في قلب محافظة الفيوم، وعلى ضفاف بحيرة قارون، تخوض قرية تونس تجربة مختلفة، لا تقتصر على حماية البيئة فحسب، بل تمتد لتصحيح علاقة الإنسان بمهنته، وصحته، ومكانه. تجربة بيئية تنموية تقودها جمعية روح الحياة للتنمية والحوار، بتمويل من برنامج المنح الصغيرة – مرفق البيئة العالمي، لتقديم نموذج عملي لكيفية تكيّف المجتمعات المحلية مع آثار التغيرات المناخية عبر ممارسات مستدامة في تفاصيل الحياة اليومية. من السحابة السوداء إلى هواء نقي لسنوات طويلة، ارتبط اسم قرية تونس، قبلة صناعة الخزف في الفيوم، بأفران تعمل بالسولار، تطلق أدخنة كثيفة غطّت سماء القرية، وأثّرت مباشرة على صحة سكانها. أفران تعمل بالسولار وانتشار الادخنة الدكتورة نجلاء فؤاد المليجي، المشرفة على مشروع «نموذج أخضر للتحول البيئي» ورئيس جمعية روح الحياة، توضح أن القرية تستقبل نحو 10 آلاف زائر سنويًا، لكنها في المقابل تعاني من أزمة بيئية حادة نتيجة إستخدام السولار في أفران الفخار. تقول"المليجي" إن سعر لتر السولار يتراوح بين 14 و17 جنيهًا، ويحتاج الفرن الواحد في «الطبخة» الواحدة إلى ما بين 35 و40 لترًا، تستمر من 7 إلى 8 ساعات، لينبعث في النهاية دخان كثيف وغير صحي، تسبب في إنتشار الربو والتهابات الجهاز التنفسي بين الأهالي، خاصة الأطفال، فضلًا عن تأثيره السلبي على التنوع البيولوجي في بحيرة قارون. 55 فرنًا.. والتحدي الأكبر كشفت أعمال الحصر أن القرية تضم نحو 55 فرن فخار، أغلبها يقع وسط الكتلة السكنية. ومع انطلاق المرحلة الأولى من المشروع، جرى البدء في تحويل الأفران من السولار إلى الغاز الطبيعي بإعتباره المكون الرئيسي للمبادرة، في محاولة جادة للقضاء على «السحابة السوداء» وتحسين بيئة العمل، وحتى الآن، تم الانتهاء من تطوير 31 فرنًا، بتكلفة تقارب 11 ألف جنيه للفرن الواحد، نفذتها شركات وفنيون متخصصون، مع مراعاة الجوانب الصحية والبيئية. جانب من أعمال التوصيل مقاومة التغيير... معركة التوعية رغم تنفيذ التحويل مجانًا، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. تؤكد أميمة جابر، إحدى المشاركات في متابعة المشروع ميدانيًا، أن نحو 5 حرفيين امتنعوا عن تشغيل الأفران بالغاز، مفضلين العودة إلى السولار بدافع «الاستسهال»، في مشهد يعكس حجم التحدي الثقافي قبل البيئي. وتوضح الدكتورة نجلاء المليجي أن المشروع، الذي بدأ تنفيذه في أكتوبر 2025، واجه صعوبات كبيرة في إقناع بعض الحرفيين، ما تطلّب جهودًا مكثفة للتثقيف حول خطورة الانبعاثات الحرارية وتأثيرها على صحة الإنسان والطيور المهاجرة التي تتخذ من بحيرة قارون محطة أساسية. تنوع بيولوجي وسياحة مستدامة لا يقتصر المشروع على تحويل الأفران فقط، بل يشمل مكونات أخرى، من بينها: تركيب كشافات ليد موفرة للطاقة داخل القرية، وزراعة أشجار لتحسين جودة الهواء دعم السياحة البيئية كمصدر دخل مستدام تحسين إدارة الموارد الصغيرة مثل المياه والطاقة، وكذالك دعم الحرف اليدوية لتصبح صديقة للبيئة. وتسعى الخطوات التالية إلى تعميم تجربة كشافات الليد على القرى المجاورة والأكثر إحتياجًا، في إطار رؤية أوسع للتحول الأخضر. رقابة حكومية لضمان الاستدامة يخضع المشروع لمتابعة لجنة من المحافظة تضم جهاز شؤون البيئة والحماية المدنية، لضمان الالتزام بتشغيل الأفران بالغاز. وفي توصياتها، شددت الدكتورة نجلاء المليجي على ضرورة تشكيل لجان دورية لتحرير محاضر للمخالفين، حفاظًا على إستدامة المشروع، تحت إشراف مجلس مدينة يوسف الصديق وجهاز شؤون البيئة والسياحة، وبالضبطية القضائية، تنفيذًا لتوجيهات الدكتور أحمد الأنصاري محافظ الفيوم. خبرة ممتدة في العمل البيئي لا يُعد مشروع قرية تونس الأول من نوعه لجمعية روح الحياة، إذ سبق لها: محو أمية نحو 700 فرد تنفيذ 13 وحدة بيوجاز في قرى شكشوك وأبجيج والعتامنة، وكذالك تدريب 50 سيدة على مشروعات بيئية، وتدريب 1000 شاب وفتاة وسيدة بالتنسيق مع وزارة القوى العاملة، وهو ما يعكس تراكم خبرات الجمعية في الربط بين التنمية والبيئة.
نائب محافظ الفيوم: تونس قرية ريفية خضراء من جانبه، أكد الدكتور محمد سامي التوني نائب محافظ الفيوم، في تصريحات خاصة ل«البوابة نيوز»، أن قرية تونس ضمن خطة متكاملة لتحويلها إلى قرية ريفية خضراء، مشيرًا إلى التوجه لإستخدام وسائل نقل كهربائية صديقة للبيئة داخل القرية، وتطبيق الهوية البصرية للمحافظة. وأوضح نائب المحافظ أن حرق السولار يؤدي إلى انبعاثات كربونية مسؤولة عن السحابة السوداء، وهو ما يتعارض مع التزامات الدولة المصرية في مؤتمرات التغيرات المناخية، لافتًا إلى وجود منشآت سياحية بدأت بالفعل في الاعتماد على الطاقة الشمسية وتوليد الكهرباء ذاتيًا. نموذج قابل للتكرار مع اقتراب نهاية المشروع، الممتد ل 13 شهرًا، تستعد القرية لعقد مؤتمر لإعلان النتائج، في خطوة لا تُعد نهاية الطريق، بل بداية لنموذج قابل للتكرار في قرى أخرى تعاني التحديات نفسها. قرية تونس اليوم لا تحارب التغيرات المناخية فقط، بل تعيد كتابة علاقتها بالبيئة، لتثبت أن التحول الأخضر يبدأ من فرن صغير... لكنه يصنع فرقًا كبيرًا. inbound2394637270995627365 inbound3650929078283164686 inbound3054914411429077500 inbound7820278054795461287 inbound2033613887324559216 inbound2824062133011066495 inbound6513139545705395671 inbound8080923420069904535 inbound5413243809111349815 inbound8841967561442799451 inbound6169369511268356538 inbound3861199205723907038 inbound6861489743469557595