الحمد لله أن لدينا نظاماً سياسياً فى مصر يجعل وزير الداخلية «عملياً» فى منزلة أعلى من نواب الأغلبية، لا يجرؤون على استجوابه، ويخاطبونه من وراء حجاب، وتهز «هيبته» صدورهم من الداخل، فلا يحاولون مساءلته، ولا تكليفه باتخاذ إجراءات ما. الحمد لله أن نائب الوطنى نشأت القصاص يعترف بأنه لا يملك أن يقدم استجواباً لوزير الداخلية، كما قال نصاً خلال اجتماع لجنتى الدفاع والأمن القومى وحقوق الإنسان. من المفترض أن نحمد الله على المكانة التى منحها النظام لوزير الداخلية، والحصانة «العملية» التى أحاطه بها باعتباره مسؤولاً سيادياً، والثقافة التى زرعها الحزب الوطنى فى عقول نوابه لتجعلهم يعتبرون استجواب وزير الداخلية أحد المستحيلات التى لا تتحقق، فلو كان الوضع عكس ذلك، لما تمكن وزير الداخلية من تجاهل مطالبة نواب الأغلبية له بإطلاق النار على المتظاهرين فى الشارع. لنحمد الله إذن أننا لا نملك برلماناً قادراً على فرض كلمته وقراره وإرادته على وزير الداخلية، وإلا لنصبت الأغلبية للوزير محاكمة بسبب «حنيته الزائدة» مع المتظاهرين، واكتفاء قواته بضربهم وسحلهم واعتقالهم دون ضربهم بالنار، حسب ما يتمنى نواب الأغلبية. دعك مما قاله اللواء حامد راشد، مساعد وزير الداخلية، من أن القانون أجاز استخدام القوة والسلاح ضد من يحاولون المساس بالأمن العام، فأنت تعرف أنه يتحدث فى عموميات، الهدف منها منح قدر من الوجاهة القانونية لكلام نواب الأغلبية السخيف، وأراد أن يبدى انحيازاً طبيعياً لهم فى مشاجرتهم الدائمة مع نواب الإخوان والمستقلين، لكن راشد أيضاً يدرك تماماً أن هناك قيوداً قانونية كثيرة على إطلاق ضباط الشرطة النار على المتهمين، ولوائح صارمة يتعلمها ضابط الشرطة فى بداية مشواره تجعل استخدام الإطلاق المباشر للنار آخر الخيارات فى التعامل مع المجرمين، وأعرف واقعة شهيرة قبل سنوات عوقب فيها ضابط شرطة لأنه أطلق النار على تاجر مخدرات كان يطارده وأرداه قتيلاً، فيما أفادت التحقيقات وشهادات الشهود بأن المتهم كان قد استسلم، ولم يكن هناك داع لإطلاق النار عليه. يفرض القانون على ضباط الشرطة أقصى درجات الحذر فى إطلاق النار المباشر حتى لو كان المتهمون تجار مخدرات، أو مهربين أو مسجلين خطر، لكن نواب الأغلبية يطالبون الضباط بتجاوز كل ذلك مع متظاهرين يعبرون عن موقف سياسى، لا يخالفون دستوراً ولا قانوناً، وإذا خالفوا لا يليق أن تكون عقوبتهم الإعدام رمياً بالرصاص فى الشارع وكأنهم «كلاب ضالة» فى دولة فيها مؤسسات قضائية وقانون. لا أعرف إذا كانت قيادات الحزب الوطنى راضية عن تفشى هذا الاتجاه «النازى» فى عقول نواب الحزب، والوصول إلى أقصى تفكير ممكن فى التعامل مع المختلفين فى الرأى، بهذا القدر من الهمجية والاحتقار والاستعلاء، حتى أن أحدهم قال قاصداً المتظاهرين: «إحنا 80 مليون.. بناقص دول»، فى استخفاف لا يليق بحياة الناس، وإهانة بالغة لكرامة المصريين، وإساءة لمكانة نائب الشعب، تستوجب المساءلة الحزبية والبرلمانية. ما حدث فى البرلمان أمس الأول كان تحريضاً مباشراً على حياة المصريين، وإرهاباً لكل من يفكر فى التعبير عن موقفه السياسى بمظاهرة فى الشارع، فإذا لم يعتذر عنه الحزب وقياداته، فيكفيه «عاراً» أن بين أعضائه من يحرض على القتل، ويستخف بالحياة..! [email protected]