تمر الذكرى السابعة والأربعون لرحيل الشيخ مصطفى إسماعيل، أحد أعمدة التلاوة في العالم الإسلامي، والقارئ الذي لم يكن صوته مجرد أداءٍ للنص القرآني، بل حالة وجدانية كاملة، جمعت بين العلم، والموهبة الفطرية، والقدرة الفريدة على تطويع المقامات الموسيقية في خدمة المعنى دون الإخلال بأحكام التجويد، فاستحق عن جدارة ألقابًا خالدة مثل «ملك المقامات القرآنية» و«صاحب الحنجرة الذهبية». من ميت غزال.. حيث وُلد الصوت الاستثنائي وُلد الشيخ مصطفى إسماعيل في 17 يونيو عام 1905 بقرية ميت غزال بمحافظة الغربية، داخل أسرة ثرية عُرفت بالجود والسخاء، إذ كان جده يمتلك مئات الأفدنة، ظهرت موهبته مبكرًا، وأقبل على تلاوة القرآن قبل أن يبلغ العاشرة، حتى ذاع صيته داخل قريته، وكانت جدته أول من انتبه لتلك الموهبة الربانية، فأقسمت على والده أن يهيئ له سبل العلم، ليتولى الشيخ محمد أبو حيش رعايته وتعليمه علوم القرآن. لاحقًا، انتقل الشيخ مصطفى لدراسة التجويد والقراءات على يد الشيخ إدريس فاخر، مفتش الكتاتيب المعروف بهيبته وعلمه، والذي لم يكن معتادًا على تعليم أحد، غير أن موهبة مصطفى إسماعيل فرضت نفسها، فخصّه بعناية مضاعفة، حتى أتم القراءات العشر وهو في السادسة عشرة من عمره، ليقضي طفولته وصباه متفرغًا للقرآن في قريته التي ظل متعلقًا بها طوال حياته. طنطاوالقاهرة.. نبوءة تتحقق وشهرة تُولد كانت الإقامة في طنطا نقطة الانطلاق الحقيقية، حيث أبهر الشيخ مصطفى المستمعين بتلاوته، ونال إعجاب كبار القرّاء، وعلى رأسهم الشيخ حسن صبح، وفي إحدى الليالي، التقى بالشيخ محمد رفعت، الذي قدّم له نصيحة ونبوءة خالدة: «سيكون لك شأن عظيم في دولة التلاوة»، شرط أن يعيد القراءة في الجامع الأحمدي لإتقان أحكام التجويد. في مطلع الأربعينات، انتقل إلى القاهرة بحثًا عن الانتشار، وهناك قادته الصدفة إلى رابطة تضامن القراء، حيث قرأ أمام كبار المشايخ، ليُصطحب بعدها إلى مسجد الحسين، وتُنقل تلاوته على الهواء مباشرة عبر الإذاعة المصرية، في ليلة غاب عنها الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي لمرضه، كانت تلك اللحظة بوابة المجد الحقيقي، إذ استمع الملك فاروق إلى صوته، وطلب منه إحياء ليالي رمضان في القصر الملكي. صوت العالم الإسلامي ورحلة الخلود أصبح الشيخ مصطفى إسماعيل قارئ الجامع الأزهر لمدة ثلاثين عامًا منذ 1947، ورغم تحفظه في البداية على التعامل مع الإذاعة بسبب سوء استقبال سابق، فإن صوته عاد إليها لاحقًا بعد ضغوط جماهيرية واسعة، حتى بات صوته ضيفًا يوميًا على بيوت المسلمين. سجّل القرآن الكريم كاملًا مرتلًا، وترك عشرات التسجيلات المجوّدة التي لا تزال تُبث حتى اليوم. امتدت رحلاته إلى سيلان وتركيا وماليزيا وتنزانيا وألمانيا والولايات المتحدة، وقرأ في المسجد الأقصى عامي 1960 و1977. وحصل على أرفع الأوسمة من مصر والعالم، بينها وسام الاستحقاق من جمال عبد الناصر، وأوسمة من لبنان وسوريا وماليزيا وتنزانيا. الوداع الأخير.. قراءة ثم لقاء ظل الشيخ مصطفى إسماعيل يدعو الله ألا يحرمه من تلاوة القرآن حتى يلقاه، وكان آخر يوم له في القراءة الجمعة 22 ديسمبر 1978، حين افتتح جامع البحر بدمياط، قبل أن يعود إلى الإسكندرية، مرددًا عبارته اللافتة لسائقه: «أنا مش طالع تاني يا سيدي»، وبعد أيام، دخل في غيبوبة إثر انفجار بالمخ، ليرحل في 26 ديسمبر 1978 عن عمر 73 عامًا، تاركًا صوتًا لا يشيخ، ومدرسة قرآنية لا تغيب عن الذاكرة.