في العقود الأخيرة، طُرح مصطلح المسيحية الصهيونية بوصفه اتجاهًا لاهوتيًا يربط بين وعود العهد القديم وإقامة دولة إسرائيل الحديثة، ويرى في هذا الحدث تحقيقًا مباشرًا لنبوءات كتابية، لا سيما تلك المرتبطة بنهاية الأزمنة. غير أن هذا الاتجاه، على الرغم من حضوره الإعلامي والسياسي القوي، لا يمثّل التيار السائد داخل المسيحية، بل يظل محصورًا في دوائر محدودة، خصوصًا داخل بعض الأوساط الإنجيلية الأمريكية. فالغالبية العظمى من الكنائس والمذاهب الإنجيلية الرئيسية لا تتبنى هذا الفكر، بل تنظر إليه بنقد لاهوتي وأخلاقي واضح. من المهم التأكيد أن المسيحية الصهيونية لا تعبّر عن الموقف المسيحي العام من إسرائيل، أو من قضايا الشرق الأوسط. فالداعمون لها يشكّلون أقلية داخل العالم المسيحي، وحتى داخل الإطار الإنجيلي نفسه. فالعديد من الكنائس الإنجيلية التاريخية، ذات الجذور الإصلاحية، ترفض القراءة الحرفية والسياسية لنصوص العهد القديم، وترى أن هذا التوجّه يخلط بين اللاهوت والإيديولوجيا، ويحوّل الإيمان إلى أداة لتبرير سياسات بعينها. ينبع هذا الرفض من قناعة لاهوتية أساسية مفادها أن الإعلان الإلهي، في الإيمان المسيحي، يبلغ ذروته في شخص يسوع المسيح، وأن وعود الله لا تُفهم على أساس قومي أو عرقي، بل في إطار خلاص شامل موجّه إلى جميع الشعوب. ومن ثم، فإن ربط الإيمان المسيحي بدعم دولة أو مشروع سياسي معيّن يُعد خروجًا عن جوهر الرسالة الإنجيلية، التي تقوم على المصالحة والمحبة والسلام. تنتمي الكنيسة الإنجيلية المشيخية إلى التقليد الإصلاحي، الذي يؤكد وحدة العهد الإلهي، ويفسّر الكتاب المقدس تفسيرًا تاريخيًا وخلاصيًا، لا قراءة نبوية حرفية تُسقط نصوص الماضي على واقع سياسي معاصر. ووفق هذا المنهج، لا تُستخدم النصوص الدينية لتبرير مواقف عسكرية أو سياسات احتلال، بل تُقرأ في ضوء قيم العدل والرحمة وكرامة الإنسان. في هذا السياق، تحتل قيمتا العدل والسلام موقعًا مركزيًا في اللاهوت المسيحي. فالإيمان، بحسب هذا الفهم، لا يُقاس فقط بصحة العقيدة، بل بثمارها العملية في الواقع. ولهذا ترى الكنيسة المشيخية أن أي تفسير ديني يبرر الظلم أو العنف، حتى وإن استند إلى نصوص مقدسة، هو تفسير يتعارض مع روح الإنجيل. وقد تجلّى هذا الموقف بوضوح في ممارسات الكنيسة المشيخية الأمريكية، التي لم تكتفِ بالنقد النظري للمسيحية الصهيونية، بل اتخذت مواقف أخلاقية عملية. ومن أبرز هذه المواقف قرارها، قبل عدة سنوات، سحب استثماراتها من شركة "كاتربيلر"، بعد ثبوت استخدام معداتها الثقيلة في هدم منازل فلسطينية. وقد رأت الكنيسة في هذا القرار تعبيرًا عن التزامها بأن تكون شهادتها الدينية منسجمة مع مواقفها الاقتصادية، مؤكدة أن المال لا يمكن فصله عن المسؤولية الأخلاقية. في المقابل، يتسم موقف الكنيسة المشيخية في مصر بالوضوح والحزم، وإن جاء غالبًا في إطار رعوي ولاهوتي أكثر منه سياسي. فالكنيسة المصرية، المنتمية إلى سياق عربي وشرقي، ترى في المسيحية الصهيونية تشويهًا لجوهر الإيمان المسيحي، لما تحمله من توظيف ديني للصراع السياسي، وتبرير للعنف والقتل والاحتلال باسم النص المقدس. وتؤكد الكنيسة أن السلام، في المفهوم المسيحي، لا يمكن أن ينفصل عن العدل. فلا معنى للحديث عن سلام في ظل هدم البيوت، وتشريد العائلات، وحرمان شعب كامل من حقوقه الأساسية. ومن هنا، ترفض الكنيسة أي تفسير ديني يتجاهل الواقع الإنساني الملموس، أو يتغاضى عن معاناة البشر باسم نبوءات مؤوّلة أو قراءات انتقائية للنصوص. في المحصلة، يتضح أن المسيحية الصهيونية تمثّل تيارًا محدودًا داخل المسيحية، ولا تعبّر عن موقف الغالبية الساحقة من الكنائس الإنجيلية الرئيسية. أما الكنيسة الإنجيلية المشيخية، سواء في الولاياتالمتحدة أو في مصر، فتتبنى موقفًا نقديًا واضحًا منها، يستند إلى رؤية لاهوتية وأخلاقية ترى في الإنجيل دعوة إلى العدل وصنع السلام، لا أداة لتبرير الظلم أو تغليفه بخطاب ديني.