هؤلاء النواب احتفظوا بالعضوية 3 دورات برلمانية متتالية    التنمية المحلية: إغلاق 58 مقلبًا عشوائيًا ورفع 7.4 مليون طن مخلفات    وفد حماس يصل القاهرة لمتابعة تطبيق مراحل اتفاق وقف إطلاق النار    نيوكاسل يونايتد ضد مان سيتي.. شوط أول سلبى بنصف نهائى كأس كاراباو    بث مباشر الآن.. نتيجة مباراة مانشستر سيتي ونيوكاسل يونايتد في كأس الرابطة الإنجليزية 2026    الأرصاد: البلاد تشهد ذروة فصل الشتاء    واقعة سارة فتاة قنا.. الأب ينكر حبسها وجهات التحقيق توجه له تهمة القتل العمد    نجوم الفن يحتفلون مع أبطال فيلم «ده صوت إيه ده» بالعرض الخاص    زحام شديد في الليلة الختامية لمولد السيدة زينب (فيديو وصور)    فرغلى يعلق على قرار حظر الإخوان: أول الغيث وقد يدفع أوروبا لخطوات مماثلة    عتاب كبير من المخرج خالد جلال والملحن إيهاب عبد الواحد لمتسابقي كاستنج.. فيديو    وجبات اقتصادية ومشبعة للأسرة في أيام الامتحانات    خالد أبوبكر عن تصنيف ترامب ل"الإخوان" كتنظيم إرهابي: ثورة 30 يونيو كانت حقًا أقرّه العالم لاحقًا    مايكل كاريك مديراً فنياً جديداً لمانشستر يونايتد حتى نهاية الموسم    بعد حصولها على جائزة عالمية.. ابنة شيرين عبد الوهاب: «ماما بصحة جيدة»    تأهل متسابقين من بورسعيد للمنافسات النهائية للمسابقة الدولية للقرآن الكريم    إيلون ماسك يتيح خدمة «ستارلينك» مجانا فى إيران مع استمرار انقطاع الإنترنت    هل يحق للأب الرجوع في الهبة؟.. أمين الفتوى يوضح حكم الشرع    وزارة التموين تعلن طرح 21 صنفا من زيوت الطعام.. اعرف الأسعار    أبو ريدة يشكر أهل أغادير لحسن استضافة المنتخب    مخرج طلاق مقدس: المسرح العراقى حاليا أصبح صريحا بدون رمزية    شاهين ابن النيل.. فيلم وثائقى احتفالا بمئوية يوسف شاهين    نقابة المحامين تعلن عن ضوابط وإجراءات العملية الانتخابية لنقابات المرحلة الأولى    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد الأعمال الإنشائية بالمدينة الطبية    سقوط حائط ينهى حياة طفلة فى المنصورية بمنشأة القناطر    وزير الصحة يلتقي وفد المعهد الدولي لتعزيز إنتاج اللقاحات في مصر    الصحة تكشف خريطة الغذاء الجديدة: نصف الوجبة خضراوات وفواكه والمياه المشروب الأساسي    باكستان والمغرب يوقعان مذكرة تفاهم في مجال الدفاع    شق الجبال.. أحدث تصوير جوى لتقدم أعمال الخط الأول من القطار الكهربائى السريع    ياسر جلال يناقش مع وزير الثقافة كيفية النهوض بقصور الثقافة    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    نيويورك تايمز: إسرائيل تواصل الهدم الممنهج في غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار    أمن حلب: تفكيك الأنفاق في الشيخ مقصود والأشرفية أولوية لإعادة الاستقرار    HSBC مصر يسجل خسائر تشغيل 1.6 مليار جنيه خلال 9 أشهر بسبب غرامة المركزي    رئيس الأركان يلتقي قائد قوات الدفاع المالاوى    بسبب سوء الأحوال الجوية.. شطوح وجنوح سفينة أمام شاطئ بورسعيد    موعد آذان العشاء.... مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 13يناير 2026 بتوقيت المنيا    أشرف صبحي يفوز بمنصب رئيس المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الشباب والرياضة العرب    أفشة يودّع جماهير الأهلي برسالة مؤثرة    شيخ الأزهر: ما يحدث في غزة من إبادة يكشف غياب الردع الأخلاقي بالنظام العالمي    ألمانيا تقدم 15 مليون يورو لمكافحة أزمة التغذية المهددة لملايين الأطفال باليمن    الكشف عن سبب تأخر تقديم كانسيلو كلاعب جديد في برشلونة    دار الإفتاء تحدد موعد استطلاع هلال شهر شعبان لعام 1447 هجريا    تفاصيل اجتماع مجلس عمداء جامعة كفر الشيخ يناير 2026    ماليزيا تتخذ إجراءات قانونية ضد منصة إكس بسبب سوء استخدام تطبيق جروك    محافظ القليوبية يتابع إزالة برج مخالف بشبرا الخيمة    تقرير: روما يتعاقد مع روبينيو فاز من مارسيليا مقابل 25 مليون يورو    ميكالي: تدريب الزمالك شرف كبير.. وهناك صعوبات في المفاوضات    عاجل- السيسي يوجّه بسرعة إنجاز مشروعات «حياة كريمة» وتذليل العقبات أمام التنفيذ    وزيرة التضامن تتابع إجراء الاختبارات الإلكترونية لاختيار مشرفي حج الجمعيات الأهلية    بعد إلزام أحمد عز بدفع أجر خادمة، هل يحق للحاضنة المطالبة بالأجر قانونا؟    الصحة: تقديم 11.5 مليون خدمة طبية من خلال المنشآت الطبية بالغربية خلال 2025    محافظ القليوبية ورئيس جامعة بنها يشهدان توقيع بروتوكول تعاون طبي للارتقاء بالخدمات الصحية بالمحافظة    موسكو تقدم احتجاجا رسميا للسفير البولندى على اعتقال عالم آثار روسى    وزيرة «التضامن» تصدر قراراً باستمرار إيقاف منح التراخيص ل«دور الأيتام» لمدة عام    ضبط 104241 مخالفة مرورية خلال 24 ساعة    محافظ القاهرة: استقبال عروض شركات المقاولات لإنشاء "شلتر" للكلاب الضالة    عاجل- السعودية تمنع كتابة أسماء الله الحسنى على الأكياس والعبوات حفاظًا على قدسيتها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«رسائل البحر»..بلاغة سينمائية جريئة وصادقة وبريئة
نشر في القاهرة يوم 09 - 02 - 2010

وهويستطيع دائما أن يصبغ أعماله بروحه وأسلوبيته مهما تنوعت موضوعاته أو اختلفت حكاياته . وفي اعتقادي أنه فنان قادر علي أن يطبع شخصياته وأعماله بجوانب من شخصه وروحه وأن يحقق فيها قدرا من أحلامه وأفكاره . إنه يمارس عمله كسينمائي طبقا لنظرية الروائي الحر . فهويعمل علي توظيف خياله وفكره ووسائله الخاصة في الإبداع متجنبا الرضوخ للتقاليد والقواعد البالية اجتماعية كانت أو فنية، وثائرا عليها كلما وجدها حائلا بينه وبين الاضطلاع بعمله ، وهوتصوير الحياة وكشف حقيقة النفس الإنسانية واعيا بقدسية عمله الفني الجاد . وساعيا إلي نقل رؤية صادقة وأمينة للعالم المحيط به وكشف الحقيقة كما يراها أو كما تبدوله . وذلك عن طريق المحاولة الدائبة لتطوير فنه واستخدام جميع إمكانياته الفنية لنقل هذه الرؤيا علي أكمل وجه .
طبيب وصياد
بطل داود هذه المرة هو يحي - آسر ياسين - خريج الطب الذي هجر مهنته بسبب علة في لسانه تجعله يتلعثم فيثير شفقة مرضاه وسخرية زملائه . يخرج إلي العالم بعد سنوات من الانغلاق والانكفاء علي الذات دون أن يفقد ابتسامته ومحبته للحياة واحترامه للآخرين . بعد رحيل الأب يتحرر من كل قيوده ولكنه يصبح وحيدا. في مقدمة طويلة يحكي لنا الكثير عن حياته وذكرياته . فداود يسعي دائما إلي عقد ألفة ومعرفة كاملة بيننا وبين البطل ولكن المقدمة هنا تحديدا كانت في حاجة إلي قليل من الاختزال .. إنها مشاهد فوق طاقة وإمكانيات المجتهد آسر ياسين . فيصعب أن تتحمل كل هذه المساحات من الحوار والوصف والحركة والانتقال من مكان إلي مكان مع استمرار صورة نفس الممثل وصوته كراو وكطرف في الحوار.
يخرج يحي من قصره الكبير الذي ضاق به ولم يعد بإمكانه الإنفاق عليه . ويسافر ليقيم في شقته بالإسكندرية . وهناك سرعان ما يلبي نداء البحر ويقع في غرامه ويصبح وسيلته للرزق بما يمن عليه به . وسوف يتحول يحي من طبيب عاطل إلي صياد سمك ، ليتمكن من تدبير نفقات حياته القليلة . كما سيلقي له البحر أيضا بزجاجة داخلها رسالة بلغة غريبة سوف يظل منشغلا بترجمتها . يحي ليس لديه هدفا واضحا في الحياة ولكنه فقط يريد أن يعيش دون أن يحتاج للآخرين أو يستغلهم أو يأخذ منهم شيئا بلا مقابل . وهوما يبدوواضحا في سلوكه مع نورا - بسمة - التي تصحبه إلي بيته وتشاركه فراشه فيعتقد أنها عاهرة . وهويتقبل في رضا القدر اليسير من المتع الممكنة ، ولوبالإنصات لصوت عزف موسيقي صادر من شرفة إحدي الفيلل . كما يهنأ أيضا بجيرة العجوز الإيطالية فرانشيسكا - نبيهه لطفي - وحفيدتها كارلا .
طعم البيوت
من المشاهد الخارجية المنفتحة علي الحياة والعالم الواسع ، والمشبعة بماء البحر ومذاقه والمتغزلة في ألوانه وأضوائه بكاميرا أحمد مرسي . . ننتقل إلي جماليات الإضاءة الداخلية لنكشف عن إبداع المتمكن أنسي أبوسيف مهندسا للديكور ومديرا فنيا لنستشعر مذاق البيوت بطابعها الحضاري ولمساتها وتفاصيلها المعبرة عن شخصياتها وأجوائها وخاصة بيت هذه الأسرة الإيطالية الأصل السكندرية الإقامة والهوي . ولا يعكر صفوهذه الأجواء علي يحي وجيرانه سوي إصرار صاحب البيت الجديد الحاج هاشم - صلاح عبد الله - علي إخراجهم وسعيه إلي ذلك بشتي الطرق . وربما يفكر يحي في أن يوصل ما انقطع مع كارلا من مشروع غرام في الصبا مرت عليه سنوات طوال . ولكن كارلا تنخرط فجأة في علاقة شاذة . تتيح الظروف ليحي أن يكشف الستار عن سر هجر كارلا له حين يراها مع رفيقتها في فراش وحوار حميمين .. يحرص المخرج الفنان علي أن يتجنب الأكليشيهات التقليدية في تصوير هذه العلاقات والتعامل معها بمنطق أفلام البورنو. ولكن حرص داود البالغ علي جماليات وخصوصية فنه لا يوازيه قدرة الممثلتين علي التعبير . فيبدو أداؤهما خاليا من الروح والإحساس والتلوين والإيحاء بأي شيء .
ويبدو ولأول مرة في أفلام داود تفاوتا في الأداء التمثيلي من ممثل لآخر فهناك مسافة كبيرة بين وجوه تنفذ المطلوب كأمر عسكري وفنانين آخرين علي قدر من التمكن يصبغون مشاهدهم بحالة من الحياة والتألق ، ويصنعون لجملهم وقعا وتأثيرا . فلا يمكن أن تنسي نظرة صلاح عبد الله الماكرة ولا أدائه الرائع وهويهدد يحي بخبث ليترك الشقة " اللي النهاردة مش بيقول آه بكره حيقول آآآه " . أو وهويدعوه بهدوء لوجبة سمك من الذي يجمعه رجاله بعد تفجير الديناميت في البحر . وكذلك محمد لطفي في دور صاحب يحي البودي جارد قابيل بحضوره الطاغي وإحساسه الدفين بالألم والخوف والقلق الذي قد يتواري في بعض المواقف ولكنه لا يختفي أبدا .. والذي سوف يصل إلي الذروة مع اكتشافه التعيس بأنه محكوم عليه بالاختيار بين أن يموت أو أن تجري له جراحة في المخ يفقد علي إثرها الذاكرة ..
أسرار تنكشف
سوف تنفرج أسرار قابيل بالنسبة ليحي ويكشف له عن سبب قراره بألا يضرب أحدا ، فيصارحه بالذكري المؤلمه ونظرات قتيله التي تطارده بلا رحمة . ولكن يحيي لن يتمكن من قراءة الرسالة التي وجدها في زجاجة البحر مهما اطلع وبحث وسأل . وهولن يتمكن أيضا من معرفة حقيقة حبيبته نورا التي سوف يظل يعتقد أنها مومس محترفة . وهي لن تبوح له بالواقع لأنها أحبته لصفاء نفسه التي مكنته من التغلغل إلي أعماقها والنظر إليها كما تنظر لذاتها. فزواجها من رجل الأعمال بالنسبة لها ليس سوي غطاء لعلاقة عاهرة مع رجل لا يأتيها إلا ليضاجعها ويعطيها نقودا . ولن يعرف يحي أيضا أن عازفة الموسيقي الرائعة التي يتصنت علي عزفها الرائع كل ليلة لتشجي قلبه وقلوبنا ليست إلا حبيبته نورا . نحن فقط سوف نعرف لان داود سينتقل بنا بمنتهي الجرأة إلي رواية نورا . قد يراها البعض تشتيتا في الرؤي ولكن هذا هو داود الباحث دائما عن زاوية كاشفة ومضيئة . والذي يدرك جيدا كحكاء بارع متي يخفي تفاصيله الغالية ومتي وكيف يكشف عنها .
سوف يتمكن يحي بعد طول عناد من أن يستجيب لنصيحة العجوز فرانشيسكا ويتقبل الحياة كما هي والآخرون كما هم . وسيتقبل ايضا نصيحة نورا له بأن يكف عن التفكير في سر الرسالة وأن يكتفي بأن يعرف أنها موجهة له طالما أنها وصلت إليه . ولكن الحاج هاشم لن يتركه في حاله وسيبعث رجاله ليقتحموا شقته ليضبطوا نورا معه كذريعة لطرده من الشقة . سيستقل يحي ونورا قاربا لينعما بقليل من السكون لبعض الوقت . ولكن الأسماك التي قتلها ديناميت الحاج وهدان سوف تحيط بقاربهما من كل جانب حتي في قلب البحر .
هذه ليست سوي مجرد محاولة للاقتراب وقراءة من المشاهدة الأولي لهذا الفيلم الثري والذي تحتمل كل تفاصيله قراءات مختلفة.. والذي يستحق كل كادر من كادراته التأمل كتعبير عن ثقافة تشكيلية رفيعة .. تماما كموسيقاه الرائعة التي صاغها راجح داود في عمل فجر طاقته الإبداعية من جديد بدراما متعددة المستويات كنسيج أوركسترالي تتلاقي فيه الحكايات وتتناغم وتتكامل وتسلم بعضها البعض . فرسائل البحر في رأيي هو ذروة فنية جديدة يصل إليها مبدع متمكن ومصمم علي توصيل رسالته التي لم يبعث بها إلينا إلا بعد قراءة عميقة ومتأنية للواقع ومن خلال بناء درامي وسينمائي بليغ . وهويعبر ببلاغته الهادئه عن الواقع الملوث والبيئة الفاسدة الخانقة المحيطة بكل ذوي النفوس الجميلة والأرواح الطيبة والعقول المستنيرة .
بعد سنوات من الغياب ، يعود فيلم داود ليؤكد لرفاقه وأحبائه وأصدقائه الذين يعرفهم والذين لا يعرفهم أن قلبه مازال ينبض بالإبداع . . قد لا نفهم بعض تفاصيل الرسالة بنفس القدر وقد تبدولغتها مختلفة أو غريبة علي البعض منا ، وقد نختلف حول تفسيرها . ولكن يكفينا أنها موجهة إلينا وتعبر عن همومنا وأوجاعنا . ولا تدعونا إلا لمزيد من التواصل مع البعض ومواصلة الحياة .. ففي ظل هذه الحياة القاسية الجافة القاحلة لا بد أن نتواصل ونتبادل الرسائل . رسائل داود لو تأملتها ستجدها قطعة من قلب حياتنا وأحلامنا وواقعنا بكل ما يمور به من هموم وأزمات وأفراح صغيرة وأحزان كبيرة .. إنها قطعة كاملة وغير منقوصة ..مكثفة ومختزلة وممتلئة عن آخرها .. وأجمل مافيها أنها صادقة ومتحققة بمهارة لا تبدوفيها أي صنعة وعبر حكايات جديدة وشيقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.