محافظ المنيا يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة ليلة القدر    وزير الصحة يعلن خطة التأمين الطبي والإسعافي لعيد الفطر    رئيس الوزراء يهنئ الرئيس السيسي بحلول عيد الفطر المبارك    رئيس الوزراء يهنئ شيخ الأزهر بحلول عيد الفطر المبارك    البابا تواضروس الثاني يهنئ رئيس مجلس النواب بعيد الفطر المبارك    الطماطم ب35 جنيها.. أسعار الخضراوات والفواكه بأسواق كفر الشيخ قبل العيد    الديزل يتخطى 5 دولارات في أمريكا مع تصاعد توترات الشرق الأوسط    هانى سويلم يبحث مع التخطيط مقترح الخطة الاستثمارية لوزارة الرى للعام المالى القادم    أسعار الخضراوات والفاكهة بسوق العبور اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026    تحرير 15 محضرا خلال حملة تموينية على الأسواق والمحلات في شمال سيناء    ناقلة غاز كويتية تتعرض لأضرار بعد إصابتها بحطام مسيرة قرب الفجيرة    "تحالف هرمز" يواجه الرفض من حلفاء واشنطن    النائب أيمن محسب: مصر حريصة على إحياء مفهوم الأمن القومي العربي في مواجهة التحديات المتصاعدة    موعد والقناة الناقلة لمباراة أرسنال ضد باير ليفركوزن بدوري أبطال أوروبا    مواعيد مباريات الثلاثاء 17 مارس.. بيراميدز في كأس مصر ودوري أبطال أوروبا    بيراميدز يخشى مفاجآت بتروجت في ربع نهائي كأس مصر    «الأرصاد»: طقس اليوم مائل للحرارة نهاراً.. والعظمى بالقاهرة 25 درجة    مصرع شخصين فى حادث سقوط سيارة داخل ترعة بالغربية    وفاة الفنانة نهال القاضي بعد 40 يوما غيبوبة    وزيرة الثقافة تنعى الدكتورة هالة فؤاد والشاعر محمد سليمان: قامتان بارزتان    أردوغان: سنظل دوما خصما للظالمين ونصيرا للمظلومين    حقيقة زيادة أسعار الأنسولين| هيئة الدواء تكشف للمواطنين    رفع درجة الاستعداد القصوى بمستشفيات جامعة القاهرة استعدادا لإجازة عيد الفطر    وزير الصحة يلتقي نظيره الروسى فى موسكو لبحث ملفات التعاون المشترك    وزير الصحة يعلن خطة التأمين الطبي والإسعافي الشاملة لعيد الفطر    خلال جولته العربية.. وزير الخارجية يطمئن على اوضاع الجاليات المصرية فى دول الخليج العربى والأردن الشقيقة ويثمن رعاية الدول لهم    أطباء: التدخين والوزن الزائد يزيدان مخاطر الإصابة بالفتق    وكالة تسنيم: إيران تعتقل 10 أجانب بتهمة التجسس    جهاز تنظيم الاتصالات يرد على شائعات زيادة أسعار الخدمات بنسبة 30%    سيمور نصيروف يحصل على وسام الختم النبوى تقديرا لجهوده العلمية ونشر التسامح    اليوم.. محاكمة 6 متهمين في قضية خلية مصر القديمة    الكينج حلقة 28، محمد إمام يقتل أحمد فهيم بطريقة بشعة بعد خيانته له    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة- الإسكندرية».. الثلاثاء 17 مارس    وسط أجواء إيمانية مميزة.. تكريم حفظة القرآن الكريم بمسجد النور حمادة بالقصاصين في الإسماعيلية    دمشق تصدر قرارا ينظّم بيع المشروبات الروحية ويحظر تقديمها في المطاعم والملاهي    عودة "حجاب الكنيسة".. تقليد كاثوليكي قديم يستعيد حضوره بين النساء    نيابة الانقلاب تجدد الانتهاكات بحق 10 معتقلين .. تدوير ممنهج وظهور بعد اختفاء قسري    مصرع شاب طعنًا على يد آخرين في حي الزهور ببورسعيد    مواعيد القطارات من أسوان إلى الوجهين البحري والقبلي اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026    الدفاعات الجوية الإماراتية تتصدى لصواريخ بالستية ومسيرات في إمارة دبي    أسعار الأعلاف بأسواق أسوان اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026    أمين الفتوى بالإفتاء: إخفاء ليلة القدر كرامة للأمة.. والاعتكاف مستمر حتى إعلان موعد العيد    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.. صلاة التهجد من كوم أمبو    الأهلي يحتج على قرار «كاف».. ويتمسك بحقه في نظر استئناف عقوبة الجماهير قبل لقاء الترجي    خبير علاقات دولية: الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية يرتكز على ثوابت لا تقبل المساومة    إيمان أيوب: نور الشريف مدرسة حقيقية في التمثيل والثقافة الفنية    انطلاق معسكر مفتوح لحكام القسم الثانى بمركز المنتخبات الوطنية    أئمة الجامع الأزهر يؤمون المصلين في صلاة التراويح بالليلة ال27 من رمضان    الحلقة 13«بابا وماما جيران»| نجاح محاولات الصلح بين أحمد داود وميرنا جميل    محمد سليمان.. وداعًا شاعر الإنسان والهدوء العميق    الأهلى يهزم الاتحاد السكندرى فى نهائيات سوبر رجال الكرة الطائرة    بين أكاديميات أوروبا والخليج والأندية المحلية.. "الفراعنة الصغار" جيل 2009 يسعى لبناء جيل ذهبي للكرة المصرية    إعلام إيراني: مقتل قيادي بالحرس الثوري وانفجارات قوية في بندر عباس    السيطرة على حريق نشب أعلى سطح عقار بالزاوية الحمراء    غدر الأقارب.. "سائق" يقتل طفل العاشر من رمضان ويمزق جثمانه لطلب فدية    خبير علاقات دولية: أمن دول الخليج خط أحمر لمصر وجزء لا يتجزأ من أمنها القومي    تفكيك خلية مرتبطة ب "حزب الله" في الكويت: إحباط مخطط لعمليات عدائية    فريق الرياضة يهزم المعلمين 3-0 فى ربع نهائى دورة اليوم السابع الرمضانية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أسامة أنور عكاشة‏..‏كان صرحا
نشر في الأهرام اليومي يوم 05 - 06 - 2010

الاستشعار عن بعد ملكة أو حاسة سادسة يتميز بها البعض خلقة ربنا أو بالتدريب المكثف‏..‏ وكان أسامة أنور عكاشة الأستاذ كما يحب أن ينادي ملكا علي عرش تلك الملكة. حتي أنه استشف بإدراكه المتوهج أن سقف الحرية الإعلامية في الثمانينيات آخذ في الارتفاع‏,‏ ثم المزيد من الارتفاع‏,‏ ثم المزيد المزيد من الارتفاع في العقود التالية فبادر إلي الدراما الصريحة التي تجرح ولا تدمي‏,‏ وتبوح ولا تتستر‏,‏ وتخرج أبطالا من غياهب الظلام إلي ساحات النور‏,‏ وتضع الماضي بعبله برزاياه وأمجاده وطرابيشه ولياليه وأيامه أمامنا علي الشاشة‏..‏ وبتلك المبادرة منطلقة الأجنحة انفتح الباب علي مصراعيه لكل كتاب الدراما المصرية ليندفعوا صانعين أنضج أعمالهم‏,‏ ولتتحول الأعمال الدرامية من حواديت للتسالي وواحد بيحب واحدة يا يتجوزها ياما يتجوزهاش إلي ما يشبه منتديات الرأي‏..‏ ولولا شجاعة عكاشة الذي اعتلي قمة جبل الدراما في‏40‏ عملا لما رأينا أعمالا مثل أبوالعلا البشري والراية البيضاء وملحمته الخالدة ليالي الحلمية‏,‏ ومسلسله السكندري زيزينيا‏,‏ وملهاته عفاريت السيالة وتطريزة أرابيسك وصولا إلي المصراوية ذلك البحث المطول حول تكوين الشخصية المصرية المعاصرة‏,‏ وما آلت إليه‏,‏ وماذا يحمل لها الغد‏,‏ في مسيرة يقرأ فيها بن عكاشة كف مصر الدرامي من بعد ما قرأه جمال حمدان جغرافيا كموقع ومكان‏.‏
وربما عن قصد أو عفو الخاطر أو نوع من إحساس طارئ بأن الخوف المقيم من البعبع تتخاذل قبضته‏,‏ وأنه مفيش بعبع ولا حاجة‏,‏ وأنه لكي ننهي تراث التراجع والإحجام علينا بعملية الاقتحام وإطلاق صيحة مغموسة بشجاعة في عتمة الليل البهيم‏:‏ مين هناك؟‏!!..‏ وربما بدافع من سنوات السخرية الطويلة المريرة للنظرة السطحية التي كانت تمحو صورة الملك فاروق بشخبطة متذبذبة من لقطات أفلام ما قبل الثورة‏..‏ من هذا وذاك وبحاسة استشعار ملكها جيلنا من المخضرمين في بلاط الصحافة الذين اكتووا بنار الرقيب واستشعروا بدايات ارتفاع سقف الحرية ما دفعني بمنطق وليه لأ بمجرد تولي رئاسة تحرير مجلة نصف الدنيا الوليدة في أواخر الثمانينيات إلي مفاجأة القارئ للمرة الأولي بنشر سلسلة مصورة عن فاروق وحياته وأفراحه وأتراحه‏..‏ الملك المبتلي بالعرش والعزل‏..‏ وفي هذا لم أستأذن‏..‏ وفي النشر لم ألم‏..‏ ووجدتنا كنا ملكيين أكثر من الملك وكما قال سيدنا علي كرم الله وجهه الناس من خوف الخوف في خوف‏,‏ بل وأذكر بعدها علامات اهتمام وترقب من السيدة الفاضلة سوزان مبارك لمشروعنا في إصدار كتاب ضخم عن فاروق ما له وما عليه يضم لقطات نادرة منها جلوسه علي الأرض لتناول الطعام في رحلة لشم النسيم مع خطيبته فريدة ذوالفقار‏..‏ وانطلق بعدها فاروق من عقاله كفريت القمقم ليغدو مادة ثرية في الإعلام المكتوب والمرئي‏,‏ وأصبح هناك مسلسل الملك فاروق الذي قال عنه عكاشة ملك المسلسلات أن كاتبته السيدة لميس جابر قد تعبت كثيرا في إعداد العمل ولكنها قرأت بعين واحدة فقد استهوتها حكاية أجواء الحنين لشكل الملكية والحياة الأرستقراطية فأغفلت الجانب الآخر وهو ما استقر عليه إجماع الرأي المصري من أن هذا الملك لا يصلح ولا يصح أن يكون حاكما لمصر‏..‏ ويعجب عكاشة من أنه كيف يمكن الدفاع عن ملك هوايته سرقة كل من حوله ولعب القمار في الأوبرج ونادي السيارات وهو يعرف أن من حوله يهزمون له من أجل الحصول علي مراكز أو رتب‏,‏ ويشرح عكاشة وجهة نظره بأن فاروق كان السبب الرئيسي في القضاء علي أسرة محمد علي وليس جمال أو نجيب‏,‏ فقد كانا يمثلان رد فعل فقط‏,‏ ولهذا لم يدافع الناس عن فاروق ولم يأسف علي رحيله أحد‏..‏ ولابد وأن ننظر إلي التاريخ بعينين‏,‏ ولا يمكن أيضا أن نحمل فاروق كل الذنوب فقد كان ملكا ضعيفا ولا يستحق أن يكون محل جدل أوموضوع دراما تليفزيونية‏:‏ وأما كان الأولي إنتاج مسلسلات عن زعماء بقامة النحاس وسعد زغلول‏,‏ وتأكيدا فإن فاروق لم يكن ذلك الرجل الجميل الظريف الذي ظهر في المسلسل فلم يكن أبدا المتواضع خفيف الظل بل كان مزاحه يتسم بالسخف حتي أنه ذات مرة تعمد وضع عملة نقدية في إناء به ماء نار كاوية وظل يطلب من بعض أفراد خدمه التقاط العملة من قاع الإناء لتكتوي أياديهم في مفاجأة سخيفة وبثقل ظل غير معقول‏....‏ ويظل مسلسل ارتفاع سقف الحرية الإعلامية في المزيد حتي بتنا نري أحمد فؤاد نفسه ابن فاروق الذي يناديه البعض الآن بلقب‏Yourmajsty‏ يتجول كسائح في أنحاء البلاد‏,‏ ويقوم بزيارة بعض الصحف‏,‏ وتعقد له المؤتمرات الصحفية‏,‏ ويظهر ضيفا علي شاشات التليفزيون لتناقش ملامحه في جلسات الصالونات والأندية‏:‏ مناخيره شبه مناخير أبوه‏..‏ واخد كتير من تقاطيع أمه ناريمان‏..‏ و‏..‏ياختي عليه له طلة ملوكي‏!!.‏
عكاشة ابن طنطا في عام‏1940‏ المنزوي عن رفاق الطفولة بجرح اليتم الغائر في قلب العصفور ولم يزل في السادسة‏..‏ اللاجئ لأحضان حجرة الكراكيب كمغارة علي بابا التي عثر في عزلتها علي الكنز الذي لم تكن خبيئته دهب وياقوت ومرجان لكنه مع ذلك هتف أحمدك يارب فقد لاقي داخل الرحم البديل من جواهر المتعة ما كان يلهيه حتي عن اللعب بقراءة ما أودعه والده فيه من كتب ومطبوعات‏,‏ فكان له الحظ في السن الصغيرة أن يقرأ أيام طه حسين وكتابه عن الشعر الجاهلي‏,‏ وللرواد رواياتهم أمثال محمود تيمور وطاهر لاشين والحكيم وأمين يوسف غراب ويحيي حقي والمازني والبدوي والمصري ومكاوي‏,‏ إلي جانب مجلدات اللطائف المصورة‏,‏ ومسامرات الجيب وروايات الهلال وروزاليوسف والرسالة والمختار‏..‏ ولقد ربته صفحات الثقافة التي أسهمت في توسيع مداركه لمستقبل التسيد في عالم الأدب‏,‏ وشاركت في تربيته زوجة الأب الحنون التي حاولت أن تعوضه مع شقيقه الأكبر أحمد والشقيقة الصغري عن موت الأم المباغت‏,‏ وكان في احتواء الشقيقة له قبس من عطاء الأمومة الراحلة‏,‏ لكنها بدورها رحلت لتأتي بعدها سنوات التأجج والظمأ العاطفي ببطلة سنة أولي حب وكانت زميلة الدراسة الجامعية في كلية الآداب قسم الدراسات الاجتماعية والنفسية التي ما أن ظهرت علي الحبيبين بصمات العواطف الشابة حتي انبري الأهل كعادة الأهل لوضع المتاريس والحراب والصعاب والعذاب في سكة الحب الذي تجاسر وولد بعيدا عن مياههم الإقليمية‏,‏ فأعلنت العزائم الواجفة الراجفة الهشة توبتها النصوح وذهب كل في طريق‏,‏ لكن الرغبة التي لا تتحقق تظل تؤرق صاحبها‏,‏ فيبقي العشق كامنا في قلب العاشق المتفرد لا يموت لتثمر الأغوار الصاخبة حدائق ورياحين تخرج للسطح للهواء الطلق لتظلل زواجا تقليديا عذبا‏,‏ وأربعة أبناء أكبرهم هشام المخرج التليفزيوني‏,‏ ثم أمل وبعدهما أميمة والصغري مذيعة صوت العرب نسرين‏.‏
الحاج أنور الأب متواجد دوما يطل من بين سطور الابن الكاتب الأديب أسامة إن لم يكن بشخصه سافرا فبظلاله المؤثرة حيث تقرأ فيها إعجابه به تاجرا محنكا حويطا نشطا ملما بجميع خيوط اللعبة يجيد التجارة في كل الفروع‏..‏ البقالة والمانيفاتورة والحبوب والكيماويات إلي جانب دوره شريكا في شركة نقل‏,‏ وصاحب مطبعة‏,‏ ومالك لوكاندة‏,‏ ولقبه ابن بطوطة الذي لا يطيق البقاء في مكان فيشد الرحال للترحال‏,‏ وقد أفلح وسط معاملاته النشطة بالإسكندرية في أن يعقد صفقة مع الخواجة اليوناني خريستوفيدس قبل رحيله السريع إلي نيقوسيا‏,‏ اشتري منه فيها مطحن بن كبير واثنين صغيرين‏,‏ وفوق البيعة شقة واسعة علي البحر في محطة الرمل بأرضيات باركيه وزجاج ملون وحمامات ومطبخ وأوفيس ولوحات زيتية في مقابل ستمئة جنيه فقط‏,‏ لكنه عندما جرب المبيت فيها مع الحاجة والأبناء اكتشف أن ريحها ثقيل فتركها لأسامة حتي يظهر لها زبون‏..‏ وكان الابن يعذر الأب الذي يفكر من منظور مصلحة التاجر الذي يتوجس شرا من سياسة التأميم وقوانين يوليو الاشتراكية التي تؤدي حتما إلي استيلاء الدولة علي أموال الناس‏,‏ وعندما جلس يستمع إلي أغنية أعدها عبدالوهاب علي وجه السرعة لتناسب التحولات الاشتراكية الجديدة وتقول كلماتها‏:‏ دقت ساعة العمل الثوري لكفاح الأحرار‏,‏ علق ساخرا‏:‏ صدق والله فقد دقت الساعة علي أدمغتنا جميعا‏.‏
ومن شرفة شقة الرمل لشرفة المعمورة للعديد من الشرف التي كانت من لوازم إقامة أسامة أنور عكاشة علي شط الإسكندرية ليطل منها علي البحر الكبير تحف به دائرة الأصدقاء يفئ بكرمه الحاتمي عليهم فيمضغون الطعام والدخان والحوار في وضع الإتكاء أفضل الأوضاع في نظرهم لأنه ينمي عادة التأمل‏,‏ والتأمل يدفع إلي التفكير‏,‏ وبالتالي يتحقق الإنسان بوجوده أنا أفكر إذن أنا موجود‏,‏ فضلا إلي ما يضيفه الاسترخاء من هدهدة الجوانح وملأها بمشاعر التصالح مع النفس والسلام والتأني والروية وتناول الأمور برفق والمشكلات بدون عصبية واتخاذ القرارات علي المهل لتخرج صاغ سليم‏..‏ ويحاول صاحب الشرفة عبثا شرح العواقب الوخيمة لحالة البقاء دون حركة‏,‏ حيث يقلل من حركة الدم ويزيد من ترسيب الدهون في الشرايين والأملاح في المفاصل‏,‏ والتعجيل بأمراض لا أول لها ولا آخر‏,‏ لكن جميع محاولاته تذهب هباء مع حزب الشرفة‏,‏ الذي هو نفسه حزب الكنبة‏,‏ اللهم إلا عندما يطلق اقتراحه المدوي‏:‏ إيه رأيكم في عشوة سمان في العطارين؟‏!!‏ ساعتها ينتقل الحزب للعطارين‏.‏
ذلك الكسل الخاص نموذجا لكسل البلد العام الذي أتي في رأي عكاشة من سكون الطبيعة في مصر وهدوء عناصرها‏:‏ الطبيعة الخشنة والصعبة والعدوانية تطور الإنسان في مواجهتها‏,‏ وتنمي فيه قدرة المقاومة وتستنفر إمكانات الإبداع لديه‏,‏ فعنفها وقسوتها يخلقان الحاجة إلي التسلح ضدها‏,‏ والحاجة تخلق الابتكار والاختراع وتسفر عن أفضل قدرات الإنسان وملكاته‏,‏ وكان تاريخ الهولنديين هو تاريخ صراعهم مع البحر لكبح جماحه فبنوا أكبر شبكة من الجسور في العالم‏,‏ واليابان هو الآخر مثال كأرض جزر بركانية خالية من كل الثروات الطبيعية‏,‏ وزراعة علي أشرطة ضئيلة لا تكفي لإطعام أهلها وجبتهم الرئيسية من الأرز‏,‏ ولا توجد أية موارد أو مواد خام تقيم صناعة لها وزن‏,‏ وتقع الجزر علي حزام زلزالي نشيط لا يفتأ يتحرك ويدمر‏,‏ ولكن من قلب الخطر والعدوان شحذ اليابانيون إرادتهم ليصبحوا في عالم اليوم أعجوبة الإنجاز والتفوق‏..‏ أما هنا‏..‏ في بلادنا الجميلة القديمة التي لم يمسسها بالشر زلزال ولا بركان ولا يهددها بحر أهوج ولا طقس جائر‏,‏ ولم تواجه الإنسان فيها مشقة تستدعي مغالبة الطبيعة‏..‏ فالوادي أخضر منبسط‏..‏ والدلتا كالبساط الأخضر‏..‏ والنيل مستأنس ووديع‏..‏ والبحران‏..‏ أحمر ومتوسط تتدافع أمواجهما في رفق ودعة‏..‏ قد يصطخبان حينا في الشتاء ولكن بلا خطر أو اجتياح‏..‏ والعضو الذي لا يستخدمه الإنسان يضمر ويذوي وينقرض‏,‏ ومن هنا توارثنا الكسل الأحلي من العسل‏,‏ والتنبلة أبا عن جد‏.‏
عاشق الإسكندرية المرية بنت الزعفران الذي دفعه الحنين الدائم إليها للسكن في أول الطريق الصحراوي المؤدي إليها‏,‏ وغرامه بها ليس لأنها مجرد مكان أو مدينة لكنها حالة وجدانية لبست من المبدعين فيلقا مشعا شهد لهم التاريخ بالريادة والجلال أمثال داريل صاحب رباعية الإسكندرية جوستين وكليا وبالتازار ومونتليف والشاعر كافافيس وأدهم وسيف وانلي وسيد درويش وبيرم التونسي ومحمود سعيد ونجيب محفوظ في ثلاثيته السكندرية السمان والخريف وميرامار والطريق التي لها نكهة متفردة يقطر رحيقها علي لسان القارئ الذي يجد بينها وبين ثلاثية القاهرة زقاق المدق وبين القصرين والسكرية فروقا جوهرية‏,‏ وإن كان الأسلوب نفسه والبناء الهندسي لا يختلف‏,‏ لكن هدير زحام البشر في الزقاق القاهري مختلف تماما عن هدير الأمواج علي الكورنيش‏,‏ وصحبة قهوة ريش والكلام في السياسة هنا‏,‏ غير قعدة الصحبة الاسكندراني وتقمص شخصية سيد درويش ودور أنا عشقت الذي ينتهي لتبدأ طقطوقة خفيف الروح بيتعاجب‏.‏
اسكندرية عكاشة زارها طفلا ممسكا بيد الأب الذي صحبه في نزهة علي المالح ليري الصغير الفيلات المتناثرة كحبات اللؤلؤ في مواجهة حانية للمتوسط خالص الزرقة إلي المدي البعيد‏..‏ ويركب المشدوه من باب عربة الدرجة الأولي في الترام الأزرق أبودورين ليشم أنفه للوهلة الأولي رائحة العطور التي يتطيب بها الخواجات‏,‏ وتقتحم عيناه وجوها بيضاء ورؤوسا شقراء وعيونا ملونة هي وحدها تملأ العربة وهو وحده ومعه أبوه يبدوان مختلفين بلون البشرة المصري الأسمر‏..‏ وقتها اضطربت أعماق الطفل بإحساس طاغ بالنقص ثم بكي بعد هبوطهما من الترام ليسأله الأب منتهرا ماذا أبكاه؟‏!‏ فيجيب برجفة كادت تبكيه مرة أخري‏:‏ انكسفت‏..‏ فيضحك الأب معلقا بسخرية‏:‏ ليه؟ أول مرة تشوف خواجات؟‏..‏ ما عندنا في البلد‏(‏ تودري الأصفر البقال‏)..‏ و‏..‏في أثينا بعد عشرين سنة يجلس عكاشة في أحد مقاهي ميدان أومينا الذي لا يختلف قدر شعرة عن قهوة فاروق‏,‏ أو قهوة جابر في الإسكندرية‏,‏ ويأتيه الخواجة نيكولا الذي هاجر مع الخروج الكبير للخواجات بعد عام‏1961‏ إثر تطبيق قرارات يوليو الاشتراكية‏..‏ أتي إليه يمسح دموعا انحدرت علي خديه متذكرا أيام العز في الإسكندرية‏:‏ لم أنسها لحظة يا ولدي ولم أعش لحظة سعادة بعدها وقد أدركت منذ اليوم الأول لعودتي هنا أنني تركت وطني هناك إلي مهجري هنا‏..‏ وكان الوقت غروبا في أثينا ليسمع أسامة أنور عكاشة صاحب الحنين الدائم إليها أصداء في أذنيه لآذان المغرب في مئذنة جامع المرسي‏,‏ وتتردد علي أسماعه ترنيمات تغني‏:‏ واقرأوا الفاتحة لأبوالعباس يا اسكندرية يا أجدع ناس‏..‏ أبوالعباس صاحب المزار والمقام ولي الإسكندرية وشفيعها درة العقد بين أضرحة المتصوفة المغاربة الذين عبروا مصر في طريق ذهابهم للحج وعودتهم فآثرت الغالبية منهم ألا تكمل رحلة الإياب‏,‏ فمكثت في الإسكندرية بالذات ليضم ثراها أضرحة يرقد فيها ياقوت العرش والشاطبي وبشر وجابر والعجمي‏,‏ بالإضافة إلي الأباصيري أوالبوصيري صاحب نهج البردة وأبي الدرداء‏..‏
كيف نقرأ الماضي؟ سؤال مهم وجهه أسامة أنور عكاشة لنفسه ليجيب عنه بنفسه‏:‏ لابد وأن يسبق هذا السؤال سؤال آخر هو بأي ذهنية نقرأ؟‏!..‏ ذهنية الدروشة أم الاتباع الأعمي‏..‏ في جميع الأحوال لابد أن تكون القراءة نقدية في مجال إعادة فتح ملفات التاريخ‏,‏ ولنضرب المثل بالدكتور طه حسين للشعر العربي عبر كتابه العظيم الشعر الجاهلي الذي وضع الأساس للمنهج النقدي الذي ينبغي أن نقرأ به تاريخنا الاقتصادي والاجتماعي‏..‏ لا يجب أن نقرأ للترنح والتخبط‏,‏ بل القراءة لكي نناقش‏,‏ وهذا هو المنطق المطلوب‏,‏ وعند قدرتنا علي هذا سيمكننا تجاوز وعبور كل مناطق التخلف‏..‏
لقد أثار أسامة أنور عكاشة في عام‏2004‏ لغطا وضجة في أوساط دارسي التاريخ الإسلامي عندما حل ضيفا علي إحدي القنوات الفضائية للحديث عن أزمة الدراما الدينية وسئل لماذا لم تقدم مسلسلات دينية وتاريخية فأجاب ببراءة‏:‏ لأن الرقابة تشوه مثل هذه الأعمال وانظروا ماذا فعلت بمسلسل عمرو بن العاص الشخصية التاريخية التي ارتكبت أعمالا حقيرة أدت إلي انقسام المسلمين إلي سنة وشيعة‏..‏ واندلع الحريق‏..‏ فقد لعنوه وكفروه وقدم أحد المحامين بلاغا إلي النائب العام يتهمه بالإساءة إلي رموز الإسلام وأعلن قيامه برفع دعوي لتفريقه عن زوجته باعتبار أنه مرتد‏,‏ وحشدت جميع الأطراف أسلحتها ضد عصفور الكناريا الكاتب المبدع عف اللسان الذي أرسي قواعد الأدب التليفزيوني‏..‏ ولم يكن عكاشة وحده من خرج عن نص إبداعاته‏,‏ فقد زج غيره من المفكرين بأنفسهم في غير تخصصاتهم مثلما خرج علينا الفيلسوف الكبير عبدالرحمن بدوي مدليا برأيه في عالم السياسة‏,‏ ومثله الناقد العظيم لويس عوض عندما كتب في التاريخ‏,‏ وعندما خرج المفكر حسين أمين بوجهة نظر تعتمد علي أن أحد الصحابة لم يكن يجيد الصلاة مستشهدا بأحد كتب التراث التي حققها الباحث الإسلامي محمد عمارة‏,‏ حيث وجد السبب في العبارة يعود إلي أن الصحابي كان يطيل في صلاته وعندما أدلي صاحب نوبل نجيب محفوظ برأيه في التطبيع‏..‏ ونحن عندما نحاكم هؤلاء نظلمهم فليس مطلوبا من الفيلسوف أن يكون سياسيا محنكا‏,‏ ولا تخول شهادة الدكتوراه التي منحت شرفيا للموسيقار محمد عبدالوهاب أن يقطع برأيه في نظرية علمية‏,‏ وليست قيمة نجيب محفوظ مستمدة من رأيه في التطبيع‏,‏ وبالتالي ليست كل قراءة تصيدية للتاريخ تظهر وجه الحقيقة‏,‏ ومن هنا ارتأي أسامة أنور عكاشة أن لابد من الاعتذار بأنه لم يكن قاصدا بلفظته الجارحة في حق عمرو بن العاص الشخص ذاته وإنما السلوك والفعل وما ترتب عليه من آثار‏,‏ وعلي هذا يستبدل اللفظ ليجعله قام بدور مدمر في قضية الفتنة الكبري‏..‏ ويستدعي المعترك سؤال كما المصيدة لأسامة أنور عكاشة‏:‏ لماذا لا يظهر في أعمالك الفقه بأصول الدين وعقائده وتعاليمه‏,‏ حيث تكاد تخلو من كلمة عن الإسلام؟ فيجيب الواثق من عقيدته‏:‏ كل شخصياتي أو غالبيتها مسلمة تتحرك بقيم الإسلام وروحه‏,‏ لكنني لا أستطيع أن أكون واعظا بشكل مباشر‏,‏ فالناس في أعمالي يصلون ببساطة شديدة‏,‏ والمسجد وحدة أساسية في أعمالي كما هو في المجتمع ويري كمثال في ليالي الحلمية حيث الناس رايحين من الجامع وراجعين من الجامع‏,‏ وفي الشهد والدموع اعتكف البطل في المسجد‏,‏ وهكذا لا أقول الصلاة خمس مرات‏,‏ أو هكذا يكون الحج‏,‏ فالمشاهد لا يحب المباشرة وفي جميع مسلسلاتي قيم أخلاقية أقولها بدون خطب ولا مواعظ‏,‏ وعندما أقدم شخصيات قبطية أو غير مسلمة عموما فإنني أرسخ أن هذه الشخصيات جزء من نسيج المجتمع ككل‏,‏ وأن في المجتمع الإسلامي متسعا لكل أصحاب الأديان‏,‏ ليس الآن فقط‏,‏ ولكن منذ ظهور الإسلام وانتشاره‏..‏ أما في حياتي فأنا أؤدي فرائض الإسلام من صلاة وزكاة وإذا أمرني الطبيب بالإفطار لأنني مريض بالضغط والسكر والقلب والرئة أفطر وأفدي في بلدي كفرالشيخ‏,‏ وكان والدي متدينا يصر علي إيقاظنا لنصلي الفجر في المسجد في عز طوبة‏,‏ ويسمعنا القول‏:‏ حفت الجنة بالمكاره‏,‏ وحفت النار بالشهوات‏,‏ والجزاء علي قدر المشقة‏,‏ وتستوقفني في قراءتي المتدبرة للقرآن قوله تعالي‏:‏ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض‏..‏ إنها الآية المعجزة التي تلخص تاريخ البشرية‏..‏
أسامة‏..‏ الأستاذ‏..‏ أبو قلب ذهب‏..‏ القلب الرهيف طاله المرض‏,‏ ومن بعده الرئتين‏,‏ ثم الكليتين والدم‏,‏ ورغم كل هذا وذاك من ضروب هوان الجسد فضلت المدعوقة السيجارة مزاجا عبثيا للمنتحر مع سبق الإصرار والترصد‏,‏ محال ينفطم عنها مهما رسموا له علي العلبة من جماجم وواجهوه صراحة بأنها دعوة معتمدة للسرطان‏..‏ دعوة سوداء لباها من قبله من عتاولة القلم المدخنين إلي حد السكين علي أمين وموسي صبري وكامل الشناوي وفايز حلاوة‏..‏ أسامة بن الأناور سند قلبه العليل علي كفه وارتحل في المشوار المصيري لأرض كليفلاند في آخر الدنيا المثلجة كي يرقد هناك بعد تخديره تحت الكشافات يشقوا له صدره ويرتقوا ويبدلوا ويوصلوا الشرايين ورجع بعدما عدت الليالي السوداء ووقعت خيوط طعنة الصدر السوداء‏,‏ لكن اللي انشرخ عمره ما ينصلح ولا يرجع كما يدعون ويشجعون علي الزيرو‏..‏ وكان ولابد في حالته من أن يعي جيدا درس الحياة والمشي علي أرض الحذر برفقة أقراص البلافكس جنب الحيط‏,‏ لكن صاحبنا المتمرد علي صحته نسي اللهاث وكرشة النفس وعذابات الرئة فرجع من تاني لكليفلاند ليخرجوا له من تاني قلبه في الهواء بره بهدف تغيير ما جد من عطب في التوصيلات ويزرعوا له جهاز يرسل إنذارا بالخطر في حالة إذا ما دقت الجلطة علي باب النذير‏..‏ و‏..‏من سنة لا غير استأصلوا لأسامة إحدي الكليتين المصابتين ليقضي الداء اللعين المستشري علي الثانية‏,‏ ويخطف من أحضان مصر ابنها وعزيز عينها أسامة أنور عكاشة الذي كان قد قال علي أعتاب سكة اللي يروح فيها مايرجعش بعدما أجريت له أول عملية خطيرة للقلب منذ ستة أعوام‏:‏ مرضي مرض مهنة الجلوس طويلا للكتابة علي الورق‏..‏ ساعات ينسي فيها الكاتب نفسه قد تصل إلي‏10‏ ساعات‏,‏ إلي جانب تدخيني الشرس‏,‏ وتركيزي الشديد الذي رفع ضغط دمي مما أثر بعدها علي القلب وتطلب الأمر إجراء الجراحة‏,‏ وصارحني الأطباء بأن المشكلة ليست في تغيير الشرايين وإنما في الرئة التي تأثرت للغاية بالكم الهائل من السجائر التي كنت أدخنها يوميا‏,‏ وما حدثني به الجراح حدث بالفعل‏,‏ حيث واجهت مصاعب مرعبة في العناية المركزة عندما عجزت الرئة عن القيام بوظيفتها مما اضطر الأطباء إلي اللجوء إلي الرئة الصناعية التي لا تتيح للمريض التنفس فيغدو وكأنه غارق تحت الماء‏,‏ ويا لها من لحظة فريدة بعد أربعة أيام من العذابات عندما عادت رئتي الطبيعية للعمل فشعرت بامتنان شديد لله الذي منحني فرصة أخري للحياة‏,‏ وعمقت لي تجربة الموت الذي كان قاب قوسين مني أو أدني إحساسي بجوهر الحياة التي لا تستحق ما نعيشه فيها من تناحر وصراعات‏..‏
ولا يكف قلم صاحب المرض عن العطاء الصحي رغم ما يكتبه الألم علي صفحة الجسد‏,‏ مدرك أنا أنها أعمار بيد الله وما الخوف إلا من لحظة يسكت فيها القلم وتتوقف الكتابة‏..‏ ومضي أسامة أنور عكاشة إلي غاية كل حي‏..‏ دخل قطاره في موعده ليستقله في توقيته المدون في لوحة القدر المحفوظ لتطوي صفحة مجيدة ويترك الفراق كما نعهده مرارة الفقد في حلوق محبيه‏..‏ مضي ولم يجف بعد مداد سطوره الأخيرة علي صفحات الأهرام عندما استدعاه الشجن المغسول بدموع أمل محبط في ليل السهد والأرق والمرض إلي منزلق الشعور بالوحدة‏:‏ عند حافة المغيب يعتصر الشفق حمرته المتوهجة ويقطرها لتملأ بالدمع كأسآ يجد لمذاقها برودة الثلج المذاب في قنينة العطر فيشرب‏..‏ ويشرق‏..‏ يشرق بغصته الخاصة حين يتذكر أنه وحده‏..‏ ولا نديم هناك‏..‏ ويغني فريد الأطرش وحداني هاعيش كده وحداني ولا أقول يا غرام أبدا تاني‏..‏ لم يتبق إلا أصداء تتردد في آذان أصابها صمم الوحدة‏..‏ في العيون دمعة انسحاب‏..‏ والليلة يبكي لأنه تذكر أنه وحده‏..‏ هل الوحدة أن نعيش بغير حب؟ أم الوحدة أن يدركنا السأم‏,‏ ويضجرنا البشر؟‏!..‏ الصمت يسود‏..‏ حتي شقشقة الأسراب العائدة من رحلة النهار والضوء صمتت فجأة‏..‏ في الهزيع الأخير يقطع البنفسج رداء الليل الأسود‏..‏ ومع انطفاء الأضواء الملونة تدريجيا في مشهد المدينة لا يبقي سوي ضي القنديل المتلاشي في شرفة بعيدة يشع نور باهت مخضر تنفر منه الفراشات‏..‏وفي الشرفة قيثارة مهجورة
وأنفاس تتردد في صدر يخفق
وفراشة سقطت حرق الضوء جناحها
والرحلة تصل إلي حافة الهجوع
ويدوم السبات طويلا طويلا هذه المرة
وقد آن لك أن تمسح دمعك
لم تكن أبدا وحدك
لا يا ابن طنطا والسيد البدوي وربيب إسكندرية أبوالعباس وعازف ليالي الحلمية وضمير أبلة حكمت ومؤرخ زيزينيا ومهندس المصراوية‏..‏ لا‏..‏ لم تكن أبدا وحدك فقد كتبت بنبض قلبك للملايين لتعيش أبدا في قلوب الملايين‏.‏

المزيد من مقالات سناء البيسى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.