تشهد مصر موجة متصاعدة من الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاز التعسفي، وإعادة تدوير المعتقلين على قضايا جديدة بعد حصولهم على قرارات بالإفراج، إلى جانب ظهور محتجزين أمام النيابات بعد فترات اختفاء قسري امتدت لأسابيع، وتكشف الوقائع الأخيرة في عدد من النيابات بمحافظة الشرقية والعاشر من رمضان عن نمط ثابت، يعكس استمرار الأجهزة الأمنية في التحايل على القانون، وإبقاء المواطنين رهن الاحتجاز خارج إطار الشرعية القضائية. ففي نيابة قسم ثان العاشر من رمضان، جرى التحقيق مع صبحي محمد موسى يوم الأحد، قبل أن تقرر النيابة حبسه خمسة عشر يومًا وإيداعه معسكر قوات أمن العاشر من رمضان، ولم ترد أي معلومات عن ظروف احتجازه السابقة أو أسباب ظهوره المفاجئ أمام النيابة، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن تعرضه للاحتجاز غير القانوني قبل عرضه على جهة التحقيق.
وفي اليوم نفسه، مثل مجدي عبد الرحمن محمد من كفر محسن – مركز الإبراهيمية، أمام نيابة قسم ثالث العاشر من رمضان، حيث صدر قرار بحبسه خمسة عشر يومًا وإيداعه قسم ثالث العاشر، ويأتي ظهوره بعد فترة من الانقطاع التام عن التواصل، ما يعزز الشبهات حول تعرضه للاختفاء القسري قبل عرضه على النيابة.
أما أخطر الوقائع فكانت في نيابة مركز فاقوس الجزئية، التي حققت يوم 12 مارس 2026 مع أربعة محتجزين هم: إسلام أحمد علي، أحمد عبد الرحمن، إكرامي خليل، وماهر الجنايني، وتشير المعلومات إلى أن الأربعة حصلوا قبل شهر على قرار نهائي بإخلاء سبيلهم من محكمة جنايات الزقازيق، إلا أنهم لم يُفرج عنهم، وظلوا مختفين طوال هذه المدة، قبل أن يُعاد تدويرهم على محضر جديد، هذا النمط، الذي بات يُعرف ب"إعادة التدوير"، يمثل أحد أخطر أشكال التحايل على قرارات القضاء، إذ يُستخدم لإبقاء المحتجزين داخل دائرة الاحتجاز المفتوحة دون سند قانوني حقيقي.
وفي نيابة مشتول السوق، جرى التحقيق مع شريف عبد الغفار من مشتول السوق، وقررت النيابة حبسه خمسة عشر يومًا وإيداعه معسكر قوات أمن العاشر من رمضان، ويأتي ظهوره بعد فترة من الغياب القسري، في ظل غياب أي معلومات رسمية عن مكان احتجازه السابق.
كما شهدت نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس ظهور محتجزين آخرين بعد فترات اختفاء، بينهم يحيى محمود خليل من أولاد صقر، الذي تقرر حبسه خمسة عشر يومًا وإيداعه سجن أبو زعبل، وفي واقعة أخرى، مثل كل من محمود السعيد إبراهيم وهبة من ديرب نجم، وعبد الله السيد عبد العزيز من أبو كبير، أمام النيابة نفسها، حيث صدر قرار بحبسهما خمسة عشر يومًا وإيداعهما سجن أبو زعبل، بعد اختفاء دام أيامًا دون إعلان رسمي عن مكان احتجازهما.
وتكشف هذه الوقائع المتتابعة عن نمط ثابت من الانتهاكات، يتمثل في احتجاز المواطنين لفترات غير معلنة، وحرمانهم من التواصل مع ذويهم أو محاميهم، ثم تدويرهم على قضايا جديدة بعد انتهاء مدد حبسهم أو صدور قرارات بالإفراج عنهم، ويُعد هذا السلوك انتهاكًا صارخًا للدستور المصري، وللمواثيق الدولية التي تحظر الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، وتُلزم السلطات بإطلاق سراح أي شخص يصدر بحقه قرار قضائي نهائي بالإفراج. وقالت منظمات حقوقية: إن "ظهور المحتجزين أمام النيابات بعد فترات اختفاء يثير مخاوف جدية بشأن تعرضهم لانتهاكات جسدية أو نفسية خلال فترة الاحتجاز غير الرسمي، خاصة في ظل غياب الرقابة القضائية على أماكن الاحتجاز غير المعلنة، وحرمان المحتجزين من حقوقهم الأساسية". وأشارت المنظمات الحقوقية إلى أن هذه الوقائع، التي تتكرر في محافظات مختلفة، تؤكد أن سياسة التدوير والاختفاء القسري أصبحت جزءًا من منظومة التعامل الأمني مع المعارضين أو أصحاب الرأي، وأنها تُستخدم كأداة لإطالة أمد الاحتجاز دون سند قانوني، ولإفراغ قرارات القضاء من مضمونها، وتطالب المنظمات الحقوقية بفتح تحقيقات مستقلة في هذه الانتهاكات، وضمان احترام قرارات النيابة والقضاء، وتمكين المحتجزين من حقوقهم القانونية، ووضع حد نهائي لممارسات التدوير والاختفاء القسري التي تمثل جريمة لا تسقط بالتقادم.