رئيس الطائفة الإنجيلية يشارك في احتفال رأس السنة الميلادية بكنيسة مصر الجديدة    رئيس البورصة المصرية: أغلب الشركات أبدوا موافقة على قرار مد التداول لنصف ساعة إضافية    سوريا.. قتيل وإصابات في صفوف الأمن بانتحاري يستهدف دورية في حلب    مواعيد مباريات دور ال 16 بأمم أفريقيا 2025    مصرع وإصابة 4 أشخاص في حادث بقنا    أحمد السقا عن سليمان عيد: مقدرتش أدفنه    ختام أنشطة البرنامج التدريبى للطاقة الشمسية فى بنبان بأسوان    محافظ الأقصر يسير على كورنيش النيل لمسافة 5 كيلومترات لمشاركة المواطنين استقبال العام الميلادي الجديد    خالد عكاشة: مصر أنجزت السلام بجهد وطني خالص وتدير أزمات الإقليم بصلابة    الرئيس الإيراني يدعو إلى التضامن بدلا من الاحتجاجات    خلال مشاركته المحتفلين بالعام الجديد في احتفالية شركة العاصمة الجديدة رئيس الوزراء يؤكد لدينا مؤشرات إيجابية تُبشر بسنوات من التقدم والتنمية    مدير التربية والتعليم يتفقد ورش تدريب المعلمين الجدد بالإسكندرية | صور    حبس الأب وصديقه فى واقعة خطف طفل بكفر الشيخ وعرضهما غدا على محكمة الجنح    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد مطعم المدن الجامعية للاطمئنان على جودة التغذية| صور    أحمد السقا يحسم الجدل حول عودته لطليقته مها الصغير    إليسا ب حفل العاصمة الجديدة: أحلى ليلة رأس السنة مع الشعب المصرى.. صور    أم الدنيا    الإفتاء: الدعاءُ في آخر العام بالمغفرة وفي أولِه بالإعانة من جملة الدعاء المشروع    مستشفيات جامعة بني سويف: إنقاذ مريضة مصابة بورم خبيث في بطانة الرحم والمبيض    محافظ الجيزة: أسواق اليوم الواحد حققت نجاحًا كبيرًا وافتتاح سوق جديد بإمبابة الأسبوع المقبل    كاف يعلن الاحتكام للقرعة لحسم صدارة المجموعة السادسة بأمم أفريقيا    28 يناير.. الحكم على طالبات مشاجرة مدرسة التجمع    كنوز| «الضاحك الباكي» يغرد في حفل تكريم كوكب الشرق    العثور على جثة شخص أمام مسجد عبد الرحيم القنائي بقنا    العملة الإيرانية تهوي إلى أدنى مستوى تاريخي وتفاقم الضغوط على الأسواق    معتز التوني عن نجاح بودكاست فضفضت أوي: القصة بدأت مع إبراهيم فايق    عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء    إكسترا نيوز: التصويت بانتخابات النواب يسير بسلاسة ويسر    هل يجوز الحرمان من الميراث بسبب الجحود أو شهادة الزور؟.. أمين الفتوى يجيب    ظهور مميز ل رامز جلال من داخل الحرم المكي    أمم أفريقيا 2025| انطلاق مباراة السودان وبوركينا فاسو    صلاح يواصل استعداداته لمواجهة بنين في ثمن نهائي أمم أفريقيا 2025    وزير «الصحة» يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لإحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد    خالد الجندي: الله يُكلم كل عبد بلغته يوم القيامة.. فيديو    "التعليم الفلسطينية": 7486 طالبًا استشهدوا في غزة والضفة الغربية منذ بداية 2025    وزير الصحة يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لاحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد المجيد    الداخلية تضبط تشكيلًا عصابيًا للنصب بانتحال صفة موظفي بنوك    بشرى سارة لأهالي أبو المطامير: بدء تنفيذ مستشفي مركزي على مساحة 5 أفدنة    حصاد 2025.. جامعة العاصمة ترسخ الوعي الوطني من خلال حصادًا نوعيًا للأنشطة العسكرية والتثقيفية    ذات يوم 31 ديسمبر 1915.. السلطان حسين كامل يستقبل الطالب طه حسين.. اتهامات لخطيب الجمعة بالكفر لإساءة استخدامه سورة "عبس وتولى" نفاقا للسلطان الذى قابل "الأعمى"    دون أي مجاملات.. السيسي: انتقاء أفضل العناصر للالتحاق بدورات الأكاديمية العسكرية المصرية    حصاد 2025| منتخب مصر يتأهل للمونديال ويتألق في أمم أفريقيا.. ووداع كأس العرب النقطة السلبية    دينيس براون: الأوضاع الإنسانية الراهنة في السودان صادمة للغاية    إيمري يوضح سبب عدم مصافحته أرتيتا بعد رباعية أرسنال    إجازة السبت والأحد لطلاب مدارس جولة الإعادة في انتخابات النواب بأسوان    وزارة الصحة: صرف الألبان العلاجية للمصابين بأمراض التمثيل الغذائى بالمجان    إصابة 8 عاملات في حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوي القاهرة–الإسكندرية بالبحيرة    صقور الجديان في مهمة الفوز.. السودان يواجه بوركينا فاسو اليوم في كأس أمم إفريقيا 2025    "القومي للمسرح" يطلق مبادرة"2026.. عامًا للاحتفاء بالفنانين المعاصرين"    السودان يواجه بوركينا فاسو في مباراة حاسمة.. صقور الجديان يسعون للوصافة بكأس أمم إفريقيا    السودان وبوركينا فاسو في مواجهة حاسمة بكأس أمم إفريقيا 2025.. تعرف على موعد المباراة والقنوات الناقلة    رابط التقديم للطلاب في المدارس المصرية اليابانية للعام الدراسي 2026/2027.. يبدأ غدا    محافظ أسيوط: عام 2025 شهد تقديم أكثر من 14 مليون خدمة طبية للمواطنين بالمحافظة    «اتصال» وImpact Management توقعان مذكرة تفاهم لدعم التوسع الإقليمي لشركات تكنولوجيا المعلومات المصرية    قصف وإطلاق نار اسرائيلي يستهدف مناطق بقطاع غزة    مصرع طفل صدمه قطار أثناء عبوره مزلقان العامرية بالفيوم    توتر متصاعد في البحر الأسود بعد هجوم مسيّرات على ميناء توابسه    رضوى الشربيني عن قرار المتحدة بمقاطعة مشاهير اللايفات: انتصار للمجتهدين ضد صناع الضجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصر أكبر من الباشا والزعيم والمعلم .. ومن سؤال الهوية

■ انتهت الحلمية إلى الأبد. وعندما تحاسب نفسك ستقيس بمعيار: إلى أى مدى تحقق الحلم الذى يرتبط عادة بفعل الكتابة؟ إلى أى مدى أنت راض عن «الليالى»؟
- تحقق الكثير، لكن المؤشر المهم هو درجة استجابة الناس. فأنا لا أقيس النجاح أو الفشل إلا بهذا المعيار، وأعتقد أن الحلمية حققت تأثيراً من هذه الناحية أكثر مما كنت أتوقع.
الحلمية، على مستوى الدراما أو الفن ستظل حافزاً لأعمال كثيرة قادمة، وتحدياً حقيقياً لكل من عملوا فيها وليس فقط بالنسبة لى. الحلمية من هذه الناحية أصبحت كعداء حقق رقماً قياسياً وعلى الآخرين- من بعد- أن يحطموه.
على المستوى السياسى أعتقد أن الحلمية أثرت كثيراً فى مفاهيم الناس ورؤيتهم لما يجرى. وهى أول عمل فنى يجمع كل الملاحظات المتناثرة للناس على حياتهم وسياسة بلدهم وتاريخها القريب، وأعتقد أنه من جملة الملاحظات التى تكونت أصبح المشاهدون أكثر تمسكاً بضرورة تجاوز مستوى الجدية الذى حققته الحلمية. أما على المستوى الفكرى فقد فرض المسلسل إنجازاً كبيراً فى مجال الأدب التليفزيونى، ولم يعد سهلاً تجاوز هذه القضية.
أخيراً.. فالحلمية لم تكن نصاً والسلام. إنما تطورت لدرجة أنها أصبحت «حالة» بالنسبة للممثلين. هناك تاريخ طويل لكل شخصية عبر ثلاثة أجزاء سابقة، هناك أيضاً حالة الانتشاء بالنجاح الجماعى، جعلت الممثلين فى سباق مع أنفسهم والآخرين لتأكيد هذا النجاح.
■ على ذكر الشخصية المرسومة يأتى الحديث عن سليم البدرى: كان واضحاً أنك وضعت فيه ثلاثة أرباع ما تعلمته فى الدراما.. لا لشىء إلا لتقول: إن سليم البدرى هو نموذج ل«الرأسمالى» الذى تحتاجه مصر، ما كل هذا الإعجاب يا أستاذ أسامة؟!
- أولاً: من هو سليم البدرى؟ هو ممثل الرأسمالية المصرية، وهذا واضح من الجزء الأول. ما لناش دعوة بالإقطاع.. ما لناش دعوة بالباشوات «الوحشين» الذين كانوا يضربون الفلاحين بالكرابيج ويغتصبون بناتهم.. لأن هذا نوع من ال«ستريو تايب» عولج فى أعمال كثيرة عقب ثورة يوليو مباشرة، وكان الغرض منه تكتيل مشاعر الناس فى اتجاه أهدافها وأحلامها.. إلى حد أصبحت كلمة «باشا» مرادفاً لسلوكيات وأنماط من البشر مكروهين ومتجبرين و«أولاد ستين كلب»!!
عندما كتبت الحلمية حاولت قدر جهدى أن أفلت من هذه المصيدة. لم أكن أريد الباشا على طريقة زكى رستم.. الباشا النمطى بتاع الأفلام المصرية، وإنما أردت أن أكتب عن باشا يمثل طبقة. وتعمدت أن يكون سليم من أسرة صغيرة فى الأصل. وقلت فى الجزء الأول إن جده كان عاملاً فى أول ترسانة أنشأها محمد على، ومن ثم فأصوله الأسرية لا هى أرستقراطية ولا هى منتمية للأتراك.. بالعكس هى أصول مصرية.. عمالية.. والسؤال كيف تكونت ثروات هؤلاء الناس؟
إسماعيل البدرى- والد سليم- لم تكن ثروته من عمل طفيلى أو بالنهب إنما هو رجل أرسى صناعة لها فى مصر تاريخ طويل ومهم هى صناعة الغزل والنسيج. ودوره كان ككل المصريين الذين ساهموا فى بناء اقتصادى مصرى سليم.. صح!!
لا يهمنى أن ثورة يوليو قد جاءت بعد ذلك واختلفت مع هؤلاء الناس وأممتهم.. ولا يهمنى إن كان ذلك قراراً صائباً أم خاطئاً. فنحن نعرف أن من أهم أخطاء الثورة أن قرارات التأميم شملت رجلاً مثل سيد ياسين، وفشلت صناعة الزجاج فى مصر لهذا السبب. هناك عناصر من هذه الطبقة قدمت للرأسمالية المصرية وللصناعة المصرية خدمات عظيمة. طلعت حرب وسيد ياسين ومحمد فرغلى باشا ليسوا باشوات بقدر ما هم رجال اقتصاد وطنيون.. وكذلك سليم البدرى.
نحن نحتاج رأسمالياً ماركة سليم البدرى، ليس دفاعاً عن سليم كممثل للباشوات أو الإقطاع أو الرأسمالية المستقلة كما سماها الميثاق إنما دفاعاً عن أمر واقع كان موجوداً قبل الثورة. فمادامت العجلة دارت إلى الوراء.. لابد أن يكون هذا هو الخيار، وأن يكون سليم البدرى هو المثال الذى نحتذيه. وأعتقد أن شخصية سليم كانت من الغنى والثراء (ليس المادى) بحيث لم يكن ممكناً أن تتحول إلى نمط.. إنما مزيج من كل حاجة.
■ وضعت سليم فى مواجهة مع ابنه على البدرى، وحسمت الصراع بين على «ابن علية» وعلى «ابن سليم».. لصالح الأخير، وكنت قاسياً فى «تأزيم» على.. ابن الاثنين.. ما الحكاية؟
- لا تقس الأمور بمعيار أخلاقى، عندما نتحدث عن «على» لابد أن نتحدث عن ناجى السماحى، الأول لم يستطع - بسبب كثرة الصدمات - أن يستمر كما كان، هذا مستحيل على المستوى الفكرى والنفسى والإنسانى، وخطأ من الناحية الدرامية، لماذا؟ لأن على هو ابن سليم (هذا ما قالته أنيسة فى أحد المشاهد)، فأين المواجهة..!!
على.. ليس بالضبط رمزاً للناصريين لكى يقال إنها «مواجهة».. على واحد من ملايين الشباب الذين ارتطمت أحلامهم بالأرض فى 67.. حاولوا أن يستعيدوا توازنهم بعد ذلك.. توحدوا بشكل أكبر مع شعارات المرحلة، دخل منظمة الشباب والتنظيم الطليعى، وفوجئ بسبب انتمائه أنه صار متآمراً خائناً ودخل السجن بحكم محكمة، خرج يبحث عن قشة يتعلق بها، وكان كل شىء قد أصبح حطاماً، لم تكن هناك مؤسسة أو نظام يستوعبه.. إلا ثروة سليم باشا، ثروة تتيح له فرصة الرد على كل من داسوا أحلامه وقهروه.. فكيف نلومه على هذا التحول؟ كيف تقول إننى كنت قاسياً فى «تأزيمه»؟ وكيف تقول إننى انتصرت لسليم ابن الملك والاحتلال والإقطاع.. على حساب على.. ابن الأحلام الكبيرة والانكسارات الأكبر!
■ لم نشعر فى المسلسل بأن عبدالناصر «تأثر» بما حدث بعد النكسة، لم نسمع كلمة إدانة واحدة له.. على لسان أى من الشخصيات، رغم اختلاف مواقفهم منه، بمن فيهم عاصم السلحدار (الشيوعى المتطرف).. وباستثناء شماتة سمو الأميرة نورهان (سمية الألفى)، واليهودى المصرى الأصل «داود»؟
- الشعب المصرى يجيد الحكم على الناس جيداً ولم يستطع حاكم فى تاريخ مصر أن يخدع هذا الشعب حتى لو بدا مستسلماً، دعك مما حدث يومى 9 و10 يونيو، فقد يكون ما حدث.. قد حدث تحت تأثير اللطمة المفاجئة، لكن.. ما قولكم فى موقف الناس من جنازة عبدالناصر، وموقفهم من جنازة السادات، الأول «هزمنا» فى يونيو كما يقول القائلون، والثانى «عبر» بنا فى أكتوبر.
ورغم ذلك: شوف الفرق!! الشعب المصرى أجاد الحكم على عبدالناصر وعرف مأساته الحقيقية، عرف أنه راجل جدع قوى.. بس يا عينى رسموا له «الخية» ووقع فيها، والمشهد الفاجع يوم وفاته.. لم يكن تعبيراً عن الحب فقط.. وإنما عن إحساس الناس بأن الرجل الذى كان باستطاعته أن يصلح ما فسد... مات، يعنى خلاص.. رحنا فى داهية، ومع ذلك.. لم يخل مسلسل (ليالى الحلمية) من عبارات تبلغ حد السخرية من عبدالناصر، وعلى لسان جميع الشخصيات بمن فيهم زينهم السماحى، ويوم أخذوا زكريا (سيد عزمى) ليلة زفافه ليعتقلوه.. عبر زينهم عن خيبة أمله قائلاً: يا خسارة يا جمال.. ماكانش العشم!!
هذه النغمة.. تتردد فى المسلسل من وقت لآخر لأنى سمعتها، أنا شخصياً كتبت رسالة لعبدالناصر وقتها (طبعاً لم يقرأها لأنها بالتأكيد لم تصله..)، قلت له فيها: إنت جاى دلوقتى تقول مراكز القوى عملت وسوت.. أمال انت كنت فين؟.. كنت نايم..؟ لم أكن أعرف - كمواطن عادى - أن هناك صراعاً بين المؤسستين السياسية والعسكرية، وأن عبدالناصر ليس مطلق اليد كما كنا نتصور، وأنه فشل مثلاً فى تغيير قائد الطيران - محمد صدقى محمود - بعد 1956، وعجز عن فصل ضابط صاعقة يسمى جلال هريدى بعد فشل تجربة الوحدة عام 1961..
كل ذلك وغيره عرفته فيما بعد.. إنما وقتها كان عبدالناصر موضع انتقاد الجميع وسخريتهم، وهذا قيل فى (ليالى الحلمية)، وإن كنت لم أذكر ما كان يردده بعض الشامتين والكارهين، واكتفيت بما قاله سليم البدرى: مش حتبطلوا الكلام ده.. إنتو لسه بتقولوا نفس الكلام.. مش كفاية اللى حصل..!!، وهذا يؤكد من ناحية أخرى أن سليم البدرى لم يكن متعاطفاً مع عبدالناصر، وإنما مع قضية بلده، فأنا حاولت بشكل صادق وأمين أن أقول كل ما كان يقال.
■ طوال حلقات المسلسل.. تلح على تبرئة ساحة عبدالناصر مما حدث، وتلقى بكل التهم والمسؤوليات على من حوله، وهناك رأى ماركسى يقول إن هذا التدنى تجاه الزعيم المعصوم، ضحية حاشيته الفاسدة، إنما يعد تعبيراً عن خلل فى الفهم والوعى، لم ينج منه حتى الماركسيون أنفسهم الذين أصيب بعضهم بانتكاسة - عقب هزيمة يونيو - وآثر أن يحمّل الفروع جرائم يخشى أن يواجه بها الأصول، وانتهى الأمر بتتويج عبدالناصر «إلهاً» فى وجدان الناس.. ما قولك؟
- اسمح لى أن أسأل: من الذى صنع من ستالين إلهاً؟ أليسوا هم الماركسيين؟ مسألة مهابة الحاكم أو تأليهه فى مصر.. تراث لا يخص عبدالناصر وحده، ولكنه ممتد من أيام الفراعنة، من أيام: (أنا ربكم الأعلى)، (وهذه الأنهار تجرى من تحتى).
ورغم ذلك.. لم يكن هناك تأليه لعبدالناصر بهذه الطريقة، الناس توحدوا مع عبدالناصر منذ أن قال: ارفع رأسك يا أخى، لأن ذلك يمثل للشعب المصرى نوعاً من رد الاعتبار.. نوعاً من الكرامة التى أهدرتها سنوات طويلة من القهر والخنوع للأجنبى، الشعب المصرى رفع عبدالناصر إلى هذه المكانة ليس خوفاً من بطشه، وإنما لأن هذه إرادته ورغبته، وما يقال عن تأليه عبدالناصر.. لا يعدو أن يكون «ثرثرة ماركسية» عفا عليها الزمن، لأنهم ناس عجزوا - أساساً - عن تحليل واقعهم وفهم شعبهم، وهذه كارثة اليسار المصرى منذ بدايته.
■ لماذا أعدت فى «أرابيسك» طرح سؤال الهوية وأنت تدرك صعوبة الإجابة عنه؟.. ومتى: عقب غزو العراق للكويت؟
- كان هناك سببان: أولهما تأكيد هويتنا كمصريين. وثانيهما مواجهة الاتجاهات الأصولية التى تدّعى أنه لا يوجد شىء اسمه «وطن»، وأن هناك شيئاً واحداً هو «الدين»، ومن ثم لا ينبغى وفقاً لأصحاب هذه الاتجاهات أن تقول «أنا مصرى»، بل «أنا مسلم»، تماماً كاليهود.
وأنا أرى- وهذا ما قلته فى مسلسل «أرابيسك» أنه لا يوجد شىء يسمى «القومية الإسلامية» ولا يوجد أيضاً «قومية عربية» بل هناك «قومية مصرية». أقول هذا وقد كنت لفترة طويلة ومهمة من حياتى «قومياً عربياً» وإيمانى بالقومية العربية لم يكن محل مساومة أو شك.
ولكن دعنا نتفق على أن حرب الخليج الثانية أجهزت تماماً على هذه المسألة. والحق أننا- تاريخياً- لن نعثر على دليل واحد يؤكد أن الوحدة العربية قد تحققت فى أى يوم، ولك أن تتأمل أحوال اليمنين- الشمالى والجنوبى- وما جرى لوحدتهما.
■ هل يصلح نموذج حسن فتح الله النعمانى الشهير ب«حسن أرابيسك» مدخلاً لتعريف الشخصية المصرية، أو الهوية المصرية؟
- حسن النعمانى نموذج للإنسان المصرى الضائع، لا أقول إنه رمز، ولكنه تعبير واقعى عن أزمة هوية تعيشها مصر وتتبلور بصورة قاطعة هذه الأيام. لقد فقدنا الاتجاه، وحدث لنا نوع من «الفركشة» أو الحيرة، وأثيرت المشكلة على مستوى مفكرين ومثقفين كثيرين فيما سمى بثنائية «الأصالة والمعاصرة» ولم يصل أى منهم لحل.
المهم أن حسن أرابيسك- عودة إلى سؤالك- لم يكن تعبيراً خالصاً عن الشخصية المصرية، ولكنه يحمل أبرز ملامحها وسماتها. حسن يملك قدرات هائلة، لكن الظروف التى تحيط به.. أكثر قوة وقهراً. فهو رجل مبدع فى فنه.. لكنه أضعف من أن يسيطر على إحباطاته، وتلك هى مشكلة كل المصريين: فكلهم حسن أرابيسك، حسن الذى «يستطيع.. لكنه لا يفعل» لذا سمى المسلسل «أيام حسن النعمانى» ولم يكن «بكائية» كما فهم البعض!
■ هل تعتقد أنك وفقت فى الوصول إلى تعريف مبدئى للهوية المصرية؟ وما معنى اختيار «الأرابيسك» وهو فن عربى عنواناً للمسلسل؟
- سؤال المسلسل الرئيسى كما تعلم هو: من نحن! إذا عرفنا من نكون.. سنعرف ماذا نريد. هل نحن فراعنة أم عرب أم أتراك أم أقباط أم بحر متوسط! مبدئياً.. لا شىء يعبر عن هوية شعب أفضل من فنونه، فهل هناك فن مصرى خالص؟ قلنا: الأرابيسك. ولكن الأرابيسك فن عربى إسلامى، وأصوله غير مصرية.
البعض يرى أنه فن مملوكى، ولكن هناك من يرى أنه فن فاطمى. ويستندون فى ذلك إلى واقعة تاريخية معروفة هى أن الخشب شح فى أيام الفاطميين، فاعتمدوا على «كسر» الخشب- أى شظاياه وقطعه الصغيرة- حيث نظفوها وهذبوها وعشقوها- بتشديد الشين- بعضها فى بعض لتشكل فى النهاية قطعة الأرابيسك غير أننى أميل إلى الاعتقاد بأن هذا غير صحيح، لأن الكنائس المصرية القديمة التى كانت موجودة فى مصر قبل أن يدخلها العرب- مثل الكنيسة المعلقة- كان بها قطع فنية تنتمى إلى الأرابيسك.
وعدنا إلى سؤالنا: هل هناك فن مصرى؟ أنا أقول إنه بإمكاننا أن يكون لنا فن خاص يساعدنا على اجتياز الهوة التاريخية التى نعيش فيها، بدلاً من أن نظل خاضعين لثقافات وحضارات أخرى!
■ هل حكمت هاشم فى «ضمير أبلة حكمت» شخصية من لحم ودم، أم أنها مجموعة أفكار وقيم ومُثُل وأحلام؟ وفى أى من الحالتين ما المقصود درامياً بذلك؟
- الأمر الثانى هو الأقرب إلى الصواب، حكمت هاشم شخصية من نوع حاملة الفكرة أو الرسالة، فى مسلسل يعتمد فى بنائه على قضية مباشرة وعامة وليست خاصة، بمعنى أنها ليست قضية ناس فى ظروف افتراضية يفترضها الكاتب لكى يروى حدوتة أو يحكى حكاية.. فهنا لازم الشخصيات تبقى درامية بمعنى، أو كما تعودت فى أعمالى السابقة.. لا أميل لعملية (الاستقطاب) فى الشخصية بين الخير والشر، لا أميل لأن تكون هناك شخصية سوداء كل السواد أو بيضاء كل البياض.
إنما فى مسلسل يعتمد على تناول فكرة أو مشكلة عامة، مسلسل ينتهج نهج الدراما التوجيهية ولا أقول «التعليمية» حتى لا يختلط اللفظ بموضوع المسلسل - فهو دراما موجهة بمعنى أنها تتناول قضية عامة، مشكلة عامة تهم بلداً بأكمله وليست مقصورة على فئة من الفئات أو مجموعة من المجموعات.
فى مسلسل من هذا النوع لابد أن تكون هناك الشخصية حاملة الفكر، الشخصية التى تبدو كالمجموعة التجريبية فى أبحاث علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعى، الذى هو تثبيت مجموعة لاختبار المجموعات الأخرى ف«حكمت» نقدر نقول عليها الشخصية المقابلة للمجموعة التجريبية بمعنى أن أقول: ماذا يمكن أن يواجه إنسان أو شخص فاهم المسألة صح؟ معتمد ضميره فى كل أعماله؟ ومش أى شخص.. ده شخص قايم بمهمة جليلة وخطيرة هى التربية والتعليم.
■ إلى أى مدى يمكن خلق نموذج قريب من حكمت على أرض الواقع؟ وكيف؟
- أزعم إن ممكن خلق النموذج المطابق مش القريب فقط. لو حليِّنا المعضلة التى هى: كيف تعد البشر؟ كيف تربى المدرس؟ ما انت لازم تربى المدرس كويس عشان هو يربى التلميذ كويس.
رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة وحالة المدارس عندنا إنما هذه نقطة فرعية وليست الأساس. الأساس هو المدرس، وفاقد الشىء لا يعطيه مثلما قالت حكمت فى أحد المشاهد.
المدرس إحنا بنعده إزاى دلوقتى؟ بندخله معاهد أو كليات نحشى دماغه بنفس طريقة حشو التلميذ. هو تحفيظ وليست مسألة إعداد مهنى وعلمى حقيقى يعنى إحنا مثلاً نلاقى المسألة عندنا مقلوبة.. نجيب مدرس الابتدائى من خريجى المعلمين والمعلمات، فى حين إن ده إللى لازم يكون معاه دراسات عليا. ده المفروض لكن النظام عندنا مقلوب.
وبعدين المدرس هذا بنعلمه إيه فى كليات ومعاهد التربية؟ نظريات يرددها مثل البغبغان إنما هو كبنى آدم.. إتربى إزاى عشان يبقى مدرس؟
ده أنا لازم أبدأ معاه من ثانوى، مشاكله إيه، نشأته، بيخضع لإشراف نفسى ولاَّ لأ.. باتابعه طول مدة دراسته وأعمل له دراسات عملية حقيقية وأعيشه فى جو التربية الحقيقى ولاَّ لأ؟
(هذا الحوار مقتطفات من مجموعة حوارات متعاقبة مع الكاتب الراحل)
فيديو جنازة «سيد الدراما التليفزيونية» على الرابط التالى:


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.