الإثنين، إجراء المقابلات الشخصية ل561 خريجا للقيد بالجدول العام للمحامين    استقرار أسعار الذهب في مصر وعيار 18 يسجل 5965 جنيهًا    استقرار سعر الدولار في البنوك المصرية عند مستويات 53 جنيهًا    انتفاضة الأهلى .. ونصيحة الرولز رويس    خبير طاقة بعد اكتشاف غاز دلتا النيل: تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول 2028    محافظ الجيزة يوجه بدعم المنيب وتحسين النظافة ومراجعة الأكشاك    وزارة «السياحة» تُكثف الاستعدادات الجارية لموسم الحج السياحي    حرب إيران.. واللعب بين الكبار!    غارات إسرائيلية على دير الزهراني وزفتا ويحمر الشقيف والسماعية جنوبي لبنان    البرلمان العربي يشيد بمقترح الرئيس الصيني للعمل المشترك مع الدول الأفريقية والعربية    مدريد: احتجاز اسرائيل لناشط إسباني من «أسطول الصمود» غير قانوني    الفصائل الفلسطينية: التعامل مع قضية سلاح غزة سيتم في إطار الإجماع الوطني    ليلة سعيدة للجماهير الحمراء| مكافأة فورية للاعبى الأهلى.. والمدرب يعدد مكاسب الفوز    وزير الرياضة يستقبل "ترند الذهب" عبد الله حسونة بعد إنجازه في المصارعة    إعلان حكم مباراة ريال مدريد أمام إسبانيول    تشكيل أرسنال – عودة ساكا وتروسارد بشكل أساسي أمام فولام    بايرن ميونخ ينجو من خسارة مفاجئة ويتعادل 3-3 أمام هايدنهايم في الوقت القاتل    إصابة 3 مواطنين باختناق أثر نشوب حريق في منزل بسيناء    «بوست» يكشف عن نصابة تخدع المواطنين ب «الدجل والشعوذة»    طقس الإسكندرية، أجواء شتوية ونشاط للرياح المثيرة للرمال والأتربة    حبس عاطل 4 أيام بتهمة قتل حارس عقار في الإسكندرية    الإعدام شنقا لقاتل جاره بالشرقية    لجنة تحكيم المسابقة الدولية على ريد كاربت ختام مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    موعد جنازة سهير زكي من مسجد الشرطة بالشيخ زايد    وزير باكستاني: التوتر الإقليمي يعرقل الاستثمارات ويهدد الاقتصاد العالمي    أيمن الشيوي يعزز تطوير المراكز الإعلامية بقطاع المسرح    "الإفتاء": الحصول على عوائد شهادات الاستثمار والودائع البنكية حلال شرعًا    نائب محافظ الفيوم يتابع تطوير مواقف"دمو" و"سنهور"و"إطسا".. صور    كورتوا يعود لحراسة ريال مدريد في الكلاسيكو أمام برشلونة    كاف يعلن موعد انطلاق وختام كأس الأمم الأفريقية 2027    جامعة قناة السويس تقود فعاليات توعوية وتدريبية بمحافظة الإسماعيلية لتعزيز الوعي المجتمعي وبناء مهارات الطلاب والمعلمين    عمرو دياب يتألق في حفل الحكاية.. رحلة موسيقية بين الماضي والحاضر    رحيل أسطورة الرقص الشرقي في مصر.. وفاة سهير زكي بعد مسيرة حافلة    "الصحفيين" تحتفل بتسليم تأشيرات الحج لبعثة النقابة السبت القادم    وزير الصحة يستقبل بابا الروم الأرثوذكس لبحث إنشاء مستشفى بالإسكندرية    وزيرا خارجية الكويت وباكستان يبحثان التطورات الإقليمية    الإمارات تعلن رفع الإجراءات الاحترازية على حركة الطيران    المهن التمثيلية تتابع حريق لوكيشن "بيت بابا 2" وتطمئن على فريق العمل    في دورته الأربعين.. معرض تونس الدولي للكتاب يتوج المبدعين و"إندونيسيا" ضيف شرف    الصحة توضح ضوابط سحب تراخيص الأطباء لحماية المرضى    تعليم دمياط تطلق غدا برنامج المراجعات النهائية لصفوف النقل    مستشفيات سوهاج الجامعية تستقبل أكثر من 45 ألف مريض وتجري 17 ألف جراحة    زيارة مفاجئة لوكيل صحة أسيوط لمستشفى البداري المركزي    كيف قادت القوة والترف قوم ثمود إلى الهلاك؟ عالم أزهري يوضح    الأمن يكشف تفاصيل مشاجرة شاب في الشيخ زايد بعد فيديو متداول    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    10 مايو.. تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. سمير غطاس يكتب: ملفات التطبيع.. وسنينه (3)

عندما انعقد المؤتمر الصهيونى الأول عام 1897 لم يكن عدد اليهود فى فلسطين يتجاوز أربعة الآف نسمة وكان هؤلاء يعيشون كمواطنين متساوى الحقوق والواجبات مع أقرانهم الفلسطينيين تماما مثلما عاش اليهود هنا معنا كمواطنين مصريين أو فى العراق أو فى المغرب وغيرها من البلاد العربية، لكن بعد هذا المؤتمر بدأت عمليات تهجير اليهود من أوروبا الشرقية وروسيا.
وفى العشرين عاماً من 1883 - 1903 جرى تهجير ستة الآف يهودى فقط إلى فلسطين، لكن هذه الوتيرة تصاعدت بعدها وحتى سنة 1914 جرى تهجير أربعين ألف يهودى آخرين إلى فلسطين، ومن الضرورى أن نعرف أنه فى نفس هذه الفترة قرر أكثر من 2 مليون يهودى الهجرة إلى أمريكا وليس إلى فلسطين، وهو الأمر الذى يكشف بجلاء هشاشة ترويج الفكرة المزعومة عن العلاقة بين يهود العالم والوطن القومى فى فلسطين، لكن الاضطهاد الذى تعرض له اليهود من ألمانيا النازية عجّل بدفع موجات كبرى من المهاجرين اليهود إلى فلسطين حتى وصل عددهم عام 1948 إلى 660 ألف نسمة كانوا يشكلون حوالى 33% من عدد السكان،
وقرر هؤلاء اليهود البيض أو الأشكناز الغربيون بناء دولة إسرائيل على المثال، والنموذج الغربى الأوروبى: نظام برلمانى وإطلاق حرية تكوين الأحزاب، وتداول السلطة وفق انتخابات تجرى بالقائمة النسبية بالكامل حتى تسمح للأحزاب الصغيرة التى تمثل طوائفها بالمشاركة فى الكنيست والحكومة، ونتيجة لذلك لم يتمكن أى حزب فى إسرائيل من تشكيل الحكومة منفرداً، واضطر الجميع إلى تشكيل حكومات ائتلافية، من الحكومة الأولى لبن جوريون إلى الحكومة الثانية والثلاثين لنتنياهو.
لكن هذا الهامش الديمقراطى الواسع بقى متاحاً أكثر لليهود فيما يمكن أن نسميه بالإثنوقراطية أو الديمقراطية الخاصة باليهود فى إسرائيل، وقد حرص اليهود من أصل غربى على دوام اتصالهم بالدول الغربية، وكان الاهتمام بالعلم وبمراكز الدراسات والأبحاث هو أبرز ما أخذه يهود إسرائيل عن العالم الغربى، ولذا حرصت الحركة الصهيونية فى وقت مبكر على إنشاء الجامعة العبرية التى جرى افتتاحها فى القدس عام 1925 وهى تحتل الموقع 82 من بين أهم مائة جامعة فى العالم،
وحصل أستاذ الاقتصاد فيها على جائزة نوبل عام 2005، وكانت البروفيسورة آدا يوناث الحاصلة على جائزة نوبل فى الكيمياء هذا العام تخرجت فى الجامعة العبرية وحصلت على الماجستير منها، وإلى جانب البحث العلمى تهتم إسرائيل أيضاً بالدراسات فى المجال الاستراتيجى والاجتماعى،
وهناك أكثر من 14 مركزاً متخصصاً فى هذه المجالات، وتستعين الحكومات المتعاقبة هناك بما يصدر عنها من أبحاث ودراسات وتوصيات، وكان التطبيع واحداً من الموضوعات البارزة التى استحوذت على اهتمام عدد من هذه المراكز لبحث التأثير المحتمل للتطبيع على المكونات الأساسية للدولة والمجتمع فى إسرائيل إذا ما جرى الانفتاح على هذا التطبيع فى الاتجاهين وليس فى اتجاه واحد فقط، وربما يساعد النظر إلى هذه الأمور من داخل إسرائيل على بلورة مواقف عقلانية من التطبيع تكون أقل جزعاً وفزعاً وأكثر ثقة بالنفس وجرأة على الانتقال من خنادق الدفاع إلى منصات الهجوم الاستراتيجى المعاكس.
- 1-
رغم صعوبة الأمر، فإنه يجدر بنا أن نبدأ بعرض وتحليل التأثير المحتمل للتطبيع المضاد على الجيش الإسرائيلى نظراً للمكانة الأكثر أهمية التى يحظى بها هذا الجيش، حتى إنه من الصحيح القول بأنه لا يوجد فى إسرائيل جيش للدولة وإنما دولة للجيش،
وهذا الأمر مرتبط إلى حد بعيد بنظرة إسرائيل إلى نفسها كدولة ثكنة، وكان هرتسل مؤسس الصهيونية قد قال فى كتابه «دولة اليهود»: «نحن سنكون جزءاً من الحصن الأوروبى ضد آسيا وموقع تحصن ضد البربرية» ولاحقاً رأى يجئال آلون فى إسرائيل دولة قلعة، فيما رأى كارلو سترنجز، أستاذ علم النفس بجامعة تل أبيب، أن كل السياسات الإسرائيلية واقعة تحت تأثير نظرية الجدار الحديدى،
وربما لهذا طرح علماء الاجتماع السياسى الأسئلة عن مصير الجيش الإسرائيلى ومكانته هناك إذا ما جرى فتح أبواب إسرائيل أمام التطبيع والعلاقات الطبيعية مع محيطها فى الشرق الأوسط، ومن السذاجة الاعتقاد بأن التطبيع يمكن أن يؤدى إلى إلغاء مكانة الجيش الإسرائيلى لكنهم مع ذلك يعتقدون أنه لن يعود بعدها للجيش الهالة نفسها من القداسة وقد تتآكل مكانته المركزية الحاكمة والمتحكمة فى كثير من مناحى الحياة السياسية والاجتماعية هناك.
ويعتقد البروفيسور الإسرائيلى يورام بيرى، المتخصص فى هذه الدراسات، أن العلاقة الطبيعية لإسرائيل بمحيطها سوف تؤدى إلى عدد من التحولات العميقة فى مكانة الجيش، ومن المنطقى ألا تتم عمليات التطبيع الواسعة فى الاتجاهين إلا بعد إلغاء الاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية، وكف يد الجيش الإسرائيلى عن لعب وظيفته المفضلة فى مواصلة الاحتلال والعدوان، وقد يؤدى ذلك إلى تراجع الأهمية النسبية للجيش مقابل المجتمع المدنى ويساعد إسرائيل للانتقال من المجتمع المعسكر إلى المجتمع الطبيعى، وقد لا تعود هناك نفس الحاجة إلى التجنيد الإلزامى مثلما حدث فى الدول الطبيعية مثل هولندا وبلجيكا،
ويذهب يورام بيرى فى دراسته إلى حد القول بأن إنهاء احتلال الأراضى العربية وما يعقبه من تطبيع فى العلاقات سيؤدى إلى تغيير فى دور الجيش كمؤسسة اجتماعية مركزية تحتكر تحديد مفهوم المواطنة هناك، فمن يخدم فى الجيش هو المواطن الذى يتمتع بحقوق واسعة حتى بعد نهاية خدمته العاملة وانتقاله للاحتياط، ويتوقع أن يؤدى ذلك أيضاً إلى انخفاض دور الجيش فى التأثير على اتخاذ القرارات فى الدولة كما هو حاصل الآن.
وقد يكون من المفيد جداً لنا أن نطلع عن كثب على التطورات المهمة التى طرأت على أوضاع ومكانة الجيش الإسرائيلى بعد حرب 1973 وحتى الآن وحتى بمعزل عن احتمالات التأثير عليه بالانفتاح الواسع على التطبيع، وتتمثل أهم هذه التطورات فيما يلى:
أولاً – أنه حصل فعلا تآكل مضطرد فى الحصانة التى كان يتمتع بها الجيش قبل 73، وبات الجيش الآن أكثر انكشافا وعرضة لانتقادات المجتمع المدنى، وتمثل ذلك عمليا فى عدد من الظواهر التى من أهمها ما يلى:
1- التجرؤ على تشكيل لجان للتحقيق مع الجيش من خارجه ومنها، «لجنة اجرانات» التى حققت مع الجيش حول تقصيره فى حرب 73، و«لجنة كاهان» 1982 التى أدانت شارون على دوره فى مذابح صبرا وشاتيلا، و«لجنة شمغار» 1995 التى حققت فى تقصير أجهزة الأمن فى حادثة اغتيال إسحق رابين، و«لجنة أور» 2000 التى حققت فى تجاوزات أجهزة الأمن ضد انتفاضة فلسطينيى 48، و«لجنة فينوجراد» 2006 التى حققت فى تقصير الجيش فى الحرب على لبنان، وتتجه النية لتشكيل لجنة أخرى للتحقيق فى الحرب على غزة لتفادى نتائج تقرير جولدستون الشهير.
2- انكشاف الجيش وقيادته العليا أمام انتقادات الصحافة وأجهزة الإعلام.
3- نقل العديد من القضايا الخاصة بالجيش للعرض أمام القضاء المدنى وليس العسكرى.
ثانياً – الارتفاع المضطرد وأحيانا الحاد فى حالات الاحتجاج والتمرد على الأوامر داخل الجيش، حركة جنود ضد الصمت وحركة يوجد حد، وطالت حركات الاحتجاج هذه وحدات النخبة وسلاح الطيران، وكان أحدث ماشهدته إسرائيل فى هذا المجال من احتجاج علنى غير مسبوق ما حدث يوم الجمعة 23/10/2000، عندما رفع المجندون الجدد لوحدة شمشون من سلاح المشاة لافتات احتجاج سياسى باللون البرتقالى أثناء أداء اليمين أمام حائط البراق أو المبكى، وصرحت بعدها إحدى الأمهات بأنها فخورة بما فعله ابنها.
ثالثاً – إن الجيش الإسرائيلى يشهد ظاهرة اتساع حالات رفض الخدمة العسكرية أو التهرب منها، ويقبلها ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عنها وتتمثل فى تزايد أعداد التحاق المجندين المتدينين للخدمة فى الجيش وتدرجهم فى المراتب العليا بما يعرض وحدة هذا الجيش للتمييز وربما حتى الانقسام على أساس أيديولوجى.
رابعاً - إن الانقسامات الداخلية الاجتماعية والسياسية فى المجتمع الإسرائيلى تنعكس بقوة أكبر على الجيش وهو مرشح للتعرض لمزيد من التأثير كلما تفاقمت حدة هذه الانقسامات.
ويعتقد علماء الاجتماع السياسى هناك أن كل هذه التطورات وغيرها قد تضعف من مناعة الجيش أمام التأثيرات المحتملة للاختراقات المضادة.
-2-
إن إسرائيل لاتزال تعمل وفقا لأنظمة حالة الطوارئ، وهى تستدعى مخلفات القوانين البريطانية التى كان معمولاً بها عندما كانت فلسطين تحت الانتداب البريطانى، وتستخدم إسرائيل أنظمة حالة الطوارئ هذه ضد «فلسطينيو 48»، وتقول الباحثة نعومى هيماين من المعهد الإسرائيلى للديموقراطية إنه جرى إدخال بعض التعديلات على أنظمة الطوارئ لكن حالة الطوارئ نفسها لم ترفع أو تلغ، وتعتقد أنه فى حالة انهاء الاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية والانفتاح على علاقات طبيعية مع المحيط فإنه لايعود هناك من مبرر لاستمرار العمل بنظام حالة الطوارئ هذا.
-3-
وإنه من دون أدنى علاقة بالتطبيع، فإن الخلافات المحتدمة حول موضوع الهوية ما تزال تتفاعل فى إسرائيل بقوة بعد أكثر من 120 عاماً على انطلاق الحركة الصهيونية وأكثر من 60 عاماً على إنشاء إسرائيل، وما تزال الدولة التى تطلب منا الاعتراف بيهوديتها تفشل حتى الآن فى الاتفاق على تعريف محدد وموحد لمن هو اليهودى وما هو اليهودى؟.
إذ رغم الاتفاق على أن اليهودى هو المولود من أم يهودية فإن الخلاف العميق مايزال قائما بين حاخامات اليهود المحافظين والإصلاحيين حول الالتزام بأصول الشريعة عند التهويد، ويقف هذا الخلاف العميق على رأس الأسباب التى ماتزال تعطل للآن إصدار دستور دائم لإسرائيل بالطبع إلى جانب الأسباب التى تتعلق برفض إسرائيل لترسيم وتحديد حدودها، ولهذا يجرى الحديث عن مجتمع متعدد الهويات والثقافات، ويعتقد الباحث أورى رام فى كتابه « المجتمع الجديد فى إسرائيل فى بداية القرن».
«أن إسرائيل تشهد منذ السبعينيات نمو ثقافة» فردانية تنفصل كلياً عن الثقافة القومية الموحدة التى كانت سائدة من قبل، والجيل الجديد يطور لنفسه ثقافة مابعد حداثية تدعو إلى الخروج من الجيتو وعقلية الثكنة وإقامة مجتمع طبيعى غربى، وبالمقابل يدعو اليهود المتدينين المتزمتين لتحويل إسرائيل إلى دولة ملتزمة بالشريعة اليهودية، ومن جهة ثالثة يطور اليهود الروس (حوالى 20% من السكان) هوية أخرى مختلفة لاتبالى كثيرا بالطابع اليهودى للدولة أو المجتمع، ولهذا حافظوا على اللغة الروسية وأنشأوا فى إسرائيل مؤسساتهم الثقافية المستقلة،
وتذكر دراسة خاصة عن الإعلام فى إسرائيل، أنهم أصدروا 120 نشرة ومطبوعة باللغة الروسية منها أربع صحف يومية وست مجلات أسبوعية و43 مجلة شهرية وعشر مجلات دورية، ولا يقتصر الأمر على ذلك لأن اليهود من أصل شرقى يتبنون هوية أخرى وثقافة أخرى وهى تشكل قطاعاً طائفياً آخر منغلقاً على ذاته، وفى السياق ذاته يمكن الحديث عن هوية قومية وثقافية مستقلة للعرب الفلسطينيين فى إسرائيل (حوالى 20.2% من السكان)،
وفضلاً عن الصحف والمجلات التى تصدر فى إسرائيل باللغة العربية صحيفة الاتحاد اليومية، والصنارة ومجلة كل العرب، وبانوراما، والميدان، والعين، وصوت الحق والحرية، وفصل المقال كان النائب العربى فى الكنيست أحمد الطيبى سعى للحصول على ترخيص لفضائية عربية جديدة.، وتطرح الأقلية العربية تحدياً لإعادة تعريف هوية الدولة العبرية، إما على أساس انها دولة ثنائية القومية تعترف بالهوية القومية والثقافية للمواطنين العرب أو أن تعرف نفسها كدولة ديمقراطية ليبرالية لكل مواطنيها.
ومن جهة أخرى، تعتقد باحثة العلوم الاجتماعية عتسيونى – هليفى أن الهوية الجماعية للإسرائيليين منقسمة إلى هويتين منفصلتين وتتجهان إلى المزيد من الانفصال بين الهوية العلمانية والدينية، وهما تمثلان عالميان متناقضين، ووصل الأمر إلى نفى كل منهما للآخر، ويرى البروفيسور مناحم فريدمان أن عملية السلام والانفتاح على علاقات طبيعية تحتل مركز العاصفة بين الجماعتين، ويرصد شاحار إيلان وصف الصحافة الدينية المتزمتة لليهود العلمانيين بأنهم «حيوانات وبهائم وصراصير» كما تتهمهم بالكفر والسعى للانصهار فى الغرباء وثقافتهم (لاحظ درجة التطابق بين الخطاب الدينى المتطرف هنا وهناك).
وكان الاختلاف حول تعريف الهوية الثقافية فى إسرائيل قد استدعى عقد مؤتمر فى القدس للإجابة على أسئلة من قبيل: هل الثقافة فى إسرائيل هى ثقافة عبرية أم يهودية أو صهيونية وماذا عن الثقافة الروسية واليديشية والعربية، والحقيقة أن الثقافة الإسرائيلية تنقسم على نحو عام إلى ثقافة تلمودية ميتة وهى أعجز من أن تخترق الجمهور الإسرائيلى نفسه، وتقابلها ثقافة أخرى حداثية وغربية فى مجملها ويرمز لها كتاب مثل دافيد جروسمان وموشيه ماعوز وإبراهام يوشع وآخرين وهؤلاء عدلوا كثيراً من مواقفهم السياسية،
ووصل الأمر بدافيد جروسمان كبير الكتاب هناك إلى حد التصريح العلنى فى المحكمة قبل شهر واحد بأنه «ليس الجيش فقط بل الحكومة من جهة والصحافة من جهة ثانية يتأمرون معا فى حالة قتل فلسطينيين ويستهترون بحياة المرء لكونه فلسطينياً، وإذا كان الهدف من التطبيع الثقافى الإسرائيلى هو تبديل صورة الإسرائيلى وتقبله لدى العقل العربى فإن هذه الثقافة الإسرائيلية بشقيها التلمودى الميت والآخر الحداثى لا تملك ما يؤهلها لاختراق عقل حتى الأحداث فى مصر، كان البروفيسور الراحل ليبوتيز قال: إن الشعب اليهودى لم يخلق أى فلسفة مميزة أو فن، والثقافة التقليدية استمدت صلاحيتها من الديانة اليهودية وهى لا تعترف بأى قيم إنسانية بعيدة عن هذا الاساس،
وترى هليفى أن الذاكرة الجماعية لليهود تضمحل والروابط الثقافية تتآكل، وأى اختراق مضاد سيؤدى إلى تقويض أسوار الجيتو أو الحارة اليهودية المسكونة بالعزلة والتوجس والريبة من الآخر والأغيار، وكان البروفيسور إسحاق سكنيل فى إطار دراسته لاحتمالات تأثير التطبيع على إسرائيل قال: إذا أذاع راديو إسرائيل فى أحد الأيام أن 100 ألف عربى زحفوا لزيارة إسرائيل، ما الذى يمكن أن يتغير هنا؟
سنحصل على مرابح سياسية عالية ولكن ماذا عن القيم الاجتماعية وعن الهوية اليهودية؟ وكان هو أيضا من قال: أن إسرائيل تفضل أن تبقى فى المرتبة الخامسة فى العالم الأول على أن تكون فى المرتبة الأولى فى العالم الثالث.
كل هذا وغيره ليس مجرد مؤامرة محبوكة ولا توزيع للأدوار فى مسرحية صهيونية بل حقائق واقعية وموضوعية، ولم يعد مقبولاً بعدها أن نقاوم التطبيع من منطلقات دونية أو بذهنية فزعة ومرعوبة تصرخ أكثر مما تفكر فى كيفية تحويل المقاومة السلبية إلى فعل ايجابى والى اختراق مضاد.
ربما بقى لنا أن نناقش ملف آخر مهم يتعلق بالمخاوف من التطبيع والهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية، وهو موضوع المقال القادم من ملفات التطبيع.. وسنينه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.