بعد اللحوم والأسماك…ارتفاع أسعار الدواجن يحرم المصريين من البروتين    محافظ الدقهلية: خطة شاملة لإخلاء كافة تجمعات القمامة من قطع الأراضى الفضاء    خبير: إعادة تشكيل أسواق الطاقة عالميًا وارتفاعات متوقعة في أسعار النفط    مسؤول إيراني: بدأنا بالفعل في خفض إنتاج النفط    اليونيفيل تقدم مساعدات لدعم نازحي برعشيت فى جنوب لبنان    الموريتاني دحان بيدا حكمًا لمباراة الزمالك واتحاد العاصمة في ذهاب نهائي الكونفدرالية    وفاة موظف بجامعة الوادي خلال مشاركته ببطولة الاتحاد العام للعاملين بالحكومة برأس البر    كاف يعلن موعد انطلاق وختام كأس الأمم الأفريقية 2027    ارتكبت 8 وقائع نصب إلكتروني، نيابة الأموال العامة: فحص هواتف وأجهزة عصابة "الطرود الوهمية"    إخماد حريق داخل فيلا فى التجمع دون إصابات    إصابة 5 أشخاص إثر حادث تصادم سيارتين بمحور 26 يوليو    أمطار ورياح.. "الأرصاد" تحذر من طقس الساعات المقبلة    رحيل أسطورة الرقص الشرقي في مصر.. وفاة سهير زكي بعد مسيرة حافلة    خبير طيران: الأزمة الإقليمية تضرب حركة القطاع وترفع أسعار التذاكر عالميًا    أحرقت بدل الرقص واعتزلت من أجل الحب، الوجه الآخر في حياة سهير زكي    وزير الصحة يستقبل بابا الروم الأرثوذكس لبحث إنشاء مستشفى بالإسكندرية    سلوت يوضح دور إيزاك في خطة ليفربول لتعويض رحيل صلاح    كورتوا يقترب من حراسة مرمى ريال مدريد بالكلاسيكو    الصحة توضح ضوابط سحب تراخيص الأطباء لحماية المرضى    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا    وزيرا خارجية الكويت وباكستان يبحثان التطورات الإقليمية    الإمارات تعلن رفع الإجراءات الاحترازية على حركة الطيران    دماء فى موكب زفاف بالشيخ زايد.. الأمن يضبط المتهمين بسحل موظف وإصابته    مقتل 6 أشخاص في حريق اندلع في صالون تدليك للقدمين بوسط الصين    نشرة الشروق الاقتصادية 2 مايو 2026: اكتشاف جديد للغاز في دلتا النيل وتوقعات بتراجع سعر الذهب عالميا    فوز طالب بهندسة القاهرة بالميدالية الذهبية والمركز الأول عالميا فى جائزة تشارلز ماين    المهن التمثيلية تتابع حريق لوكيشن "بيت بابا 2" وتطمئن على فريق العمل    في دورته الأربعين.. معرض تونس الدولي للكتاب يتوج المبدعين و"إندونيسيا" ضيف شرف    ننشر أبرز أنشطة وفعاليات جامعة أسيوط خلال أسبوع    مستشفيات سوهاج الجامعية تستقبل أكثر من 45 ألف مريض وتجري 17 ألف جراحة    زيارة مفاجئة لوكيل صحة أسيوط لمستشفى البداري المركزي    عالم بالأوقاف يوضح سر الصحابي الذي بشره الرسول بالجنة 3 مرات    وزارة السياحة تُهيب بالمواطنين عدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة أو الكيانات غير الشرعية التي تروج لبرامج حج خارج الإطار الرسمي    زراعة الإسكندرية تحصد محصول القمح موسم 2025-2026 بزمان العامرية الزراعية    كيف قادت القوة والترف قوم ثمود إلى الهلاك؟ عالم أزهري يوضح    إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج الفوري عن إسباني كان على متن أسطول الصمود    الأمن يكشف تفاصيل مشاجرة شاب في الشيخ زايد بعد فيديو متداول    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    إرشادات مهمة من «الداخلية» للحجاج أثناء أداء المناسك    مدير إدارة طور سيناء التعليمية ينفي رصد أي شكاوى في اليوم الأول لامتحانات النقل بالتعليم الفني    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    الإسكان: 10 مايو.. بدء تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«البحيرى»: إسرائيل زرعت رجال «الموساد» فى أفريقيا للالتفاف حول السودان وإضعاف مصر
نشر في المصري اليوم يوم 09 - 01 - 2011

فى الوقت الذى بدأت فيه الأحد عملية الاستفتاء فى جنوب السودان ليقرر مصيره، يصبح السودان كدولة فى منعطف خطير، وفى مفترق طرق، بين أن يظل موحداً عربياً وأفريقياً، قوياً معافى، تزيده عوامل الاختلاف العرقى والثقافى والاقتصادى قوة ومنعة فى مواجهة التيارات العاتية وبين أن ينفصل جنوبه عن شماله، وذلك أمر ليس هيناً لأن معناه تجزئة السودان، والإضرار بوضعه الاستراتيجى المتوغل فى قلب أفريقيا، والتأثير على مصر ومصالحها فى مياه النيل والسودان وأفريقيا.. وحول ذلك الموضوع المهم نجرى هذا الحوار مع الدكتور زكى البحيرى، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية آداب بجامعة المنصورة، المتخصص فى الشؤون السودانية والأفريقية، الذى يؤكد أن مشكلة الجنوب أوجدتها عوامل عرقية وتاريخية، سياسية وإقليمية ودولية، وإلى نص الحوار:
■ بصفتك متخصصاً فى الشؤون السودانية والأفريقية، ما أساس مشكلة جنوب السودان وما حقيقة ما يجرى هناك؟
- مشكلة جنوب السودان فى الواقع مشكلة مزمنة، وُجدت منذ وقت مبكر، يرجع إلى القرن التاسع عشر، إلا أن الذى أوصلها إلى الحالة التى هى عليها، هو السياسة الإنجليزية، حين عمل حاكم عام السودان خلال الحكم الثنائى على خلق كيان فى الجنوب مختلف عنه فى الشمال، وأصدروا قانون المناطق المقفلة لمنع الشماليين من النزول إلى الجنوب أو الإقامة فيه، ومنع الجنوبيين من الصعود للشمال، وفى المراحل التالية تم منع استخدام اللغة العربية فى الجنوب، والتأكيد على استخدام اللغة الإنجليزية أو اللغات المحلية كلغات النوير، والدنكا، والشُلك، كبديل للعربية، وصدرت الأوامر إلى مديرى المديريات الجنوبية ورؤساء المراكز بترحيل الموظفين والتجار الشماليين المسلمين من الجنوب، طبقا لتعليمات كبار رجال الإدارة من الإنجليز.
■ ولكن منذ متى بدأت هذه السياسة الجنوبية التى تشير إليها والتى هى فى رأيكم مسؤولة عن تنفيذ سياسة الفصل بين الجنوب والشمال؟
- فى الحقيقة تعتبر البعثات التبشيرية المسيحية هى البداية العملية للفصل بين شمال وجنوب السودان، منذ العقد الأول من القرن العشرين، وصدر قانون المناطق المقفلة المشار إليه آنفا فى سنة 1922، لمنع العرب المسلمين من النزول إلى جنوب السودان، ثم جاءت تعليمات هارولد ماكمايكل السكرتير الإدارى (وزير الداخلية) - المخطط الحقيقى للسياسة الجنوبية، تلك السياسة التى رسخت إلى حد كبير الاختلافات العرقية والثقافية والدينية وسياسة الفصل بين الجنوب والشمال - بتنفيذ السياسة الجنوبية للفصل بين الشمال والجنوب فى خطاب سرى موجه إلى مديرى مديريات الجنوب من الإنجليز فى 1930.
■ كيف تطورت المشكلة، وما المسار الذى اتخذته بعد ذلك؟
- رغم أن سياسة فصل الجنوب قد استمر تنفيذها طيلة الثلاثينيات ومعظم الأربعينيات فإن الجنوبيين فى مؤتمر جوبا للإدارة وتقرير وضع جنوب السودان فى 1947 الذى حضره ممثلون عن الجنوب والشمال، كما حضره ممثلو الإدارة من الإنجليز وفى مقدمتهم السكرتير الإدارى قرروا أن يظل الجنوب جزءا من دولة واحدة تضم شمال وجنوب السودان على حد السواء، ولم يقبلوا أى أفكار لفصل الجنوب عن بقية السودان، أو ضمه لشرق أفريقيا فى حكومة أو دولة واحدة كما كان يقترح الإداريون الإنجليز.
■ وإذا كان هذا هو موقف الجنوبيين فى أواخر الأربعينيات، فما الذى غيّر رأيهم إلى حد أنهم يطالبون حاليا بتقرير المصير الذى يعنى إمكانية الانفصال عن حكومة الخرطوم؟.
- يرجع السبب فى تغيير الموقف الجنوبى أيضا إلى الدور الإنجليزى فى السودان، ذلك لأنه خلال الحكم الثنائى، تم إهمال المناطق المتطرفة من البلاد وفى مقدمتها الجنوب والغرب (دارفور) فى جميع برامج التنمية، بل كان رجال البعثات التبشيرية المسيحية يوصون الإدارة البريطانية فى الجنوب بألا يرفعوا رواتب الجنوبيين، لأنهم لا يستطيعون العمل إلا فى جو يسوده الفقر والمعاناة، وعلى كل حال فقد تركزت مشروعات التنمية فى السودان الأوسط الذى ضم بورسودان، والخرطوم، وكُوستى، ومدنى، والأُبيض، لأن مشروعات زراعة القطن اللازم لمصانع لانكشير فى إنجلترا والصمغ العربى المطلوب فى بريطانيا وغيرها، كانت تقع فى تلك المناطق الوسطى، خاصة فى الجزيرة وكردفان، ولذلك فإن خطوط السكك الحديدية تركزت فى تلك المناطق ولم تمتد إلى الجنوب أو إلى الغرب، ولما استقل السودان 1956، ظلت للأسف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على ما هى عليه، بما فيها من تهميش الجنوب والغرب والشرق.
■ ما السبب فى استمرار حالة تهميش المناطق النائية من السودان خاصة فى الجنوب والغرب؟
- السبب فى استمرار حالة التهميش هو أولا: استمرار خطط الإدارة والتنمية على السياسة نفسها التى رسمتها بريطانيا قبل الاستقلال بتركيز التنمية فى وسط البلاد وإهمال الأطراف كما ذكرنا. وثانيا: أن نظام الحكم فى السودان سار فى دورة حكم جهنمية تنتقل ما بين حكومات ليبرالية منتخبة قصيرة العمر إلى حكومات عسكرية، والعكس صحيح، مما أشاع حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار بشكل شبه دائم. ثالثا: نشوب الحرب بين الجنوب والشمال عام 1955 بسبب تمرد الكتيبة الاستوائية فى الجنوب، وقد استمرت حالة الحرب والتمرد حتى 1972 حين عُقدت اتفاقية أديس أبابا فى عهد حكم جعفر نميرى. رابعا: سعى الحزبين الكبيرين، «حزب الأمة والحزب الوطنى الاتحادى (الاتحادى الديمقراطى فيما بعد)» لأن يظلا هما المحركان الأساسيان للحكم، والحياة السياسية فى السودان، مع تجاهل أو إضعاف القوى الأخرى التى عبرت عن أفكار إصلاحية وتقدمية حقيقية لشعب السودان كله. خامسا: دور القوى الخارجية المتمثلة فى البعثات التبشيرية التى كانت قد نقلت بعض نشاطها التبشيرى إلى الدول المجاورة للسودان كأوغندا وكينيا، خاصة مع تسرب رجال المخابرات والموساد الإسرائيلى إلى الجنوب عن طريق إثيوبيا وأوغندا.
ومما لاشك فيه أن للقوى الخارجية خاصة إنجلترا والولايات المتحدة دوراً فعلياً فى تكريس فصل الجنوب وخلق دولة مختلفة دينيا وثقافيا فيه، دولة تنتمى لدول أفريقيا جنوب الصحراء، وليس أفريقيا العربية فى الشمال، تلك التى تشتمل على مصر، مركز الثقل العربى فى شمال شرق أفريقيا.
■ هل سعت الحكومات السودانية للحد من تفاقم مشكلة جنوب السودان، من خلال تطوير أحواله الاقتصادية، وتغيير الاتجاهات السياسية والاجتماعية التى تؤثر على سكان الجنوب، وتزيد من ارتباطهم بالوطن الواحد؟
- فى محاولتنا للإجابة عن هذا السؤال لابد من العودة للتطور التاريخى للمسألة، فلقد توقفت الحرب الأهلية فى جنوب السودان بعد أن عُقدت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 بين جعفر نميرى، رئيس جمهورية السودان، وجوزيف لاجو، ممثل الجنوب، وأصبح الجنوب كله إقليما واحدا له حكومة محلية فى إطار الحكم الذاتى، واستمر الأمر كذلك حتى 1983 حين أتى جعفر نميرى على إنجازه التاريخى بإلغاء هذه الاتفاقية المهمة التى كانت قد أوجدت استقرارا فى الجنوب إلى حد معقول، ولو أن عمليات التنمية فى الجنوب حتى فى وقت الحكم الذاتى لم تكن ملحوظة، وبعد إلغاء الحكم الذاتى.
■ ماذا حدث بعد إلغاء اتفاقية أديس أبابا؟
- ساءت أمور جنوب السودان واستعرت الحرب الأهلية معه من جديد، خاصة مع تمكّن الجنوبيين من كسب تأييد بعض القوى الإقليمية والمواقف الدولية، ومع تمكنهم أيضا بقيادة جون جارانج والحركة الشعبية لتحرير السودان، من الحصول على السلاح بطرق خفية من مصادر مختلفة أهمها إسرائيل وإثيوبيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وفى عام 1985 قامت انتفاضة عارمة ضد جعفر نميرى بسبب إلغاء اتفاقية أديس أبابا واستئناف الحرب فى الجنوب، وبسبب أزمة السودان، ومجاعات دارفور، وتهريب الفلاشا، وبخروج نميرى من السودان جاءت بعده حكومة انتقالية برئاسة عبدالرحمن سوار الذهب عام 1985 - 1986، ثم خلفه الصادق المهدى فى رئاسة حكومة البلاد بعد الانتخابات حتى 1989، وطيلة هذا الوقت لم تتمكن أى حكومة سودانية من إطفاء نار الحرب الأهلية فى جنوب السودان.
■ لكن ما دور حكومة الإنقاذ فى هذا الصراع الأهلى بين الشمال والجنوب؟
- لقد جاءت بعد ذلك ثورة الإنقاذ فى 1989 تحمل توجهات إسلامية، وكان لها فى الحقيقة زعامتان: الأولى عسكرية على رأسها عمر البشير، والثانية مدنية على رأسها الترابى، وخلال السنوات العشر الأولى من حكم الإنقاذ سارت حكومته تتخبط ما بين خلق الصراعات السياسية مع مصر وإثيوبيا ودول الجوار الأخرى، وفى معاداة القوى الغربية وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وإعلان الجهاد ضد المحاربين فى الجنوب، وتلك سياسات خاطئة تماما، ووقع خلال تلك الفترة صراع على أيديولوجية نظام الحكم الذى يدير شؤون السودان، انتهى باستبعاد حسن الترابى الأصولى المنهج، وبتركيز السلطة فى يد حزب المؤتمر الوطنى بزعامة البشير، فاستقرت الإدارة السياسية إلى حد ما، ولكن على مستوى الجنوب اشتدت الحرب الأهلية، وتراوح الوضع بين تراجع جيش الحركة الشعبية الجنوبى مرة، وتراجع الجيش الوطنى فى الخرطوم مرة أخرى أمامه، فوقعت محادثات ومقابلات ومفاوضات على مستويات سودانية متعددة بين حكومة الإنقاذ، والحركة الشعبية فى الجنوب بما فيها الأجنحة المنفصلة عنها، ودخلت على الخط أحزاب الأمة، والاتحادى الديمقراطى، والحزب الشيوعى، وحزب المؤتمر الشعبى بزعامة الترابى، والتجمع الديمقراطى الذى كان يمثل كل قوى المعارضة، ولم تصل كل هذه المحاولات إلى حل ناجع لمشكلة الجنوب، وتحدثت القوى الجنوبية عن حق تقرير المصير وفى مقدمتهم الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون جارانج بل أيدتها فى ذلك بعض أحزاب المعارضة الشمالية، ورغم ذلك لم تتوقف الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب حتى بعد عقد اتفاق بين الحكومة والحركة الشعبية فى ماشاكوس فى كينيا 2002 بوساطة مجموعة دول الإيجاد، وحضور شركاء الإيجاد وفى مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ولما ضُغط على حكومة الإنقاذ للاستمرار فى المفاوضات تم عقد اتفاقية السلام النهائى بين الشمال والجنوب فى نيفاشا فى كينيا أيضا فى 2005 مع الاعتراف بحق تقرير المصير للجنوبيين عقب فترة انتقالية طولها ست سنوات، وهذا معناه الموافقة على حق الجنوب فى الانفصال.
■ ماذا حدث بعد توقف الحرب الأهلية؟
- توقفت الحرب الأهلية فى الجنوب، لتتحرك آلة الإعلام الغربية الرهيبة لكى تُدخل السودان فى دوامة أخرى هى دوامة دارفور التى اشتعلت فيها الحرب الأهلية بين الحركات المتمردة كحركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان، وقوات الحكومة المركزية وكأنه كتب على هذا البلد ألا يخرج من أزماته ومعاركه التى تستهلك معظم موارده فلا يقوى على حل مشاكله ولا تنمية أقاليمه، ويدور فى حلقة مفرغة من الحرب والاستعداد لها، إلى الدمار والصراع السياسى الذى ينتهى بتجزىء هذا البلد العربى الأفريقى الكبير، الذى يمثل قوة استراتيجية وقوة اقتصادية وقوة بشرية فى وسط وشرق أفريقيا، ويمثل ثقلاً عربياً أيضا فى تلك المنطقة.
■ وما حقيقة الدور الأمريكى فى السودان؟
- راهنت الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية وخلال تحرك الدول الأفريقية نحو التحرر والاستقلال، وخروج الاستعمار التقليدى الاحتلالى على أن تحل محل الاستعمار التقليدى، وتسيطر على الدول المُحررة بطريقة جديدة، تربط فيها هذه الدول التى تعانى من أزمات اقتصادية بالاقتصاد الأمريكى، مع العمل على السيطرة على الموارد الطبيعية والإنتاجية لهذه الدول، وهى سياسة أطلق عليها البعض الاستعمار الجديد، ولقد وقع السودان فى إطار المخططات الأمريكية فى هذا المجال بعد خروج إنجلترا منه فى 1956، ومن وقتها والسودان يقع فى دائرة الاهتمام الأمريكى - الصهيونى، وقد تنامى هذا الاهتمام بعد ظهور البترول فى السودان خاصة فى الجنوب، ومما زاد الرغبة الأمريكية فى التدخل فى شؤون السودان وجود حكومة الإنقاذ - التى تُصنف كحكومة إسلامية أصولية من وجهة النظر الأمريكية والغربية على الأقل - إلى جانب وقوع حادث 11 سبتمبر 2003 الذى سقط فيه بُرجا التجارة العالميان فى الولايات المتحدة الأمريكية، بواسطة مخططين ومنفذين إرهابيين من تنظيم القاعدة حسب الزعم الأمريكى أو قوى أصولية أخرى، ولذلك راهنت أمريكا، وما زالت تراهن، على إسقاط نظام الإنقاذ الإسلامى الحاكم فى السودان بزعامة البشير.
وبعد عقد اتفاق السلام فى الجنوب، ووقف الحرب الأهلية 2005، صعّدت أمريكا واللوبى الصهيونى الذى يخدم سياسة ومصالح إسرائيل من الهجوم على حكومة البشير، واعتبرته مسؤولاً عما يجرى من حرب أهلية أخرى، نشبت فى دارفور، ومن إبادة جماعية وقعت ضد عناصر أفريقية هناك، حسب زعمهم، فتم عرض الأمر، بوازع من أمريكا والدول السائرة فى ركابها، على المحكمة الجنائية الدولية لتدين البشير وتطالب بمحاكمته، فى سنتى 2008 و2009.
■ ما الأهداف الأساسية للدور الأمريكى فى السودان؟
- المحركات الأساسية للدور الأمريكى تتلخص فى، أولا: الحصول على البترول، بأن تكون أمريكا شريكاً فى إنتاج بترول السودان خاصة فى الجنوب، مما يضعف أو يُقوض الدور الصينى الموجود حاليا هناك، فالصين هى المسؤولة عن استخراج ونقل وتصدير البترول، وثانيا: إسقاط حكومة الإنقاذ بزعامة البشير التى رفضت بشكل قاطع الوجود الأمريكى فى السودان، كما رفضت اشتراك أمريكا فى إنتاج بترول السودان، وثالثا: محاولة التدخل فى قلب منطقة منابع النيل بما فيها السودان بدرجة تُمكّن أمريكا من التحكم فى مياه النيل بشكل يخدم المصالح الإسرائيلية الراغبة فى توصيل المياه إلى إسرائيل.
■ ماذا عن الدور الإسرائيلى فى جنوب السودان؟
- إسرائيل متواجدة فى أفريقيا وجنوب السودان منذ خمسينيات القرن الماضى، وقد بدأ هذا التواجد بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 التى كان من مبادئها القضاء على الاستعمار وأعوانه، وإسرائيل بطبيعة الحال مُستعمرة استيطانية، ومُتعاونة مع الاستعمار الأوروبى والأمريكى، ولما رأت إسرائيل أنها مجرد دويلة صغيرة فى وسط قوة عربية إسلامية كبيرة، وضعت فى اعتبارها أن تخترق هذه القوة أو تحاول أن تحيط بها أو تهاجمها من الخارج، ومن هنا كان تعاونها مع الدول الاستعمارية والولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان القاسم المشترك بينها جميعا معاداة ثورة 1952 واتجاهاتها القومية التى تأمل أن تجعل من الشعوب العربية المشتتة قوة أو دولة موحدة، ولذلك تعاونت سويا فى توجيه ضربة لثورة يوليو حين شنت العدوان الثلاثى على مصر 1956، كما شنت إسرائيل وحدها عدوان 5 يونيو 1967.
وعلى كل حال فلقد زرعت إسرائيل منذ الستينيات رجالاً من المخابرات الإسرائيلية فى الدول الأفريقية رغبة فى دخول أفريقيا، والالتفاف حول السودان واختراقه كوسيلة ضمن وسائلها لإضعاف مصر العدو الأول لإسرائيل، على مبدأ شد الأطراف حتى يضعف القلب (مصر) فيسهل ضربه، ثم توغلت الأيادى الإسرائيلية فى أوغندا وكينيا وإثيوبيا، وقد تحالفت الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد اتخاذ مصر قرارا ببناء السد العالى بالتعاون مع الاتحاد السوفيتى، وليس مع الأمريكيين والكتلة الغربية، وكانت مصر قد اتخذت قرارها هذا بعد أن فشلت فى الحصول على مساعدة وتمويل البنك الدولى الذى كان قد فرض شروطا قاسية بضغط من الأمريكيين لكى يمنح مصر قرضا يجعل من مصر دُمية فى يد الغرب ويُركعها، كما ركّعتها الديون الخارجية فى عهد إسماعيل، مما كان سببا فى احتلال مصر فى القرن التاسع عشر، ولكن عبدالناصر أصر على أن تظل مصر حرة مستقلة، تمد يدها لمساعدة حركات التحرر العربى والأفريقى.
وتوغلت إسرائيل بعد ذلك فى دول منابع النيل حتى وصلت إلى جنوب السودان، الذى كانت قد بدأت فيه حركة تمرد وحرب أهلية بين الجنوب والشمال 1955، ولقد بدأت تلك العلاقات بالمساعدات الطبية، والغذائية، وقتما لجأت حركات التمرد الجنوبية إلى الغابات الأوغندية، والإثيوبية، ثم تحولت المساعدات الطبية إلى تشجيع على التمرد، فتدريب للضباط فى إسرائيل، ثم وصلت إلى المساعدات العسكرية من بنادق ورشاشات ومدفعية ثقيلة إلى عربات مصفحة ومدرعات، وكانت تذهب تلك المساعدات إلى إثيوبيا أولا ومنها إلى جنوب السودان، ولذلك أحرج جيش الحركة الشعبية بقيادة جون جارانج جيش الحكومة المركزية فى الخرطوم، مما كان سببا فى الدخول فى المفاوضات التى انتهت بحق تقرير المصير للجنوب، وحرية الانفصال الذى هو الاختيار الأكثر احتمالا فى استفتاء 9 يناير 2011.
■ أين الدور المصرى فى السودان، وسط هذا الصراع، والسودان بالنسبة لمصر مسألة أمن قومى؟.
- للأسف غابت مصر عن الساحة الأفريقية بعد 1973 حيث دخلت فى تفاهمات مع الغرب وإسرائيل، وعقدت معاهدة كامب ديفيد مما أبعدها عن القارة الأفريقية بصفة عامة ومنطقة منابع النيل بصفة خاصة، بما فيها جنوب السودان، فخلا المجال للأفاعى والثعابين لكى تزحف خفية على تلك المنابع التى تمثل البعد الاستراتيجى للسودان ولمصر، وتمثل الوجود والحياة بالنسبة لهما، وعلى كل حال فقد خُدرت مصر أو حُيدت أو قُيدت بمعاهدة السلام مع إسرائيل التى ذهبت لكى تخترق مصر والسودان خاصة بعد رفض مصر توصيل مياه النيل إلى صحراء النقب فى إسرائيل عن طريق تشجيع حركات التمرد الجنوبية فى السودان، بل تخترق مصر من الداخل عن طريق تغييب الوعى وتشويه المناهج المدرسية، حتى تنسى الأجيال الحالية والمستقبلية حقيقة أن إسرائيل دولة مغتصبة لأرض الشعب الفلسطينى، وهدفها السيطرة على البلدان العربية، ولسوف تظل مصر تدفع ثمن غيابها وإهمالها، وأول هذا الثمن هو انفصال جنوب السودان عن الدولة المركزية فى الشمال فى يناير 2011، إلا إذا توقفت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية معها عن تبنيها انفصال الجنوب حتى وصل الأمر إلى تدخل وزارة الخارجية الأمريكية بذاتها فى عملية الانتخابات لترجيح الاتجاه الانفصالى أو نزلت معجزة من السماء تمنع الجنوب من الانفصال، بعد أن ولى زمن المعجزات، ولو حدث الانفصال فلن يكون فى صالح الجنوب أو الشمال أو مصر ودول الاتحاد الأفريقى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.