قبل بضعة سنوات وفي المركز الإسلامي بالعاصمة الأمريكيةواشنطن فإن أحد المصريين المقيمين هناك أعتاد الذهاب إلى المركز ومعه مجموعة من الصور لبنات مسلمات من أفراد الجالية العربية يبحثن عن أزواج مسلمين في الولاياتالمتحدةالأمريكية.. وكان الدور الذي يقوم به هذا المصري متطوعًا دورًا كبيرًا، إذ كان يحمل معه أيضًا أرقام هواتف المصريين الذين يبحثون عن عمل، وكان يحاول بمفردة أن يعثر على من يساعده في توظيف هؤلاء من بين صفوف المصلين.. والحقيقة تقال إن هذا الرجل الذي توفاه الله كان مؤسسة إسلامية متحركة في خدمة المسلمين، وكان أكبر ترجمة وتعبير عن أن دور المسجد لا يقتصر فقط على أداء الصلاة، وإنما المسجد هو مؤسسة دينية اجتماعية تربوية شاملة تساهم في الارتقاء بالمجتمع الإسلامي وبتحقيق التكافل والتعاضد بين المسلمين في كل مكان. وفي منطقة إمبابة الشعبية الفقيرة، فإن خطيب أحد المساجد وجه نداءًا عبر ميكرفون المسجد إلى السكان المحيطين به يطلب التبرع ببعض البطاطين اللازمة لعدد من معدومي الدخل في الحي.. وقبل أن تنقضي ساعات قليلة من النداء فإن المتبرعين جاءوا بأعداد كبيرة من البطاطين جعلت إمام المسجد في مشكلة في كيفية تدبير مكان لتخزينها قبل أن يتم توزيعها.. وفي مساجد أخرى كثيرة في العديد من المناطق الشعبية فإن ميكروفونات المساجد تنطلق لتعلن عن توافر اللحوم أو المواد الغذائية التي يتبرع بها بعض القادرين. ولا تخلو صلاة الجمعة في بعض المساجد من توجيه الخطباء لنداءات للمصلين بتوفير بعض أنواع الأدوية للمرضى غير القادرين أو المساهمة في تحمل نفقات جهاز عروس يتيمة الأبوين. وهذا الدور الاجتماعي الإنساني الذي يقوم به المسجد في بلادنا لا يجب أن يكون مرتبطًا في أذهان البعض بمفهوم ومنطلق تسييس المسجد أو التجهيز والاستعداد لأغراض وأهداف انتخابية وسياسية، إذ أن الذين يقومون بهذا العمل هو غالبًا من رجالات الحي المعروف عنهم الورع والتقوى والمبادرة إلى مساعدة الآخرين ابتغاء لمرضاة الله سبحانه وتعالى. كما أن هذا الدور الذي يقوم به المسجد يأتي مكملاً لدور الدولة في حفظ الاستقرار وتوفير الأمن والأمان في المجتمع، فالمسجد كمركز تربوي وديني داخل كل منطقة يمثل صمام الأمان بها ويشجع الناس إذا ما أدى الدور المطلوب منه على التنافس في فعل الخير بدلا من اللجوء إلى أساليب البلطجة وإرهاب المواطنين. ويتخوف البعض من سيطرة بعض المتطرفين على المساجد وتحويلها إلى تجمعات سياسية قد تتخذ العنف منهجًا للدعوة والتغيير، وهو تخوف لم يعد قائمًا في ظل وقوع معظم المساجد تحد سيطرة وزارة الأوقاف، وتشديد الرقابة على بقية المساجد الأهلية المعروفة بانتماءاتها لجماعة معينة والتي يعرف الناس أيضًا عنها ذلك ويتجنبون التفاعل على أنشطتها وخدماتها خوفًا من العواقب ومن الانغماس بشكل غير مباشر في العمل السياسي.. والواقع أن تجربة تحول المساجد إلى مراكز إسلامية تقدم الكثير من الخدمات الاجتماعية والطبية ساهم كثيرًا في التخفيف من آلام الناس والتيسير عليهم ماديًا، وساعد كذلك في التخفيف من الضغوط والأعباء الملقاة على عاتق الدولة حيث لم تستطع المستشفيات العامة والتأمينية مواجهة احتياجات المجتمع وتوفير الخدمة العلاجية المطلوبة بسرعة وبمستوى جيد. وسوف يظل مركز مسجد الدكتور مصطفى محمود في منطقة المهندسين والذي يشمل عيادات متخصصة مزودة بأجهزة للأشعة على أعلى مستوى نموذجًا لما تستطيع هذه المراكز أن تقدمه وأن تثبت به أنها عامل مساعد للاستقرار ولخدمة المجتمع. إن مساجدنا هي بيوت الله التي تنشر العدل والحق والخير والفضيلة، وتحث على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم، وهي مصدر قوة مجتمعاتنا، وهي صمام الأمان أمام الانفلات والتسيب، وهي كل ما تبقى لنا للحفاظ على هويتنا العربية، ومن صالح الجميع تعزيز وتقوية الدور الذي تقوم به في عصر أصبح من الصعب فيه التمسك بالدين والحفاظ على الهوية.. وهذا هو كل ما تبقى لنا..! ** ملحوظة أخيرة: كان الأستاذ كمال عبد الرءوف عليه رحمه الله أستاذًا لي في كلية الإعلام حيث كان يقوم بتدريس الترجمة الصحفية، وبعد تخرجي بسنوات قليلة فقد سافرت في مهمة صحفية لتغطية جولة خارجية لنائب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت حسني مبارك، وكان مسافرًا معي عن صحيفة "الأخبار" الأستاذ كمال عبد الرءوف وعندما وجدت أستاذي هو منافسي في العمل تملكتني رهبة وخوف شديدين، ولم استطع أن أرفع رأسي أمامه احترامًا وتقديرًا، خاصة وأن الذين كانوا معنا في المهمة كلهم من الكبار سنًا وقيمة حيث كان هناك الأساتذة محمد عبد المنعم عن الأهرام ونجيب البدري رحمه الله عن وكالة أنباء الشرق الأوسط. ولكن الأستاذ كمال عبد الرءوف الذي رحل عن دنيانا قبل أيام قليلة جاء في قائلاً.. أنا الآن لست أستاذك، أنا زميلك، وعليك أن تتعامل على هذا الأساس وتثبت أنك أهل لهذه الزمالة، وأنك لم تعد تلميذًا.. ولم يتركني الراحل العزيز طيلة الرحلة، حيث كان دائم التشجيع والتحفيز على الإنفراد بالأخبار والمتابعة حتى وإن كان ذلك على حساب سمعته ومكانته كمدير لتحرير أخبار اليوم.. ومرت السنوات الطويلة.. ولم نلتق منذ ذلك الوقت في أواخر السبعينيات.. وطوال كل هذه السنوات كنت انتظر أن ألقاه في أي مناسبة لأشكره على موقف ظل دينًا في عنقي كل هذه السنوات.. وليتني فعلت، وليتني استطعت أن أقول له هذا في حياته.. ، ولكننا لا نتذكر هذه الأشياء دائمًا إلا متأخرًا، ومتأخرًا جدًا بعد فوات الآوان. [email protected]