القضاء يحتاج إلى إصلاح.. بديهية لا يمكن تجاوزها بحجة أنها تهز استقلال مؤسسة العدالة ويضعها أسيرة السلطة التنفيذية أو رئيس الدولة. ولن يتأتى الإصلاح بدون قانون جديد للسلطة القضائية يمكنها من استقلالها الكامل. القانون الحالى يعطى رئيس الجمهورية وحده الحق فى اختيار النائب العام، وهذا يتناقض مع الدستور الجديد الذى خول للمجلس الأعلى للقضاء حق ترشيح ثلاثة، يختار الرئيس أحدهم. ولأن الدستور لا يمكن تطبيقه إلا بقانون حسب مبادئ الفقه الدستوري، فقد نص الدستور الجديد على استمرار العمل بالقوانين الحالية لحين تعديلها، وبذلك فإن النائب العام طلعت عبدالله نائب شرعى مليون فى المائة طبقا لقانون السلطة القضائية، وإذا استقال فلرئيس الجمهورية حقه المنفرد فى اختيار آخر. هذا هو المقصود بسيادة القانون الذى هو أصل من الأصول الدستورية ويترتب عليه أنه لا يمكن للسلطات العامة أن تمارس سلطتها، إلا وفق قوانين مكتوبة متفقة مع الدستور. هنا تصبح الدعوة إلى قانون جديد للسلطة القضائية ضرورة لضمان استقلال القضاء وتدعيم صدقية أحكامه وثقة العالم الخارجى فيه وجذب المستثمرين، لأن قضاء مستقلاً هو سياج حام للاستثمار والاقتصاد بصفة عامة. تعرض القضاء للتجريف طوال حكم نظام مبارك ولم يكن معصوما من انتهازيته واستبداده، وأبرز مثال رفع سن المعاش إلى 70 عامًا كجزرة تحقق انتفاع السلطة به، فكان طبيعيًا أن يظن البعض أنه خطر على الثورة وحليف للنظام المخلوع، خصوصا أن مبارك نال حكمًا بإخلاء سبيله على ذمة قضية قتل المتظاهرين، ومهما تعددت القضايا الجديدة التى يواصل بها حبسه الاحتياطى، فلن تطول المدة عن شهرين، يذهب بعدها فى قصره الأثير بشرم الشيخ، وحينها سيكون قادرًا على الحديث للإعلام وإلقاء خطاباته السياسية. ليست نكتة أن البعض يتوقع خطابًا يعلن فيه: "من أجل مصر تخليت عن منصب رئيس الجمهورية ومن أجل مصر أعود إليه"، بنفس أسلوب مصطفى النحاس عندما أعلن إلغاء معاهدة 1936 مع الاحتلال الإنجليزي! أحكام القضاء بعد ثورة يناير جاءت معظمها لصالح أركان النظام السابق، مما زاد التوجس منه، ولو كان القضاء مستقلاً بقانون محكم ومطابق للدستور، فإن أحدًا لن يعترض على إطلاق سراح مبارك إذا انعدمت الأدلة الكافية لسجنه، بل ولن يعترض على حكم يبرئ النظام القديم كله بكامل عناصره وقياداته. الإشكالية الحالية أننا أمام قضاء مشكوك فيه حتى لو كان قضاته من الملائكة، لارتباطه بالنظام القديم فى ميزات حصل عليها ولن تحل تلك الإشكالية إلا بقانون يغسله من تلك العلاقة. أعجبنى طرح المستشار زكريا عبدالعزيز، رئيس نادى القضاة السابق فى حواره مع بوابة الأهرام أمس الأول، وفيه أن من حق الشعب المطالبة بإصلاح القضاء عن طريق الضغط على مجلس الشورى لإقرار قانون منصف للسلطة القضائية مع رفض التوظيف السياسى للملف، حتى لا يخرج القضاة من ترغيب النظام السابق إلى ترهيب النظام الحالي. يرى المستشار أن هناك أمورًا وملفات داخل مؤسسة القضاء تحتاج إلى إعادة نظر، وإلى إصلاح يتم به إصلاح الدولة لأن القضاء هو رمانة الميزان، كتشكيل مجلس القضاء الأعلى الذى يجرى حاليًا بمعيار الأقدمية، أى أقدم 6 قضاة فى مصر، والأفضل أن يأتى بعضه بالانتخاب كما كان قبل عام 1952، وحينها كان العضو المنتخب أكثر فاعلية. من الأشياء المعابة أسلوب الاختيار والالتحاق بالسلك القضائى من بين معاونى النيابة، مما زاد من الحديث المثار عن دخول الوساطات والمحسوبيات. ثم ملف المتابعة والتقييم للقضاة ووكلاء النيابة فنيًا وسلوكيًا الذى لا يتصف حاليًا بالديمومة والاستمرارية. خلال الشهور الأخيرة، أصبحت التصريحات السياسية التى يدلى بها القضاة للإعلام سببًا فى الانتقادات الموجهة لبعضهم، وهنا ينبغى وفق المستشار زكريا عبدالعزيز وضع ضوابط وقواعد صريحة وواضحة لطبيعة العلاقة بين الاثنين. الملف الأخطر هو سن التقاعد والمعاش والمطالبة بإرجاعه إلى أصله بفارق عشر سنوات، أى من 70 إلى 60، كما الحال قبل التسعينيات. فقد رفعه نظام مبارك أولاً إلى 64 عامًا، وكان الهدف الإبقاء على أشخاص محددين يضمن من خلالهم النظام التمكين والسيطرة، ثم إلى 66، فإلى 68، ثم إلى 70 عامًا حاليًا. كل ذلك ترغيب من النظام البائد واستمالة لهم. يشير المستشار زكريا عبدالعزيز إلى هشاشة الحجج التى من أجلها تم رفع سن التقاعد للقاضي، ولذا من الأفضل النزول به تدريجيًا كما كان الرفع تدريجيًا، مع اشتراط ألا يتولى القاضى مناصب قيادية بعد سن ال65. تلك رؤية من داخل الجسد القضائى تدعم استقلاله وتجعله قوة جبارة مصانة ومهابة، فلا يتحول إلى قضاء مثير للأزمات. [email protected]