مدير المنتخب: معندناش أي مشكلة مع محمد صلاح    الغندور: لم أطلب تأجيل القمة.. والدوري السعودي يصعب مهمتنا    إحصائيات الصحة العالمية تبرئ مصر من انتشار الالتهاب السحائي بها    الصحة العالمية توضح طرق العلاج والوقاية من الالتهاب السحائي    شوبير يكشف حقيقة وفاة ميمي الشربيني    لحظة إشعال النيران في منزل سيدة الدقهلية المتهمة بقتل شاب    عطية: الخلع افتداء المرأة لنفسها ولا افتداء إلا إذا كانت روحها هتطلع    الأربعاء والخميس.. فصل الكهرباء عن مناطق بمدينتي الأقصر والبياضية    زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ يدعو الكونجرس للتصويت ضد سحب القوات الأمريكية من سوريا    تعرف على أسباب الإصابة بمرض الالتهاب السحائي    أردوغان يتحدى واشنطن: لن نعلن وقفًا لإطلاق النار والعقوبات لا تقلقنا    فيديو مفبرك لمسجل خطر يزعم تصويره من داخل قسم شرطة    حبس "نجار" بتهمة الإتجار في نبات "البانجو" بدمياط    فيديو.. محمد فراج: "الممر كرم ونفحة كبيرة من ربنا"    «زي النهارده» في 16 أكتوبر 1945.. تأسيس منظمة الأغذية والزراعة (فاو)    أندريه زكي في افتتاح الحوار العربي الأوروبي السابع: نسعى لإدراك الأمور المشتركة بيننا    مصرع 22 شخصًا في انهيار أرضي ب إثيوبيا    رئيس الزمالك يعترض على اللعب ضد المقاولون بدلا من القمة    مجاهدة النفس فى ترك الشهوات    نفاد 75% من تذاكر حفل أنغام في مركز المنارة    سالي عاطف: ملء خزان سد النهضة في سنة أو اثنين كارثة بكل المقاييس    اليوم.. ختام أعمال المؤتمر العالمي للإفتاء وإطلاق عدد من المشروعات المهمة    الكشف عن حقيقة تعرض الزعيم عادل إمام لوعكة صحية    تعليق ناري ل طارق حامد بشأن أزمته في الزمالك    القليوبية..تلوث مياه الشرب والشركة اعتماد ملايين الجنيهات لتطوير الشبكات    كيف تعامل صاحبك عند غضبه عليك    جهود الإدارة العامة لشرطة التموين والتجارة الداخلية لضبط الأسواق ومكافحة الغش خلال 24 ساعة    بالصورة .. الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الفيوم فى إتمام الصلح بين عائلتين بمركز إطسا    المركزي يصدر ضوابط إضافية لإقراض جهات التمويل متناهي الصغر    مرتضى منصور: أزمة طارق حامد مفتعلة واللاعب ملتزم في التدريبات    هاني رمزي: "سلجادو ماكانش ليه أي دور بالجهاز الفني للمنتخب"    شاهد.. أجراس الكنائس في لبنان تنقذ المواطنين من الحرائق    محمد فراج يكشف عن هوايته قبل دخول مجال التمثيل    فيديو| تفاصيل جديدة حول الساعات الأخيرة في حياة طلعت زكريا    تعليق ناري من الفنان راغب علامة حول حرائق لبنان.. فيديو    موعد عرض مسلسل "بلا دليل" على شاشة cbc    شاهد لحظة وصول عمران خان إلى المدينة المنورة    ممثل رجال أعمال مصر بالخارج: مناخ الاستثمار في مصر مناسب لضخ أموال جديدة    "التوعية بأنشطة خدمة المجتمع وتنمية البيئة".. في ندوة ب"تربية رياضية" طنطا    من الأخلاق النبوية.. مستشار المفتي: هكذا علمنا النبي أن اليأس من الكبائر    دعاء في جوف الليل: نسألك اللهم رحمتك التي وسعت كل شيء    كندا تعلّق تصدير الأسلحة إلى تركيا ردًّا على هجومها في سوريا    القائم بأعمال وزير خارجية إسبانيا يتهم زعماء الانفصال في كتالونيا بتبني موقف شمولي    الشيطان التركي يتسلل للقارة السمراء    محافظ أسوان يوجه بإخلاء مبنى الكلى الصناعي بمستشفى السباعية بإدفو    فيديو| منها عدم «تخزين الحبوب».. نصائح هامة للوقاية من أمراض الكبد    وزير الدفاع في المناورة «رعد 31»: قادرون على تأمين الحدود    رئيس الوزراء يلتقي رئيس مؤسسة التمويل الدولية بواشنطن    الأرصاد الجوية تعلن طقس اليوم: أمطار رعدية تصل إلى السيول    بالفيديو .. وزارة الداخلية تستخرج الأوراق الثبوتية لذوى الإعاقة البصرية بالمجان لمدة أسبوع    وزير الإسكان: مصر تمتلك مخططا استراتيجيا للتنمية العمرانية حتى 2052    اخبار البرلمان.. بشرى بشأن صرف ال5 علاوات لأصحاب المعاشات.. وتنسيقية الاحزاب:حق مصر في النيل أمن قومي    بيان رسمي من مانشستر يونايتد بشأن إصابة دي خيا    اسعار الذهب اليوم الأربعاء 16/10/2019.. وخسارة كبيرة تضرب المعدن الأصفر    حفل تكريم المتفوقين من أبناء الصحفيين السبت المقبل    جامعة الأزهر تعلن موعد بدء المرحلة الثانية لتنسيق المدن الجامعية    مسابقة التربية والتعليم أكتوبر 2019.. أخبار سارة لذوي الإعاقة بمسابقة التعليم    في قضية سد النهضة ..نادية هنري تطالب بالانسحاب من إعلان المبادئ..ومجدي ملك : نثق في السيسي .. ووزير الخارجية فشل في إدارة الملف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سناء البيسى.. آثمٌ من لا يحبك.. ومجذوبٌ من يفعل!
نشر في المصري اليوم يوم 11 - 11 - 2008

أنت قارئ.. ربما أنفقت العمر تقرأ دون أن ترتزق من قراءاتك رزقاً يسد الرمق ويروى الظمأ ويشبع الروح.
بعض القراءة قدر جميل ورزق حلال، بعض القراءة لحن رقيق وضوء شموع يثير الخيال.
بعض القراءة رقص بطىء الخطى وقلب يدق بنبض الآمال، بعض القراءة حلم بعيد المدى وصبر جميل يطارد هذا الجمال.
يكفى أن تعتمد نفسك قارئاً عندها.. لتملك مفتتح الشعر، وناصية الأدب، وباب الصحافة، وأبعاد الصورة، وحكمة الحكاية، ومتعة الرواية، وحلاوة البداية، وجمال النهاية.
يكفى أن تقرأها مرة لتكتشف أنك لم تكن تقرأ بالمرة، ولتجد نفسك تردد مع «الست»: «اللى شفته قبل ما تشوفك عينيه.. عمر ضايع يحسبوه إزاى عليا».
جرب أن تقرأها مرة وستسعى لقراءتها ألف مرة، وفى كل مرة ستغمض عينيك بعد السطر الأخير، تغيب فى سحر الكلمة وحلاوة الجملة وعمق المعنى، وتهيم روحك بإحساس مبهج، وحين تفتح عينيك من جديد ينتفض لسانك دون إرادة منك ويهتف منتشياً: «اللاااااه يا ست».
اقرأها كما تستمع إلى موسيقاك المفضلة، مرر أصابعك على السطور والكلمات لتعزف ألحانك المحببة، داعب أوتار الحروف لتطلق «دندنتك» الخاصة.
تنزه معها على شاطئ نهر ساحر، أو فى لحظة غروب بديع، اسهر معها على ضوء شموع خافت فى ليلة ممطرة، وعندما يباغتك النوم لا تكترث بإعادة الكتاب إلى رفه، اترك دفتيه مشرعتين ودعهما تستقران على صدرك لتتلمس دفء الكلمات.. هى نسجتها بمهارة أم تغزل لأطفالها أردية الشتاء.
«مصر يا ولاد» فيها سناء البيسى.. السيدة الجميلة الأنيقة الرائقة الرقيقة الأديبة المبدعة المشرقة المعلمة الأستاذة «الريسة» صاحبة مقام الكتابة وولية أولياء القلم، تلك التى لا تترك لك خياراً بين أن تحبها فتنصب خيمتك إلى جوار المقام وترضى الحياة وسط المجاذيب والدراويش، وبين أن تبقى تصد الهوى وتقبل أن تعيش آثماً فى حق فعل القراءة المقدس.
«المصرى اليوم» تدعوك لقراءة كتابها الأخير «مصر يا ولاد» الصادر عن دار نهضة مصر، وتنشر لك اليوم مفتتح الكتاب، لأنك تستحق كاتبة مثل سناء البيسى، كما تستحق كل ما هو جميل وقيم ومرموق.
سناء البيسى تكتب: الكتابة نسب!
وأما بعد.. لقد وجدت فيها مبتغاى وبلغت مقصدى لتحقيق مطلبي، وهو أن الكتابة نسب، أى أن أصحاب الأقلام عيلة واحدة تجمعهم صلات الدم ومن ثم لابد وأن يكون نهجهم ألا يعضُّوا بعضهم، وألا يأكل صاحب قلم لحم أخيه حيًا أو ميتًا فى جلده فنكرههما معًا.. إن ما نراه الآن للأسف من تحرشات فى عشيرة الكتاب يعكس أن الدم بقى مية والذبائح للركب والنهش مسلسلات مع سبق الإصرار والترصد، ولحم الأشقاء وقع فريسة بين الإخوة الأعداء، وما جاء يومًا من وصايا لأصحاب الأقلام للقلقشندى فى كتابه «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا» قد غدا من ضروب السخرية التاريخية عندما خاطب الفقيه الكبير الجليل الخبير أصحاب القلم فى عام 756ه بقوله: حفظكم اللّه يا أهل صناعة الكتابة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم،
فإن اللّه عز وجل جعل بعد الأنبياء والمرسلين وبعد الملوك المكرمين أصنافًا فجعلكم معشر الكتاب فى أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءة والعلم والرواية، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التى بها يسمعون، وأبصارهم التى بها يبصرون، وألسنتهم التى بها ينطقون، وأيديهم التى بها يبطشون، فليس أحد أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب... فتناقشوا معشر الكتاب فى صنوف الآداب، وتفقهوا فى الدين، وابدأوا بعلم كتاب اللّه عز وجل فإن فى ذلك معينًا لكم على ما تصبو إليه هممكم.. وتحابوا فى اللّه عز وجل فى صناعتكم، وتوارثوا أهل الفضل والعدل من سلفكم... ويكفى أن يقال: إن الكتابة نسب: ولله در أبى تمام الذى قال:
إلا يكن نسب يؤلف بيننا
أدب أقمناه مقام الوالد
أو كما قال لنا أستاذ الصحافة الدكتور عبداللطيف حمزة فى محاضراته بالجامعة: إذا كنا نحفظ من متَّ إلينا بالأنساب الجسمانية التى لا تعارف بينها، فأولى أن نحفظ من متّ إلينا بالأنساب النفسانية التى يصح فيها التعارف، ولذا قال الحسن بن وهب: الكتابة نفس واحدة تجزأت فى أبدان متفرقة..
 وعلى الكاتب أن يكون قوى النفس حاضر البديهة جيد الحدس، حلو اللسان، جرىء الجنان، ظاهر الأمانة، عظيم النزاهة، كريم الخلق، ملمًا بكل الفنون، حتى ما تقوله الندابة بين النساء والماشطة عند جلوة العروس وما يقوله المنادى على السلع فى الأسواق، وأن يكون جامعًا للثقافة العربية وعناصرها المختلفة كالشعر والقرآن والحديث والحكم والأمثال وكلام الخطباء ورسائل البلغاء، عارفًا الأزمنة واقفًا على عادات العرب فى الجاهلية وما بقى من هذه العادات فى الإسلام، عالمًا بتواريخ الأمم، جهبذًا فى علم المسالك والممالك، دارسًا اللغات، فصيحًا فى أوصاف الرجال والنساء والحيوان والدواب والضوارى والوحوش والطيور،
 متبحرًا فى أوصاف الآلات على اختلافها والموازين وأنواعها وأوصافها والأحجار النفيسة وأسعارها، مبحرًا فى اللغة وأسرارها مما يجعل له رصيدًا ضخمًا من الألفاظ والمعانى يأخذ منه متى شاء يعبر به عن المعنى الواحد بطرق كثيرة من طرق البيان، وهذا المنهج هو أحد أنواع الإعجاز فى القرآن، فالقصة الواحدة تتكرر فيه مرارًا فى سور متعددة، ترد فى كل سورة بلفظ وتركيب غير الذى وردت به فى سورة أخرى مع استبقاء حد البلاغة والفصاحة... إلخ..
 وربما من هنا أتت المنزلة الرفيعة للكاتب، حيث كان الكاتب الفضل بن سهل - على سبيل المثال - فى خلافة بنى العباس يجلس على كرسى مجنح يحمل فيه إذا أراد الدخول على الخليفة، فلايزال يحمل حتى تقع عين المأمون عليه، وإذا وقعت عليه وضع الكرسى ونزل عنه ومشى وحمل الكرسى حتى يوضع بين يدى المأمون، فيحادثه ويعود ليقعد عليه.
فى زماننا لم يعد فارق بين وظيفة الكاتب والوظائف الأخرى بل أصبحنا نجد الفارق جليًا واضحًا فى المهنة ذاتها.. بين الكتاب والكتبة.. قلم الكتاب متصل بوريد القلب وقلم الكتبة متصل بوريد المصلحة.. الكتاب يكتبون ما تمليه عليهم ضمائرهم، والكتبة يكتبون ما يُملى عليهم.. الكتابة انفصلت عن القراءة وتراجعت الموهبة وغدت الثقافة علاقات عامة وموبايلات مسجلاً عليها تليفونات أهم الشخصيات،
 وبالتالى لابد وأن نعيد النظر فى متى يغدو الكاتب كاتبًا على ضوء أن سوق الكتابة فى انقراض، وعلى رأى توفيق الحكيم: فى هذا الزمان أصبحت الأقدام أهم من الأقلام، وبالأمس دخل صاحبنا صالة التحرير رابطًا (صباع) رجله فسألوه: سلامتك إيه اللى جرى؟ فأجاب: صابعى انكسر.. فأتاه الرد المفحم: بطل الكتابة لأجل تريحه... الكتابة الآن قد غدت مهنة من لا مهنة له.. لكل مهنة شروط وشيوخ إلا الكتابة الآن التى أصبحت ما لها شيوخ ولا مرجع.
سوق الكتابة جبر ودخلت الصورة تهزم الكلمة وتكدس الجرنال بربطة المطبعة على الرصيف ليباع بالوزن لمهمة القرطاس، والغريب والطريف أن الصحافة الآن قد غدت باسبورًا لإثبات الذات والشرعية فى المجتمع بعدما غزتها جميع الطوائف، فالدكتور والأستاذ والعالم والنائب والباشمهندس والمحلل النفسانى والسكرتير العلانى والمذيع الترتانى والخبير الغذائى والدوائى ومحلل الفتاوى والحكاوى والشكاوى كلهم، كلهم يعيش الواحد منهم ويموت ونفسه رايحة لحاجة واحدة لا غير، للوصول للناس يقول لهم من خلالها أنا هنا.. مقالة فى جريدة أو جرنال.. عامود يذيله باسمه بحروف الطباعة يفتح الجرنال عليه ويصفق هيه..
ومن هنا أسفت ودهشت للعالم الطبيب الكبير صاحب الأربعين عامًا فى مجال الطب عندما لاحظت مكوثه قابعًا فى حجرة السكرتيرة أكثر من مرة فى انتظار السماح له بكتابة عدة سطور على صفحات الجريدة تجعله محط الأنظار خارج دائرة المرضى.. كاتب عامود أصبحت رتبة زى الباشوية والبكوية.. العامود الصحفى غدا بمثابة ميلاد جديد فى دوائر المجتمع، من خلاله تكتسب الشهرة الحقيقية التى قال عنها الشاعر حافظ إبراهيم يومًا:
لكل زمان مضى آية وآية هذا الزمان الصحُف
ومن هنا عذرت يومًا الكاتب الكبير زكى نجيب محمود الذى لقيته بعد أن كان قد أمضى أكثر من أربعين عامًا يطل علينا فيها بمقالاته ونظرياته وفلسفاته.. وجدت له عذرًا عندما اصطدت على وجهه مظاهر الانتعاش والحبور لحظة نقلت إليه إعجاب سعاد حسنى بمقالته فى الأهرام.. ابتسم الفيلسوف كأننى منحته قالبًا من الشيكولاته معلقًا بسعادة بادية: سعاد بتقريلي؟!!
 وأبدًا لم يكن ورم الأبناط فى كتابة الأسماء أو شهرة الجورنال دافعًا على إقبال القراء، وعلى سبيل المثال الكاتب يحيى حقى بوزنه الثقافى وقامته المعرفية الفارعة عندما عرضت عليه الصحف الكبيرة أن يكتب لها رفض بإباء وفضل الكتابة فى صحف دار التعاون قليلة التوزيع بمنطق أن القراء يذهبون للكاتب وليس للجورنال، ومن هنا استمتع قراء التعاون بأندر السطور التى جمعها الناقد فؤاد دوارة مشكورًا فى أهم كتب أدب المقالة العربية على طول تاريخها..
 ويظل يحيى حقى - الكاتب الشامخ الذى لا يذكر اسمه إلا ومعه قنديل أم هاشم - الأديب الصادق مع نفسه ومع القارئ، عندما وضع القلم جانبًا قبل وفاته بكثير؛ لشعوره بأن مداد العقل قد جف وأنه لن يستطيع أن يضيف جديدًا.. توقف يحيى حقى بينما ظل آخرون يتحفوننا بكتابات فسيولوجية، أى بإفرازات آدمية فى سلك القرف والعرق وأشياء أخرى..
وكُتاب ياما فى صحف سيارة وطيارة ودوارة يومية وأسبوعية وموسمية وتبعًا للتساهيل الأمنية والحزبية والمصالحية والمنظرية.. أصحاب أقلام نامت وأقلام قامت وأقلام تدعم مقولات وأخرى تردم على سياسات.. أقلام فى سلك الخدم والفوطة الصفراء ومسح الجوخ، وأقلام متعالية دمها سم مولودة وفى فمها ملعقة من ذهب.. أقلام تقرأ كلامها تفز على حيلك تقوم تقف تضرب تعظيم سلام، وأخرى تضغط على عصب الغدد تملأ الصدغين بسائل لعاب مراده يطق يخرج قذيفة موجهة من اللسان والحلق..
 أقلام ما إن تبدأ بمستهل العبارة حتى تقول اللّه يا جوهرة الكلام يا خلاصة الخلاصة، وأقلام تكلفت روحها بلفائف المومياء مرتعبة لحد الموت فى أن تفصح برأيها فى حقيقة الوضع حتى لا تخسر وضعها بالوضع.. أقلام وشها مكشوف وأخرى تمسك بالعصا من المنتصف، تقرأ لها نصف كلامها تلقاها تحرم الصلاة تخوفًا من أن يكون بعض السكارى على نصف العصا الآخر من رجالات السلطة.. أقلام فلوسها ياما من جوه، وغيرها تمويلها الكبير من بره، وعلى الجبهتين الريحة مش حلوة..
 أقلام مدفوع بها وأخرى مدفوع لها، وتالتة حار ونار فيها حبرها وورقها.. أقلام تؤذن فى مالطة وأخرى طق حنك لكنها واصلة.. أقلام تقول للأعمى فى وشه يا أعمى وسلامة الشوف، وأخرى تقول لنفس الأعمى يا قرة العين عينى عليك باردة.. أقلام تروح معاك لآخر المشوار وأخرى تكتب عن الفضيحة طشاش والتالتة تديها الطناش.. أقلام تتحسر على رحيلها وتقول فين زمانها من زمن غيرها، وأخرى ترفع يديك للسما تدعى عليها يقصف عمرها وترحل وينهد على رأسها عمودها..
أقلام قعدات وسهرات وبلاجات وشاليهات والمصلحة واحدة، واحد يبدأ فاصل العزف، يشاركه صاحبه بدق الصاجات، يتجاوب التالت على الفور بشخللة على جانب الرق، ترد طبلة يقظة فى الركن على واحدة ونص لاجل يتحزم على وقعها قلم يرقص الرعشة ويهز البطن، تصفق له جوقة تستحث عن بعد جهود قلم من أفراد الشلة والمطيباتية واقف على الناصية يخطف معازيم شلة على الجانب الآخر.
أقلام ارتدت هدوم غيرها، وهدوم غيرها واسعة عليها، وأخرى تتدارى فى مسوح رهبان، والبعض يحبك العمة لكن من غير وضوء، ومن شاف الباب وتزاويقه ماشفوش من جوه نشف ريقه.
أقلام لصوص أفكار بدعوى الاقتباس تنقش عن الغير بالمسطرة كبد الكتاب وجرس القصيدة وروح البحث وجسد المقال، وتخوفاً من تهمة السرقة من أن تذاع فى برنامج أو على قهوة أو فى رواق جمعية أدبية أو فى باب نقد، يؤتى بذكر صاحب الخلق الحقيقى فى معرض السطور على الماشى أو فى زاوية هوامش ضمن كشف مراجع جهود البحث والتنقيب.
أقلام يكتب اسمها بحروف طباعة فى غلظة لافتات الانتخاب تظل راكزة باركة ع النظر والقلب حتى زوال الكرسى من تحتها، وهنا أتحداك أن تظل فى تلابيب الذاكرة قشرة لذكرى سطر أو كلمة أو حرف منها ترك أثراً، أو فكرة أفادت أحداً، أو رأياً ذكر على جانب من أهمية، أو أن أصحابها يوماً قد أزاحوا بلفائف أطنان كتاباتهم الساكتة حبة رمل فى ملليمتر أرض، أو ردموا ثقباً أحدثته قدم نملة، أو سدوا شقاً انزلق داخله برص، أو زرعوا فسيلة على ضفاف غيط برسيم.
أقلام جريئة وأقلام بريئة، أقلام مدنسة وأخرى طاهرة سامية، البعض شامخ والبعض شايخ، أقلام صادقة تزرع الأرض زهراً زكى الرائحة، وأخرى مدعية، تموه سطح الرمال المتحركة بورود بلاستيك، وتالتة زرعها أشواك وميتها جاية فى مصرف من بحور الدم.. وأقلام ترمى الشباك بنعومة الكوبرا توقع بفريستها وتسحبها مسلوبة الإرادة فوق ريش النعام وتخنقها بمنديل ناعم حرير وتدفنها ملفوفة داخل راية التبجيل ووراها جنازة حارة بمزيكة المارشال..
وأقلام تقول رأيها فى النور، تكتب بحروف من نور، وأخرى عاشقة للضلمة تنخر فى الجذور وتمتص رحيق الساق وتلبد فى الذرة، وأقلام لها أسنان تنهش الأعراض وتنخور فى جروح النفس وتمزق أشلاء الروح بأظافر الكلمات وتصلب ضحاياها وتقطع الأوصال بشبكات الاتصال، وأقلام لسانها مقطوع ونفسها مقطوع وهى ذات نفسها مقطوعة من شجرة مالهاش حد.
أقلام فى الفارغة تلت صفحات وفى الهايفة تعجن ملازم ورق، تلقفها منها مطابع السادة تحضنها بغلاف مقوى وبصمة ذهبية لتخرجها بعد الطبع الكوشيه فشر موسوعة البريتانيك ديكوراً لمكتبة فلان بك وفلان باشا وصاحب المعالى فلان، وأقلام تسهر عمرها منكبة تستقطر عصارة عمرها أفكاراً على ورق لحمة.. و.. أقلام تمشى فى الزفة وأخرى تمسك الدفة وتالتة تملى بها قفة تاخدها هناك لبعيد ترميها فى الترعة.
أقلام بها حول، تكتب العربى من الشمال لليمين كأنها تكتب سطورها الباردة لقارئ إفرنجى.
أقلام من البداية تدير لك ظهرها وتقول الختام مختصرة للغاية فيما لا يفيد طيه ولا فرده، وأخرى تسهب فيما لا يفيد أيضاً، وأقلام تفتش على الغلط بملقاط وتفضل تعيد وتزيد وتفرد كشفها بمكواة رجل واللى تقوله النهارده ترجع تذلنا به فى الغد، وأقلام شرع جملتها الجميلة الواضحة المختصر والمفيد.
أقلام يخشى سطوتها ظالم، تشعل الثورة، تحرر العقول، توقظ النائم، تحضن اللامنتمى تأتى بالشارد، تمسك بطرف الخيط، تمشى خطوة أول المشوار، تحرك أمماً، تتصدر طابور الزحف.
أقلام تزغزغ وأخرى تبصبص، وغيرها تلعب حواجبها، وأقلام طابعها الإثارة ترجعك وحش غاب تخاطب نصفك التحتى، وأقلام مالها شغلانة سوى قضايا الدين، ليس بالوعظ والتقوى والإرشاد والدعوة والتمثل بالأسوة الحسنة، وإنما بالغمز واللمز وتشويه المقدسات والتجرؤ على سيرة الأنبياء والفجاجة والتطاول لحد الكفر.
أقلام تبيعك وأخرى تشتريك، وأقلام تخاطب الروح تاخدك لفوق لآفاق الرحابة والسماحة والشفافية، وأخرى تضع راسك فى الطين فى أسفل سافلين والحجة الاجتهاد والرأى الحر ودرب الديمقراطية وقمع الإرهاب الفكرى والاستعانة بالمنظمات الإنسانية.
أقلام شريفة نظيفة عفيفة، وأخرى وشها مكشوف، كل ليلة فى حجرة نوم حزب شكل وولى أمرها أبوإيد طايلة.
أقلام تناطح السحاب فى اتساع الأفق، وأخرى أرضيتها واطية، قرصتها والقبر.
أقلام مزاجاتية قاعدة فى برج عاجى، تكتب ما تكتبشى، المهم الوحى مايزعلشى.
أقلام رومانسية تطرز درراً على أنغام التانجو، وأخرى همجية ترقص على طبول الغاب وتسطر فواحش مدمنة بانجو.
وقلم تزرعه يقلعك، وقلم كلب ينبح ومايعضش، وقلم طول عمرك يا رضا وانت كده، وقلم زى القطط يسبح ويسرق، وقلم يرقص للقرد فى مملكته، وقلم لا يخاف لومة لائم، وقلم نصب عينه: اللى تكره وشه يحوجك الزمان لقفاه، وقلم يكتب بمنطق جوع كلبك يتبعك، وقلم إن كنت ناسى أفكرك، وقلم ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، وقلم هئ ومئ وطبلة ورق، وأقلام تخاطب العبيد والعصا معها، وأقلام الله لا يوريك، وأقلام تجيب التايهة، وأقلام متقلة العيار، وأقلام تماحيك وعجب، وأقلام معقولة حلاوتها!!،
 وأقلام عينها باكسة، وأقلام كانت فى جرة وطلعت لبرة، وأقلام خلتها ميغة، وأقلام فى الخباثة تلهط فى البالوظة، وأقلام فى مولد وصاحبه غايب، وأقلام تديله ماترحموش لحد مايبان له صاحب، وأقلام بكلمة باطل تجبر الخاطر، وأقلام تبين الحلال بين والحرام بين، وأقلام للى مايستحى يكتب مايشتهى، وأقلام إن كان فيها الكاتب مجنوناً يكون القارئ عاقلاً، وأقلام دخانها من غير نار، وأقلام تقرأ كلامها تحس أنه نشر من قبل،
 وأقلام تشعرك أنها وصولات صرف، وأقلام تقول لك الحوجة مرة المحتاجة غناجة، وأقلام تشمها قبل ما تقرأ لها، وأقلام تبوسها وتحطها جنب الحيطة، وأقلام تدوسها وتحطها جنبها، وأقلام زرقاء وأقلام صفراء وأقلام حمراء وأقلام مقلمة، وأقلام مغبشة، وأقلام كتابتها تصلح لحوائط دورة مياه فى ميدان عام، وأقلام زى وشها، وأقلام تجيب اللى وراء قدام، وأقلام تصحى الآلام، وقلم تميل عليه وتقوله: ليه؟
وفى صحبة الأقلام قلم جوعان وقلم غلبان وقلم صوت القطط السمان وقلم كرباج وقلم ضمادة جرح وقلم هلفوت وقلم حوت وقلم ملطوط وقلم شفطوه من غير حس ولا خبر.
قلم باهت، وقلم عندما يشرع فى القول تشحذ شبكات الإنترنت شاشاتها والوكالات فاكساتها والجرائد صفحاتها وتفتح الصالونات أبوابها والأفواه أقوالها وأقلامها.
قلم يكتب على سطر ويسيب سطر، يمكن يغلط فى كلمة بسيطة يقدر فى سطر فاضى يبلع ما قاله ويقلب المعنى، وتظل عمرك تقرأ له ولا تعرف ما إذا كان على هذا الجانب أو من دعاة الجانب الآخر.
قلم حر يفتح الشبابيك ويهوى فرش البيت ويستضيف ضوء الشمس، وآخر يقلب السلطة على صاحب فكر حر بغرض كسر الجناح وقصف القلم وتقليصه لأبكم أصم محكوم عليه بصمت العدم.
قلم شرك، وقلم شر، وقلم شبق، وقلم شره، وقلم شيلنى وأشيلك، وقلم لا يكتب وإنما يكتب له، وقلم شاك، وقلم باك، وقلم على راسه بطحة والتانى على راسه ريشة، وقلم شوكة فى جنب الظالم، وقلم فى مهب الهواء.
قلم محروق وقلم مزنوق، وقلم نزاهة وقلم شحات، وقلم فحل وقلم ضحل، وقلم يؤرجحك وقلم يضعك فى المستقر، وقلم يصفعك، وقلم يمسك بتلابيبك، وقلم يكرهك فى لغة الضاد، وقلم تعشق تبوس الإيد اللى مسكت به.
قلم نسخ وقلم استنساخ، وقلم معوق يكتب كلمة إليك مشوهة بإليكى بالياء وكلمة «كرم» ب«كرمن» فى آخرها نون لأنه يسمعها كده بودنه الطرشة.
قلم لما يغيب يفتقد، وقلم تاه منه الهدف، وقلم سيد، وقلم خدام، وقلم يصلح وابور الجاز، وقلم فاقد النطق وضايعة أدواته فى التعبير، وقلم قال يعنى ذو أهمية يفضل ينخع عليك لما سيادته كان مع الوزير الفلانى تجمعهما جلسة خاصة، ومع السفير الترتانى فى سهرة خاصة، ومع السيد الوزير المحافظ الفلانى على مائدة خاصة، ومع السيد العميد فى اجتماع له صفة خاصة و.. وإلخ.. طيب يا سيدى خصوك بإيه يكون على درجة كبيرة من الخصوصية.. خلصنى؟!
قلم من ذهب وقلم ألماظ وترتر وخرج النجف، وقلم معلق يبحلق من جيب البدلة الموهير، وقلم مبتلى بالعذاب يقضى حياته كعب داير على دور الصفف والنشر يرموا له إبداعه كل حين ومين فى ذيل عمود أو فى فراغ سطور إعلان لم يدفعها الملعن، فإذا ما تجرأ بطلب عودة النشر يلقى صاحب الجهالة على سكرتيرته يمين عقاب بالتلاتة إذا ما عاودت سعيها لنصرة المعذبين فى أراضى القلم.
و.. وسط الألم والقلم أصبحت هناك حقيقة نستشعرها جميعاً بأن هناك مدرسة أقلام جديدة تولد الآن من رحم الصحافة المستقلة الجديدة تبدت مظاهرها وملامحا بوضوح فى فترة الانتخابات الرئاسية.. أقلام تلغرافية متأثرة بعصر الإنترنت ولغة الشفرة.. جيل جديد من الأقلام يدخلون على الصحافة لغة جديدة وبسيطة تداخلها عامية تنقب فى كنوز القول الشعبى الدفين، صحافة بكر متأججة الصورة، فيها من مفردات الكلمة والتعليق ما يقارب النكتة الصارخة..
كتابة تلبسها روح الحكى والحديث كأنك تسمع من خلالها صوت الكاتب، كأنك جالس بين السطور، صحافة تقرؤها بخاصية المشاركة، الكاتب يكتب سطراً وأنت بعينك تكتب السطر الذى يليه، الكلمات تسحبك إليها كأنك تمليها على ورق تقرؤه، جديد فى عالم الأقلام، أصحابها متمردون على كل حاجة فى المهنة والسياسة و.. إلخ.. أبناء جيل جديد صناع قوالب لها أبعاد حداثة غير قوالبنا المتعارف عليها.. مدرستا أخبار اليوم والأهرام دخلت عليهما مدرسة ثالثة، وإن تجاوزت الحدود فيها بعض السطور..
 فى المدرستين المخضرمتين لم نقف فى وجه التجديد بل حرصنا عليه داخل نفس الأطر المتعارف عليها بيننا، لكن المدرسة الجديدة بأقلامها الوثابة قفزت خارج الأطر، حطمتها لتخرج بصحافتها للهواء الطلق.. كتاب نوعية جديدة غالبيتها لم تمارس الصحافة داخل المؤسسات التقليدية. أقلام لم تتعامل مع رؤساء الصحف القومية ولم تتلق تعليماتها من الجماعة الفوقية.. شباب الفورة والدهشة والحماس والقلم الذى يسابق معدلات التروى والتأنى والأخذ بالحيطة..
أقلام لم تعرف السير فى قنوات القطيع الذى لا يضيف شيئاً.. أصحاب كتابة مغموسة بالسخرية وخفة الظل وإن تجاوزت الخفة أحياناً خطوط اللياقة.. صحافة الكاجوال بدون الكرافتة وحفلات الكوكتيل والمتحدث الرسمى.. صحافة ترفض صحافتنا لغة وأسلوباً ومداخل وعناوين.. سقف الجرأة عندهم مرتفع عدى السقف، وألغتهم جريئة وإن جاءت سطورهم مدججة بأشواك، وألفاظهم تحمل غلظة المادة الخام الغفل بعبلها، المعفرة بتراب الفرن والمنجم، التى لم تصقل جواهرها النفيسة بعد ليكتمل زحف الجديد ويسود..
وعذرنا أننا فى مواقعنا لم نقف على الشاطئ الآخر مكتوفى الأيدى فى معظم الأحايين، فقد كانت هناك انتفاضات. حاولنا أكثر من مرة.. بدأنا أكثر من مشوار بالسهر والعرق والمرض والدم.. كانت لنا إطلالات وإرهاصات، لكنها أجهضت ووئدت بفعل فاعل عندما رفع الستار، استشعر الملقن أننا سنخرج عن النص فألقى بالدفتر وترك الكمبوشة وصعد إلينا ياخذنا على حنطور عيننا لنعاود الالتزام.. لهذا لم نترك البصمة ومضينا، كل فى طريق بعد مازال الرحيق!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.