كيف نبنى ديمقراطية حقيقية وهم دعاة المشاركة فى وطن يحتضن الجميع منها براء؟ ثار الإعلام وهاج وماج فى اليوم الأول من التصويت على الانتخابات الرئاسية بسبب خلو اللجان من الناخبين وضعف المشاركة, انقلبت الدنيا على رؤوس المواطنين لمجرد هاجس من وحى خيالهم المريض, صور لهم بأن كارثة التصويت الضعيف مؤشر خطر يزحف نحو شرعية الرئيس, وصدر الكثير من الإعلاميين حالة الذعر والقلق للناس دون مبرر, حتى إن هذا السيل من السباب والشتائم الذى خرج عن حدود الأدب واللياقة مس قطاعا كبيرا من الشعب دون تمييز, وكان بالطبع مادة دسمة تلقفها المغرضون على طبق من ذهب ليتم تداولها فى قوالب معكوسة واجتزاء ما لذ وطاب لهم منها على غير الحقيقة, فبدت القنوات الفضائية فى وصلة من الردح والاستجداء والتسول المهين الذى أضر أكثر مما نفع كلا المرشحين, على الرغم من أن النتائج الأولية للناخبين الذين أدلوا بأصواتهم فى الانتخابات تجاوزت 26 مليون صوت, فما الداعى إذن لكل هذا الصخب والبلبلة المصطنعة؟! فى كل دول العالم، بما فيها الدول الأكثر تقدما وديمقراطية, لا تتعدى نسبة التصويت فى الانتخابات الرئاسية أو غيرها أكثر من 40 % على أكثر تقدير, وهذا أمر طبيعى متعارف عليه دوليا ولا يستدعى كل هذا النواح والولولة الإعلامية فى كل القنوات الفضائية لدرجة أزعجت الجميع, ولفتت انتباه الغرب إلى ظاهرة مستهجنة صنفت على أنها إرهاب للناخب ولى ذراعه وإذعانه كى يدلى بصوته, بل ذهب الأمر لأكثر من ذلك ولوح بتوقيع عقوبة بالغرامة 500 جنيه لكل من لم يدل بصوته, الأمر الذى راق كثيرا لجماعة الاخوان وبدأت تنفث سمومها فى كل تجاه وتتهكم وتسخر على مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة. الديمقراطية تعنى احترام الآخر وليس قمعه أو تعنيفه, وأبسط مقومات الاحترام تكمن فى حرية الرأى والاختيار سواء سلبا أو إيجابا طالما لا يشكل تهديدا للأمن القومى للبلاد, لكن ما رأيناه فى الأيام السابقة كشف عن حجم الغطرسة والغرور لدى بعض الإعلاميين، الذى لا يصب فى مصلحة أحد سواهم . نطالب بالديمقراطية ولا يبدو فى الأفق أى مؤشر لتبنيها أو حتى السير على خطاها, ونحن على أعتاب عهد جديد وكلنا أمل ورجاء فى تحسين حياة كانت والعدم سواء, نتطلع بعيون شاخصة للمستقبل ويأكلنا القلق والهواجس, تملؤنا التساؤلات المتخمة بالشك ونحن نترقب الخطاب الأول لرئيس مصر الجديدة ماذا سيقول للشعب؟ وبماذا سيطمئن نفوسهم المثقلة بالهموم؟ فقد ذهبت السكرة وجاءت الفكرة وحان وقت العمل والمشاركة فى وطن نظيف, لا يشفع فيه غلو العواطف ولا حقد المواقف, بل الاعتدال والتوازن والنهوض بالحاضر والارتقاء بالمستقبل, الديمقراطية ليست مجرد اسم نردده على ألسنتنا دون إدراك لقيمتها أو فهم لمعناها, فهى واحة الحرية التى بحثنا عنها وثرنا من أجلها، كما أنها مسؤولية لا تحتمل العبث بها. لم يعد خافياً على أحِد حجم الأزمة بين جيل الكبار وجيل الشباب فى مصر والذى يمكننا أن نطلق عليه مجازاً جيل الثورة, هذه الأزمة التى بدأت بشائرها مع انطلاق ثورة يناير والتى كان آراء الأغلبية من الجيل الاكبر حينها أن الشباب يخربون الوطن بما يفعلونه وأن عليهم القبول بما يقوله الرئيس مبارك وأن عدم احترامهم لسنه وتاريخه هو قلة أدب وده جيل مترباش إلى آخر هذه المقولات التى يعرفها الجميع ورغم سرعة تبدل هذه المرادفات فى أوقات نجاح الشباب مثل التنحى و30 يونيو إلا أنكم جيل عظيم وقد فعلتم ما لم نستطع نحن أن نفعله..إلخ. إلا أن هناك شرخا ظل يتمدد بين جيلين يؤمن كل منهما أنه يقوم بدوره لصالح مصر من وجهة نظره, ومع نبرة الاستعلاء الجيلى التى صاحبت جيل الثورة اتجاه الاجيال الأكبر منه تحت قناعة البعض منهم بأن الأجيال الأكبر لم تفعل شيئا من أجل تغيير الواقع المصرى بكل مساوئه وأنه جيل رضى بالاستبداد والقهر ولم يتحرك لكى يطالب بالحرية. زادت المشكلة وبدلاً من أن يسعى الجيل الاكبر للتقارب ومحاولة استيعاب هذا الجيل الثائر, اكتفى بأن تصوره عن جيل الشباب كان صحيحاً وأنه جيل جاهل ولا يعرف كيف يتحدث مع من هم اكبر منه سناً ومقاماً. وتناسى هؤلاء الكبار انهم يتحدثون عن جيل انفتح على العالم واصبح بإمكانه أن يسافر إلى آخر بلاد الدنيا بضغطة زر على هاتفه الصغير! ويتعارف على ثقافات اخرى يجد فيها الانسان وقد اصبحت حقوقه أشبه بالنصوص المقدسة التى لا يمكن لأحد أن يتجاوزها فى حين أن قيمته فى وطنه قد تكون فى أغلب الاحيان أقل من قيمة ورقة مختومة بختم حكومى! ولايزالون يتساءلون لماذا يثور الشباب ولماذا يغضب ؟ والحقيقة انكم قد رأيتم من وطنكم ما لم يره هذا الجيل فقد تعلمتم فى مدارس الدولة ما لم يتعلمه وتربيتم فى ظروف اقتصادية أفضل حالا من ظروفه وكنتم ترون الحلم واضحا أمامكم فى حين لم يجد أمامه هو سوى اليأس والفشل وخطاب التعجيز وجملة انتم كتير أجيبلكم منين؟ فربما يكونون قساة فى احكامهم أو مخطئون فى آرائهم او قليلى الخبرة بحكم العمر ولكن ألا يستحق أبناؤكم أن تفتحوا لهم قلوبكم قبل عقولكم ألا يحتاجون منكم أن تستمعوا لآلامهم وأحلامهم! كم أب او أم فى هذا الوطن فكروا أن يسألوا أبناءهم عن ما يحبطهم ويبعدهم عنهم؟ وعما يكرهونه فى معاملتهم لهم؟ كم مسؤول فى هذا الوطن فكر فى أن يستمع لرأى مرؤسيه فيه ولو كتابة فى تقييم سنوى لا يكتب فيه اسم من يدونه, ليعرف رأى مرؤسيه بأسلوب عمله وما يكرهونه فيه وما يحبونه بعيداً عن الحفلات ومؤتمرات التهليل والنفاق التى يحكمها الخوف أكثر مما يحكمها الصدق؟ الطريق واضح ياسادة فإما أن تستمعوا إليهم وإما أن تتحملوا وحدكم ما قد يحدث نتيجة إصراركم على لعب دور الوصى على جيل أبى ان يرفض وصاية احد إلا بعقله. ويكفى ان حاضرهذا الجيل هو مستقبلكم العثر, فاتركوا لهم المستقبل ليصنعوه علهم ينجحون, وإن فشلوا تحملوا نتيجة فشلهم وحدهم فهذا مستقبلهم وتلك ايامهم؟ وأما عن استقرار الوطن الذى تنشدون وترون أن هذا الجيل خطر عليه فاطمئنوا فإن هذا الجيل ايضاً يبحث عن الاستقرار وينشده.. ولكنه بالتأكيد لن يكون استقرارا فى القاع.