في كل مجتمع ، ولا سيما المجتمعات العربية ، دائما ما نجد أوصافا نمطية معينة تلتصق بشريحة اجتماعية أو جغرافية معينة ، ويتداول الناس هذه الصفات " المرحة " والتي قد تحمل في طياتها بعض السخرية وروح الفكاهة من تلك الشريحة ، وهي تعود إلى وقائع وأحداث تاريخية جرى تناقلها عبر الأدب والقصص الشعبي وكتب التاريخ ، ثم لاقت رواجا أكثر عبر الأفلام والمسرحيات والأفلام ، ثم أخيرا عبر شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، وقد لحقت بعض الصفات ببعض الفئات الاجتماعية في مصر، وبشكل أبرز بالنسبة ل " الصعايدة " ، أي من يقطنون في جنوب مصر " الصعيد " ، وجيرانهم من " النوبيين " ، وكذلك لحقت بعض الصفات باليهود أثناء وجودهم في مصر . ومن الأوصاف المتداولة بشكل واسع كلمة " استكراد " والتي تشيع في مصر بشكل خاص ، وكذلك في العراق وبلاد الشام ، وهي تعبر في المواقف التي يجري استخدامها فيها على أن الشخص الذي يتبرأ من حالة الاستكراد ( إنت هتستكردني ؟! ) ، يعني أنه ليس ساذجا أو أحمقا لكي " يستغفله " الآخرون ، وينفي عن نفسه صفة الغباء التي تحمل دلالتها كلمة " استكراد " التي يعود اشتقاقها تاريخيا إلى " الأكراد " في مصر حين كانوا يحكمونها في عهد صلاح الدين الأيوبي ، إذ كان رجال السلطة والعسكر فيهم يتسمون بقدر كبير من الطيبة والوداعة والتسامح والتواضع ، وذلك على عكس من كان قبلهم ، ومن جاء بعدهم . إذن فالكلمة " استكراد " في منشئها كانت تحمل معنى إيجابيا ، ولكن في مفهومها المعاصر أصبحت تحمل دلالة مزدوجة ، فهي بنسبتها إلى الكرد ، تعني : " أنني طيب ومتسامح " ، ولكن " لست ساذجا أو أبلها " وذلك هو المعنى السلبي الذي غلب على مفهومها الحالي ، والذي جاء من المبالغة في تسامح وطيبة الأكراد إلى درجة الغفلة أحيانا ! وهذه " الطيبة أو الغفلة " التي جرى المبالغة فيها شعبيا إلى " السذاجة والبلاهة " ، تلقي بظلالها التاريخية على موقف الساسة الأكراد في المرحلة الراهنة ، ونعني بذلك التطورات الأخيرة المتلاحقة في إقليم كردستان بالعراق ، فرغم أن العراق هي أكثر الدول التي بها أقلية كردية كانت أكثر مرونة تجاههم ، سياسيا وثقافيا ولغويا واجتماعيا ، ومنحتهم حكما ذاتيا بصلاحيات واسعة منذ سنوات ، وهو ما لم تفعله تركيا وإيران للأكراد ، ولكن الساسة الأكراد ، من الراحل جلال طالباني الذي كان أول كردي يتولى رئاسة جمهورية العراق بينما أقصى ما يأمله الأكراد في البلدين المجاورين هو أن يصل كردي لمنصب وزير إلى مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان الحالي الذي " ركب رأسه " وأصر بشكل غريب على إجراء " استفتاء " في الإقليم على الانفصال عن العراق . وإذا ألقى برزاني ببصره على تجربة عربية أخرى سابقة للانفصال ، ربما كان قد أعاد حساباته الخاطئة ، فتجربة انفصال جنوب السودان كانت فاشلة بامتياز ، وعلى مدى سنوات لم تشهد الدولة الوليدة أي نوع من الاستقرار ، بل تخيم عليها حرب أهلية بين القبائل والقوى المتنازعة فيها على السلطة ، وأصبحت توصم بالدولة الفاشلة على كل المستويات ، رغم أن الدعم الدولي لجنوب السودان كان أكثر ويمتد لأكثر من نصف قرن ، كما أنها وجدت ظهيرا إقليميا من الدول المجاورة داعما لاستقلالها ، وذلك على عكس المسألة الكردية إذ أن إقليم كردستان محاط بدولتين قويتين مستقرتين رافضتين بكل قوة لاستقلاله ، هما تركيا وإيران ، ولا يتنفس الإقليم إلا من خلالهما عبر المنافذ البرية والجوية ، ولا يوجد له منفذ بحري . ورغم التحذير الثلاثي من العراقوتركيا وإيران لبرزاني ، إلا إنه مضى في جموحه بإجراء استفتاء الانفصال ، مستندا إلى دعم صهيوني واضح وأمريكي مستتر ، كانت كل المؤشرات تؤكد أن هذا الدعم لن يؤتي أكله ولن يساهم في خلق دولة " كردستان " ، وأنه هدفه مجرد استنزاف الدول الثلاث ، فكانت النتيجة المنطقية أن هذا التحالف الثلاثي القوي فرض الحصار وأغلق معابر الحدود وأجواء الفضاء . وظل برزاني متشبثا بموقفه ولم يحرك ساكنا تجاه دعوات الحوار مع الحكومة المركزية في بغداد ، وكان يمكن له انتزاع مزيد من صلاحيات الحكم الذاتي في ظل هذه الأجواء ، ولكن تصلب موقفه غير المبرر دفع الدول الثلاث للتنسيق فيما بينها ، لتقوم القوات العراقية باجتياح كركوك وكافة المناطق المتنازع عليها مع بغداد بكل سهولة خلال ساعات قليلة ، في ظل انسحاب سريع مرتبك من قوات " البشمركة " الكردية ، ليفقد برزاني ورقة التفاوض الرابحة التي كانت في يده قبل إجراء الاستفتاء ، وقبل الاجتياح ، في موقف يتسم بالفعل بسذاجة سياسية مفرطة تذكرنا بمصطلح " الاستكراد " ! [email protected]