنفقي أو انفحي أو انضحي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك" رواه البخاري ومسلم وأبو داود، والمعنى المقصود هنا والله أعلم أنفقي في سبيل الله، ولا تبخلي بما لديك من أموال، وتشدي ما عندك وتربطي عليه، وتمنعي ما في يدك عن أخوانك فينقطع الرزق عنك بسبب هذا البخل.
وبعدُ، إن مجتمعنا اليوم في أمس الحاجة إلى كل صور وأشكال التكافل والتعاون، فلينفق كل ذي سعة من سعته، إن مظاهر الفقر والبؤس والجوع والحرمان تملأ المجتمع، وليذهب من يريد إلى القرى ولاسيما في الصعيد ليرى حجم الكارثة بنفسه، لقد شاهدت بنفسي ذات مرة في أحد الحافلات وقبيل عيد الفطر موظفا حكوميا يجهش بالبكاء بحرقة ألماً وحسرة على عدم استطاعته تلبية المطالب الأساسية لأسرته وأولاده من طعام وكساء وعلاج ودروس خصوصية... وعندما تدخلت لأخفف عنه وأهدئ من حالته انهمرت دموعه وتحشرج صوته وقال والأنين المكتوم يمزق ضلوعه: :والله يا أستاذ ما عندي ما أشتري به هدوم العيد للعيال زي غيرهم من ولاد الناس"... وانخرط في بكاء مرير، وتعاطف معه بعض الركاب الآخرين، وشاركوه مشاعره قائلين: "كلنا على دي الحال" وفي غمرة البكاء الشديد الذي يقطع الكبد قال الرجل: "والله يا جماعة بنفضل بالأربع شهور ما نشتري لحمة وفين وفين على ما أجيب كيلو للعيال...!!"
كان هذا الكلام وثمن كيلو اللحم 35جنيها، وأعتقد أن أمثال هذا الرجل المسكين لن يشتري اللحم أبدا بعد أن وصل ثمن الكيلو أكثر من80جنيها كاملة!! اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين و قهر الرجال.
فأين أهل البر والإحسان من هؤلاء البؤساء المحرومين المحزونين وهم كُثُر حولنا في كل شارع، وفي كل حي، وفي كل قرية؟ أين رحماء القلوب؟ أين رجال الأعمال أصحاب الملايين والمليارات؟ أم أن هؤلاء لا يفكرون إلا في (تسقيع الأراضي) ونهب المال العام؟! لعلهم يلتفتون قليلا لمجتمعهم، ويعطفون على من حولهم من الفقراء والمساكين، فيرحمون ضعفهم، ويجبرون كسرهم، ويبردون نار قلوبهم، على الأقل ليحموا ثرواتهم وصحتهم وصحة أبنائهم من نيران الحسد والحقد التي قد تأكل أكباد هؤلاء المهمشين البائسين الذين تخلت عنهم الدولة، وسحقتهم الحياة، وعجز إخوانهم عن مد أيدي العون والمساعدة إليهم!!!
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.