إذا كانت الحرب هى إحدى نتائج الثقافة الإنسانية فإن ذلك يعنى، بغض النظر عما يبدو عليه الوضع فى الوقت الحالى، إمكانية التخلص يوما ما من ذلك السوط المسلط على مجتمعاتنا من خلال التطور والتبادل الثقافى. ولكن ماذا لو تبين أن نوعنا كبشر ينطوى على ميل طبيعى لشن الحرب وأن ممارسة الحرب كان لها تأثير كبير على الطريقة التى تطورت بها البشرية؟ طبقا لنظرية جديدة تم نشرها فى دورية «نيو ساينتيست» العلمية، فإن الحرب ليست قديمة قدم الإنسان فحسب، بل لعبت أيضا دورا أساسيا ومكملا فى تطورنا كبشر. والآن هناك خبراء من مجالات متعددة، كالعلماء الباحثين فى أصل الجنس البشرى وتطوره وعلماء آثار وسياسة وعلم نفس، يتفقون على أن أعمال الحرب قد أثرت فى تطورنا، وأصبحت فطرية فى هياكلنا الاجتماعية وسلوكنا. ويمكن للشخص العادى أن يتخيل بسهولة أن التنافس على الغذاء، وغيره من الموارد النادرة، قد دفع أسلافنا إلى حمل بعضهم ضد البعض، وقد ولدت هذه العداوة دائرة متطورة وجعلت الجماعات المتصارعة تطور طرقا أكثر تقدماً لمهاجمة المنافسين أو صد هجوم الأعداء. وهذا ينقلنا من عنف الجماعة الذى مارسه أسلافنا بشكل ضيق النطاق وعشوائى باستخدام الأسلحة الحجرية والحراب إلى التحريك المنظم للجيوش المزودة بأسلحة فائقة التكنولوجيا. وإذا كانت الحرب واقعا متأصلا بشكل عميق فى الثقافة البشرية كما تقترح هذه النظرية، فهل يعنى ذلك أن قدرنا هو العيش فى صراع أبدى؟ الفكرة التى تقول إن الحرب هى نزعة بشرية طبيعية تصنع إيمانا بحتمية استمرار النزاعات وتعطى مهووسى القتال تبريرا إضافيا وهم يقرعون طبول الحروب مما يساعد فى تغيير اتجاه الريح بعيدا عن معارضة الحرب. ولكن حتى لو كنا محاربين بالفطرة فإننا قد ولدنا أيضا مسالمين ومحبين للسلام بالفطرة. فالبلاء، الذى أصابنا بلعنة أشخاص مثل أدولف هتلر، قد باركنا أيضا بأشخاص مثل المهاتما غاندى. وفى الواقع، نجد أن أغلبية البشر والمجتمعات تمضى وقتا أطول فى السلام مما تقضيه فى الحرب. بالإضافة إلى ذلك، فإن فهم الدوافع التى تقودنا إلى العنف بشكل أعمق يمكن أن يساعدنا فى تطوير آليات للتعامل معها والتخلص من أسبابها. ونجد أن الحروب التى نميل إليها بشكل طبيعى هى أقرب إلى حروب العصابات التى تحمل شبها ضئيلا بالحرب المعاصرة. كما أن قرار الذهاب إلى الحرب إلى حد ما لا يشكل نوعا من رد الفعل البدائى بل يستند إلى بعض التداخل والمقارنة بين الحرب والمزايا البديلة للسلام. وفى ضوء التكلفة الهائلة للحرب من أرواح بشرية وموارد مادية، نأمل أن تحصل مزايا السلام البديلة على مكانة اليد العليا، وهناك بعض الأمثلة فى مجتمعات تعلمت هذا الدرس رغم أن إدراكه جاء بالطريقة الصعبة. وتشكل ألمانيا واليابان مثالين على الكيفية التى يمكن من خلالها لمجتمعات قد سقطت فى الحروب أن تزدهر وتنتعش عندما تدير ظهرها للنزاع وتحول سيوفها إلى محاريث. ومهما تكن درجة تأصل فطرة الحرب فينا، فإن بإمكاننا أن نتطور للخروج منها تماما كما سبق لنا أن سقطنا فيها. ويجب أن ننتبه إلى أن مفاهيم هوية الجماعة، كثنائية «نحن» مقابل «هم» الخطيرة، تلعب دورا رئيسيا ويتم استغلالها من أجل الإعداد للحرب. وإذا ما استطعنا أن نسمو قليلا بمفهومنا لإنسانيتنا المشتركة وتغليب صالحنا العام فوق المصالح الأنانية والذاتية الضيقة للمجتمعات المفردة، فإنه سيكون لدينا الأمل فى تحجيم فطرة الحرب والنزعة التدميرية. لقد حقق العالم بعض الخطوات الضعيفة فى هذا الاتجاه مثل الإقرار بإنسانيتنا المشتركة فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ولكننا الآن نحتاج إلى التطور الثقافى الضرورى والنظام القانونى الدولى الصارم من تحويل هذه المبادئ إلى واقع حقيقى.