كنّا نحتاج إلى الحراك الذي أفرزه حكم القضاء الإداري بوقف الدعوة لانتخابات مجلس النواب. ابتداءً يؤكد مدلول الحكم ضمنًا أن المعارضة ظلمت الدستور الجديد أو افترت عليه عندما قالت إنه منح سلطات كثيرة لرئيس الجمهورية تزيد على الدستور السابق، فطبقًا لما انتهت إليه محكمة القضاء الإداري أصبحت سلطات الرئيس محدودة في ظل نظام مختلط من الجمهوري والبرلماني، فلم يعد بوسعه ممارسة الكثير منها كالدعوة للانتخابات إلا من خلال رئيس الوزارء ونوابه والوزراء بنص المادة 141 التي لم ننتبه إلى أنها نزعت الكثير من السلطات المتفردة لرئيس الجمهورية التي كانت سيادية وتمتع بها في الدساتير السابقة. المادة 141 لم تترك لرئيس الجمهورية سوى صلاحيات محدودة بعضها يحتاج أيضًا إلى موافقة جهات أخرى كإعلان الحرب الذي لابد لسريانه من أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، ثم موافقة أغلبية المجلس النيابي بغرفتيه، وإعلان حالة الطوارئ الذي يجب أخذ رأي مجلس الوزراء، وعرضه على مجلس النواب خلال الأيام السبعة التالية (يقوم مقامه حاليًا مجلس الشورى طبقًا للدستور). وقد نكتشف لاحقًا بناءً على تفسير المحكمة الدستورية العليا أن الرئيس لم يأخذ رأي مجلس الوزراء عندما فرض حالة الطوارئ المؤقتة على مدن القناة ولم يعرضه على مجلس الشورى. أيًا كان الأمر فإن ماءً راكدًا بدأ يجري بخصوص مواد الدستور الجديد التي تم التعامل معها بالتباس أو بعدم انتباه اعتمادًا على صورة نمطية مستقاة من دساتير سابقة. قراءة المادة المثيرة للجدل لم تضع بالفعل الدعوة للانتخابات في إطار القرارات السيادية التي يمارسها رئيس الجمهورية منفردًا، وقد يكون للمحكمة الإدارية العليا رأي آخر في حكم الطعن اليوم الأحد. الرئاسة في تبريرها للطعن أكدت أنها لا تسعى إلى تغيير موقفها بشأن وقف إجراء الانتخابات، وإنما بهدف تفسير المادة 141، والتكييف القانوني لقرار الرئيس بدعوة الناخبين للانتخابات.. هل يمارسها من خلال رئيس الوزراء ونوابه والوزراء؟ وهل يعد عملًا من أعمال السيادة أم ليس كذلك؟ ويعول الطعن على ما هو مستقر في محكمة النقض وأحكام المحكمة الدستورية العليا والقضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا، وليس على منطوق المادة الدستورية الواضحة في ذلك. لا أفهم سببًا واحدًا للغضب من الطعن مع أنه حق كفله القانون، حتى لو كان أحد مستشاري الرئيس قد قال سابقًا إن الرئاسة لن تطعن عليه، فالأخيرة لم تقل ذلك في بيان رسمي لكنها أعلنت احترامها للحكم وتنفيذه وهو ما أكده بيانها الأخير. الرافضون للدستور والمفترون عليه سابقًا يتعلقون به الآن.. تلك هي القضية الأهم التي تفسر الأسلوب الذي تعمل به المعارضة وبسببه لا تستطيع إقناع الرأي العام بجديتها ونزوعها إلى الصالح العام وامتلاكها بدائل مقنعة. على أي حال هذا هو الحراك النشط الذي نرجوه لبناء القواعد الديمقراطية لمصر الجديدة وليس حشود الشوارع والميادين والاعتصامات والمولوتوف وتجييش الملثمين ومنصات الفضائيات. [email protected]