التعليم: تدريس الثقافة المالية يغير نمط التفكير الاقتصادي للطلاب    السفير ماجد عبد الفتاح: الجامعة العربية بادرت برفض العدوان الإيراني على الدول العربية منذ بدايته    إذاعة جيش الاحتلال: إسرائيل بدأت السيطرة على سفن أسطول المساعدات المتجه إلى غزة    إصابة قوية لنجم طائرة الأهلي ببطولة أفريقيا    "الثالثة ثابتة".. شعار "3" يزين احتفالات مسار بلقب دوري الكرة النسائية    وزير الشباب ومحافظ شمال سيناء يشهدان لقاءً حواريًا مع النواب والمشايخ    تفاصيل انقلاب سيارة ميكروباص وهروب سائقها في الجيزة    مهرجان SITFY-Georgia يفتتح دورته الثانية بحفل فني دولي على المسرح الوطني الجورجي روستافيلي    الثقافة تختتم قافلة الواحات البحرية بلقاءات توعوية ومسرح عرائس وورش للموهوبين    خاص| طاقم تحكيم مباراة الأهلي والزمالك بالأسماء    مصر للتأمين تحقق أداءً قوياً وتواصل تعزيز مكانتها السوقية في 2025    النيابة الإدارية تختتم دورة «دور لجان التأديب في الإحالة للمحاكمة التأديبية»    اقتصادية النواب: قانون المعاشات الجديد يعيد هيكلة المنظومة القديمة لضمان دخل كريم يتناسب مع تطورات العصر    "متمردو الطوارق" يطالبون روسيا بالانسحاب الفوري من شمال مالي    ترامب: الحربين في إيران وأوكرانيا قد تنتهيان في وقت متقارب    ليفربول يزف بشرى سارة عن صلاح.. موسمه لم ينته    البابا تواضروس يكلف وفد كنسي لتقديم العزاء للدكتور مصطفى مدبولي    هل يجوز تفضيل الأضحية على العمرة لمساعدة الناس؟.. أمين الفتوى يجيب    الأولمبى يهزم الزمالك ويتأهل لمواجهة الأهلى بنهائي كأس مصر لكرة اليد    هل يجوز رد السلفة بزيادة بسبب ارتفاع الأسعار؟.. "الإفتاء" تُجيب    زراعة الإسماعيلية: انطلاق حصاد القمح ومتابعة يومية لانتظام التوريد    ننشر أبرز ملامح قانون الأسرة    تجميد عضوية عمرو النعماني من حزب الوفد وتحويله للتحقيق    فيفا يعلن زيادة الجوائز المالية ل كأس العالم 2026    «تمريض الجلالة» تنظم المُؤْتَمَرَيْن العلمي الدولي الثالث والطلابي الدولي الثاني    تراجع حاد في مخزون النفط الأمريكي    انتقام "الأرض" في الشرقية.. سقوط متهم سرق محصول جاره بسبب خلافات قديمة    ضبط أدوية ضغط وسكر داخل صيدليتن غير مرخصتين وتحملان أسماء وهمية بسوهاج    خبير تربوي يطالب بتشكيل لجان لمراجعة المناهج قبل بداية العام الدراسي الجديد    تل أبيب تطالب لندن بإجراءات "حاسمة" لحماية الجالية اليهودية عقب هجوم "جولدرز جرين"    إدارة تقليدية لتجمعات حديثة    موعد ومكان جنازة والد حمدي المرغني    «إياتا»: نمو محدود للسفر والشحن عالميًا بسبب صراع الشرق الأوسط    حدائق العاصمة تكشف أسباب انتشار الروائح الكريهة بالمدينة وموعد التخلص منها    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بالقليوبية تحاسب المقصرين وتدعم الجادين    طب كفر الشيخ ينظم فعالية لدعم أطفال الفينيل كيتونوريا وأسرهم بالمستشفى الجامعى    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : الثقة بالنفس !?    إخلاء سبيل الراقصة حورية في مشاجرة داخل مستشفى بالشيخ زايد    غدًا.. دور السينما المصرية تستقبل "The Devil Wears Parada"    مباحثات فلسطينية أوروبية لبحث سبل تحريك الجهود الدولية لوقف الانتهاكات الإسرائيلية    استمرار نظام العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع خلال مايو    الكشف على 1082 مواطنًا بقافلة طبية مجانية فى قرية بدران بالإسماعيلية    عثمان ديمبيلي يكشف سر الفوز على بايرن ميونخ في دوري الأبطال    وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكى بجنود (بدر 2026) بالذخيرة الحية.. صور    كوريا الجنوبية تدرس سبل السماح لسفنها بعبور مضيق هرمز    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة نهاراً وشبورة كثيفة والعظمى بالقاهرة 29 درجة    جامعة القناة تطلق برامج تدريبية متكاملة لتعزيز وعي المجتمع والتنمية المستدامة    8 أطعمة تساعدك على مقاومة العدوى وتقوية المناعة    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    "مدبولي" يهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة عيد العمال    حقوق القاهرة تعلن جدول امتحانات الفصل الدراسي الثاني 2025-2026 وتعليمات هامة للطلاب    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    الحبس مع الشغل عامين لمهندس لتزوير محرر رسمي وخاتم الوحدة المحلية بالمنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أم كلثوم.. الشمس التي لا تغيب.. قراءة في رواية ناصر عراق "نساء. القاهرة. دبي"
نشر في البوابة يوم 03 - 03 - 2014

منذ منتصف العشرينيات في القرن العشرين، عند بداية سطوع شمس أم كلثوم في الساحة الغنائية المصرية، وإلى زمن صدور رواية ناصر عراق الأخيرة: "نساء. القاهرة. دبي"، قرب منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، تمثل كوكب الشرق ظاهرة استثنائية فريدة غير مسبوقة في تاريخ الثقافة المصرية، فهي ليست جزءًا أصيلاً متوهجًا من الماضي الذي أبدعت فيه وتألقت حتى رحيلها في فبراير 1975 فحسب، بل إنها أيضًا حاضر ممتد مؤثر كأنها لم تغب يومًا، وتنبئ المؤشرات جميعًا أن المستقبل يتسع لعطائها المتجدد وعظيم تأثيرها ونفوذها، كأنها لن تغيب.
تختلف أجيال المصريين المتعاقبة في الرؤى السياسية والثقافية، وتتباين الذائقة الفنية، وتتبدل الهموم ويتطور الإيقاع، لكن الفنانة الرائدة مشترك راسخ بين الأجيال جميعًا، فلا اختلاف يستحق الذكر حول مكانتها وعبقرية إحساسها وأدائها وقدرتها الفذة على التعبير عن أشواق الإنسان المصري والعربي، ففي أغانيها الطازجة الخلابة ما يجسد مشاعر الحب والوطنية، ويتفاعل مع القضايا الدينية والروحية والوجودية.
لا يملك القارئ لرواية ناصر عراق إلا أن يتوقف طويلاً أمام خصوصية الموقع الذي يحتله الغناء في تشكيل عالمه الثري، المتشعب زمانيًا ومكانيًا، ولا صعوبة في اكتشاف الدور المهم الذي تلعبه أسماء كبار المطربين والمطربات في بناء شخوص الرواية وتطور أحداثها: شادية، عبدالحليم حافظ، فايزة أحمد، فيروز، ليلى مراد، ماهر العطار، مدحت صالح، محمد عبدالوهاب، محمد منير، نجاة الصغيرة. لهؤلاء جميعًا حضورهم المتفاوت، كمًا وكيفًا، في رواية ناصر عراق، لكن أم كلثوم هي الأساس وحجر الزاوية، وعابرة الصراعات والتناقضات، وصانعة السعادة والبهجة والشجن للأجيال كافة، دون نظر إلى الانتماءات الدينية والأيدلوجية والثقافية والطبقية.
* خارج المنافسة *
الشابة مادين عاشقة للغناء الغربي، ومولعة بالاستماع للفرق الموسيقية الأوروبية ذائعة الصيت، لكنها تستجيب لهاجس غامض وهي تقود سيارتها، وتحن إلى أغنية "الآهات" التي تعشقها أمها سوزان: "حيث تضع نسخة منها في سيارتها حتى إذا اضطرت إلى الركوب معي تمتعت بالإنصات إليها. لم أكن أحب أم كلثوم، أو بالأحرى لا يعجبني من أغنياتها إلا بعض مقاطع من أغنيات قليلة مثل أنت عمري وألف ليلة، لكني أعتبر الآهات وجبة غنائية دسمة وعسيرة الهضم لا تناسب العصر كما أقول لأمي دومًا. برقتها العجيبة وحرصها الكبير على تعليمي وإفادتي تخبرني: (إن تذوق فن أم كلثوم والاستمتاع بسحر أدائها يحتاجان إلى جهد سمعي كبير ومعرفة موسيقية واسعة وخبرة غنائية وحياتية عريضة). ثم تستطرد بيقين حاسم: (حين تبلغين الأربعين ستكتشفين عظمة هذه السيدة وروعة أغنياتها). وعندما أبدي احتجاجي بحركة من رأسي لا تتبرم ولا تتذمر، بل تستطرد أمي بصوت هادئ مشوب بنبرة عتاب: (لقد كنت مثلك يا مادلين لا أتعاطف مع أم كلثوم، وأندهش من هوس الناس بها. وكان جدك جرجس رحمه الله يقول لي ما أقوله لك الآن عن عبقريتها، لكن الفرق أنني كنت أتعامل مع كلامه وآرائه في أم كلثوم بجدية أكبر مما تفعلين معي الآن). "152".
الجد جرجس، والابنة إنصاف، والحفيدة سوزان، وابنة الحفيدة مادلين. أسرة واحدة وأربعة أجيال، والعلاقة مع أم كلثوم تجسيد لمكانة الفنانة العملاقة وطبيعة نفوذها الممتد في الحياة المصرية.
مادلين، لحداثة سنها ومحدودية تجاربها، هي الأقل إعجابًا بتراث كوكب الشرق، وقناعتها أن وجباتها الغنائية الدسمة عسيرة الهضم لا تناسب العصر وإيقاعه السريع، أما الحفيدة سوزان، التي تقترب من معانقة عامها الخمسين، فتتبنى رؤية مضادة مغايرة، خلاصتها أن التواصل مع أم كلثوم يحتاج إلى مزيج من المعرفة والخبرة والنضج، وهي نفسها ليست بعيدة عن العلاقة المتدرجة، حيث البداية النافرة البعيدة عن الحماس والإعجاب، وصولاً إلى الاندماج والتواصل والإمساك بمفاتيح العبقرية. الجد الحكيم جرجس هو من يعي قانون التطور، ويبدو واثقًا من انحياز المستقبل للقيمة الفنية الرفيعة.
النفور المؤقت من أم كلثوم لا يدوم، ومادلين نفسها هي من ترصد افتتان أمها بعبد الحليم حافظ وحبها لمحمد منير، قبل الانتقال إلى عشق أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، واعتبارهما خارج المنافسة والمقارنة: "وعلى الرغم من أن أمي من محبي محمد منير، إلا أنها ظلت تضع عبدالحليم في ركن كريم داخل فؤادها. ومع الوقت انتقل هوى أمي من عبدالحليم إلى أم كلثوم وعبدالوهاب، وقل عدد مرات استماعها إلى محمد منير، إذ قالت لي مرة وهي تنصت باهتمام إلى أغنية هذه ليلتي: (مادلين.. الغناء العربي كله يتلخص ويتكثف في أم كلثوم وعبدالوهاب فحسب)، فلما سألتها : (وعبدالحليم؟)، ابتسمت وقالت: (حليم وفيروز وشادية ونجاة وفايزة وغير هؤلاء مجرد مطربين جيدين، أما أم كلثوم وعبدالوهاب فهما العبقرية بحق).."."568"
ما أكثر المواهب الغنائية التي تصنع المتعة وتستحق الإعجاب، ولاشك أن عبدالحليم حافظ هو الأقرب لشباب الخمسينيات والستينيات، وأن محمد منير يقوم بدور مماثل في الثمانينيات والتسعينيات، لكن رحلة الأجيال جميعًا تصب في بحري أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، اللذين لا يشبهان أحدًا، وينفردان بمكانة تقف بهما بعيدًا عن الندية والمنافسة.
* منظومة العظمة *
الحياة الغنائية ليست أحادية الجانب، ولا يمكن أن تكون. التفاني في حب أم كلثوم لا ينفي غيرها، والإقرار بتفردها لا يعني أنكار القامات المبدعة ذات المذاق المختلف، لكن الأمر في جوهره يتعلق بوضعية كوكب الشرق التي تنتشر عبر مساحة أوسع، وتلبي احتياجات لا يقوى عليها الآخرون. يقول الأستاذ جرجس لرفاقه في القهوة: "بعد الست أم كلثوم، لا يوجد صوت امرأة بأبهة وحلاوة صوت ليلى مراد!". "133"
ليلى مراد صاحبة صوت ملائكي ساحر أخاذ، ولها ملايين من العشاق والمعجبين، وكذلك الأمر بالنسبة لعبدالحليم حافظ وفيروز وشادية ونجاة الصغيرة، لكن أم كلثوم تبقى نسيجًا متفردًا غير قابل للمقارنة والمنافسة.
إنها ليست فنانة عادية تمارس تأثيرها في مرحلة بعينها، فهي جزء من منظومة عظماء مصر في شتى المجالات، ويتجلى ذلك بوضوح عندما يرصد فيليب عشق أمه سوزان لكل ما له علاقة بمصر: "غريبة أمي.. تعشق أي شيء له علاقة بمصر.. طعام.. حلوى.. مشروبات.. كلمات.. مفردات.. أسماء.. أغنيات أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وشادية ونجاة.. أفلام قديمة أبيض وأسود.. أحياء القاهرة القديمة.. سعد زغلول.. مكرم عبيد.. جمال عبدالناصر.. طه حسين.. سلامة موسى.. توفيق الحكيم.. نجيب الريحاني.. نجيب محفوظ وغيرهم وغيرهم الكثير، حيث لا تتوقف عن ذكر عبقرياتهم أمامنا أنا وأختي مادلين"."155"
تتشكل عظمة مصر عبر خليط مركب من مفردات الحياة اليومية، ومن أفذاذ فنانيها وساستها ومفكريها ومبدعيها. لا غرابة في أن تكون أم كلثوم هي الاسم الأول في منظومة العظماء، ذلك أن المشككين في عظمتها لا يُقاس عددهم الضئيل النادر بأعداد من يطعنون في زعامة سعد زغلول وعبدالناصر، ويهاجمون طه حسين ونجيب محفوظ. أم كلثوم، على نحو ما، أثر خالد وملكية عامة لكل أجيال الشعب المصري باتجاهاته وطبقاته المتصارعة، منذ نهاية الربع الأول في القرن العشرين، وهي الأداة الأهم في توحيد الشعوب العربية تحت الراية المصرية ولهجتها الشائعة، أو كما يقول الدكتور عزت: "أما اللهجة القاهرية فلم تفرض نفسها على بقية اللهجات المصرية فحسب، بل صارت اللهجة الرئيسية في العالم العربي.. فالكل يعرفها، والكل يطرب لها إذ شدت بها أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم، والكل يضحك حين يتحدث بها فؤاد المهندس وإسماعيل ياسين وعادل إمام، والكل يرق لها حين يرى فاتن حمامة تعبر عن غرامها بتلك اللهجة". "634"
يختلف المصريون في الكثير وتجمعهم أم كلثوم، ويتصارع العرب حول كل شيء وتوحدهم أم كلثوم، زعيمة الفن وقبيلته التي تغزو القلوب وتفرض السيادة في المحيط العربي بلا مقاومة.
* حائط المبكى *
لأم كلثوم حضورها المتوهج في نفوس عشاقها المتيمين بفنها الرفيع، ومن فرط الاندماج والتفاعل تكتسب العلاقة معها طابعًا يتجاوز الفني إلى الذاتي. الفنانة الكبيرة أقرب إلى الصديق المؤتمن الذي يستمع إلى الهموم والشكاوى، ويُنتظر منه النصح والرأي. هذا ما يفعله اليساري مرسي الشوبكي بعد انصراف رجال أمن الدولة المتغطرسين من القهوة، بعد فاصل من الاستعراض الفج للقوة: "عند انصراف الضابط محمود شعلان وزبانيته كان صوت أم كلثوم يصدح (ياليل.. لو طاب لي زماني)، فغمغم مرسي بأسى: الزمان طفح مرًا يا ست!". "517"
لا تصدر الشكوى العفوية المريرة عن رجل محدود التعليم والثقافة والوعي، لكن اليساري المأزوم يعي بخبرته العريضة أن أم كلثوم أقرب إلى الحضن الحنون والملاذ الآمن وحائط المبكى، وإليها يلجأ من تضيق بهم الدنيا وتتجهم الحياة. التوجه اليساري لمرسي لا يحول دون تقديره لما تمثله أم كلثوم في الحياة المصرية، وقرب نهاية رحلة العمر يقدم مرسي خلاصة رؤيته المستمدة من جملة تجاربه: "في دورة الحياة أشياء جميلة كثيرة، لكن لا يوجد أجمل من المعرفة والعدل والحرية. ثم أضاف ضاحكًا وهو يشير إلى الراديو الكائن أعلى زاوية من المقهى: (وأم كلثوم وعبدالوهاب طبعًا)، فقد كان صوت أم كلثوم يتألق صادحًا: (فاكر لما كنت جنبي)..". "593".
يتمثل ثالوث المتعة الأسمى في المعرفة والعدل والحرية، وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب يختصران المعنى السامي الجليل الجميل لقيمة الفن، وبذلك يمكن اختصار مفردات الحياة الحقيقية المشبعة في المعرفة والعدل والحرية والفن.
أم كلثوم عنصر مهم في حياة اليساري الوطني المثقف الملتزم مرسي الشوبكي، وفي موته أيضًا: "في الحادية عشرة مساء، ضبط التلفزيون على قناة روتانا زمان ليشاهد أم كلثوم. كانت تشدو (هذه ليلتي.. وحلم حياتي). أنصت لها بقلب صاف وروح مطمئنة حتى غلبه النعاس وهو متكئ على الكنبة الكبيرة في الصالة.
في الصباح استيقظ أهالي دوران شبرا على صرخة الخادمة، حيث وجدته ميتًا فوق الكنبة بينما وجهه يشرق بابتسامه رضا". "601"
الاستماع إلى أم كلثوم طقس يومي، والتواصل معها يغسل القلب من عكارات الأيام الرديئة وينعش الروح، والموت الرحيم مع سحر صوتها كفيل بنهاية سعيدة يشرق فيها الوجه بابتسامة الرضا.
* تفاعل وتواصل *
لا تكتسب أم كلثوم مكانتها الرفيعة من فراغ، في الحياة والرواية معًا. علاقتها مع عشاقها تتجاوز الأغاني وأجواءها، ومن هنا يتحقق التفاعل والتواصل بلا ضفاف.
يتعذب البقال حسنين بمأساة ابنه سيد، الذي يسافر إلى العراق ويتعرض لمخاطر مهلكة، وليس إلا القهوة من مكان يبوح فيه بهمومه ويجد من يصغي إليه، لكن الأزمة المعقدة تمثل تحديًا لأصدقاء العمر، فيحل عليهم الصمت، وعندئذ تتدخل أم كلثوم وتنوب عنهم: "لم يعلق أحد على مأساة سيد وآلام أبيه لمدة زادت على ثلاث دقائق، فقد تشبع المكان ببخار صمت كثيف وثقيل كالهموم، بينما بدأ ينساب من الراديو صوت أم كلثوم مترنمًا (الأولة في الغرام والحب هجروني)، فانخرط حسنين في نحيب مكتوم". "291"
الأغنية الشجنية من روائع محمود بيرم التونسي، والمعروف أنه كتبها متأثرًا بوفاة الشاب محمد، ابن الملحن الكبير الشيخ زكريا أحمد. البكاء مع الاستماع إلى أغنية كهذه مبرر ومقنع، بالنظر إلى الظروف القاسية التي يعيشها حسنين، ففي كلماتها ما يفجر ينابيع الحزن في أعماق البقال الذي يواجه ابنه مصيرًا مرعبًا لا يملك حياله شيئًا، كأنه الموت الذي لا مهرب منه!.
في السياق نفسه، يجتمع الأصدقاء في القهوة بعد الإفراج عن المعتقل مرسي الشوبكي، أحد ضحايا السادات في حملة سبتمبر 1981، ويستمر حسنين مستغرقًا في حالته الشجنية، وتشاركه أم كلثوم من جديد: "وشرع الأستاذ جرجس يقص على المعتقل العائد مأساة سيد ابن حسنين، فتكرر ألم السامعين مرة أحرى، وذرفت عبرات خجولاً، وحل الصمت الموجع لبرهة، فلم يُسمع سوى صوت أم كلثوم ينطلق من الراديو صادحًا (أنساك يا سلام) فزاد من إحساس الجالسين بلوعة الفقد". "321"
الأغنية الأولى: "الأولة في الغرام"، وثيقة الصلة بمأساة حسنين، على الصعيدين التاريخي والواقعي، والأغنية الثانية: "أنساك.، تمارس تأثيرًا مماثلاً على الرغم من المنحى العاطفي الخالص للكلمات. البطولة هنا للوحة الفقد بالمعنى الواسع العريض للكلمة، ليس من حيث المعطى المباشر، بل من منطلق الأجواء الإنسانية التي تصنع حالة من الحزن النبيل الذي يدعم إنسانية الإنسان ويسمو بها.
عندما تغيب الأحزان الشخصية المباشرة التي تضفي على التفاعل ملمحًا ذاتيًا صريحًا، تبقى حالة الشجن التي يفجرها أسلوب أم كلثوم، ويفرض على المتلقي أن يحلق بعيدًا عن الإطار الضيق الذي يحكمه ويحيط به. سياسات الرئيس السادات مسئولة عن الإحباط الموضوعي الضاري الذي يتجاوز الهموم الفردية، واللوحة لا تختلف كثيرًا في القهوة التي توحد الشمل: "غيوم الإحباط تجمعت فوق رءوس الندامى الجالسين في مقهى نور الصباح، في تلك الليلة من ليالي نوفمبر طيبة الطقس. صوت أم كلثوم ينطلق من إذاعتها مرددًا (هو صحيح الهوى غلاب)، فيضفي على السهرة أجواء من الشجن". "165"
ليس حتميًا أن ينبع الإحباط من الأزمات الفردية، عاطفية كانت أم عائلية، والتحولات العاصفة التي قام بها السادات مسئولة عن الحزن الثقيل الذي تتوافق معه أم كلثوم بأغنية دسمة مشبعة، تتحول إلى ما يشبه الموسيقى التصويرية المصاحبة للمشهد حتى نهايته، حيث الاندماج في طقوس اللعب المعهودة: "طلب الأستاذ جرجس من النادل أن يأتي لهم بالطاولة، وألا ينسى القهوة المضبوط، بينما أم كلثوم تترنم بصوتها الآسر: وازاي يا ترى.. أهو ده اللي جرى". "169"
أغنيات أم كلثوم، المنبعثة من المحطة الإذاعية التي تحمل اسمها في الراديو، مفردة راسخة في القهاوي المصرية التقليدية التي ازدهرت طويلاً في الواقع الاجتماعي المصري، وكان قوامها أبناء الطبقة الوسطى، الذين ينهمكون في مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، دون ان يغيب صوت أم كلثوم كمصاحب دائم: "خيمت لحظات صمت ثقيلة فجأة على الجلسة، وتشبث كل واحد من الأصدقاء الأربعة بما يمور داخله من أفكار وآراء، فلم يُسمع سوى صوت أم كلثوم ينطلق من راديو المقهى مرددًا: يا لذكراك التي عاشت بها روحي على الوهم سنينًا". "92"
وفي موضع آخر من الراديو، يقتحم رجال أمن الدولة المكان ويفسدون صفاءه، وسرعان ما يحل الصمت الثقيل: "وانكمش كل واحد في ذاته، ولم يبق سوى صوت أم كلثوم يهتف (أقبل الليل وناداني حنيني)..". "514"
يقبل الليل دائمًا ويطل معه الحنين بكل ما فيه من أشواق غامضة، لكن الوجود الثقيل الضاغط للأمن يضفي على الكلمات الرومانسية الرقيقة مغزى مختلفًا!.
* رسالة الفن *
لعل سوزان صبحي ميخائيل، ابنة شهيد حرب أكتوبر، وحفيدة المستنير المتسامح الأستاذ جرجس، وابنة مدرسة التاريخ إنصاف، الشخصية الإنسانية الثرية، بكل ما في سلوكها من أخطاء وخطايا وأحلام وطموحات وأزمات وتحولات، هي الأكثر ارتباطًا بأم كلثوم وإبداعها المتوهج الذي يحتاج تذوقه إلى مزيج مركب من الخبرة والنضج والعلم. حبها لعبد الحليم حافظ ومحمد منير يعبر عن انتمائها للجيل الذي ولد قرب منتصف الستينيات، وعاش تجارب الحب الأولى في الثمانينيات، لكن محطتها الأخيرة مع أم كلثوم، القمة التي لا تُنافس ولا تُقارن بغيرها.
عند ظهورها الأول في مطلع أحداث الرواية، تضع في كاسيت السيارة أغنية "هلت ليالي القمر": "وراحت تدندن معها وهي تكاد تلمس النجوم". "13"
هكذا ترصد ابنتها مادلين وهما عائدتان من مقابلة الدكتور عزت، ولم يكن لقاء سوزان معه إلا امتداد للقاء الأول الذي تكرر فيه الطقس نفسه مع أغنية كلثومية لا تقل عذوبة ورقة: "أدارت أغنية (حلم) لأم كلثوم وهي تقود سيارتها". "622".
لا يتوقف الارتباط بين سوزان وأم كلثوم حتى النهاية، فقبل دخولها في الأزمة المرضية الخطيرة، متأثرة بما تعرفه عن إطلاق الرصاص على الدكتور عزت في شارع محمد محمود، خلال الفترة الانتقالية بعد ثورة 25 يناير، تظهر كوكب الشرق كعلامة مستمرة في رحلتها العاطفية غير التقليدية، ولا غرابة أن يكون الاستماع والتفاعل في مطبخ منزلها: "أدارت سوزان أغنية (حبيبي يسعد أوقاته) لأم كلثوم، وراحت تحث الخادمة سارة على المزيد من الهمة حتى ينضج الطعام سريعًا". "646"
أم كلثوم طوفان عاطفي يغمر الرجل والمرأة، المسلم والمسيحي، العجوز والشاب، المثقف ومحدود التعليم، اليساري والليبرالي واللامبالي بالسياسة، فالفنانة الكبيرة عابرة لكل اختلاف وتباين.
موجه التاريخ زكي نجيب بشاي، المثقف المنظم الجاد الوقور، من عشاق أم كلثوم والمدركين لأهميتها والمباهين بحضور حفلاتها. بعد لقاء عاطفي معه، تدندن إنصاف، السيدة المحترمة الرزينة، بكلمات أغنية تنم عن السعادة والتحقق: "كل الناس حلوين.. في عينيه حلوين"، وتسأله: "هل تحب أم كلثوم؟، وضحك وصاح: ومن منا لا يحب كوكب الشرق. ثم أضاف مباهيًا: لقد حضرت الحفلة التي شدت فيها أول مرة بأغنية أنت عمري". "435"
من لا يحب كوكب الشرق؟!. سؤال استنكاري عظيم الدلالة، فهي التعبير الأعظم والأعمق عن ملامح الشخصية المصرية، ليس بالمفهوم الفني وحده، بل على صعيد حياتها الشخصية ومواقفها الوطنية والاجتماعية.
مع تصاعد التطرف وتزايد التدين الشكلي في الحياة المصرية، نتيجة منطقية لتحالف السادات قصير النظر مع الإخوان المسلمين والتيارات المتشددة، يتحول الحجاب إلى ظاهرة وعلامة دينية ذات شأن، احتذاء بالفكر الوهابي والسلفي، ويعلق البقال حسنين بحكمته الفطرية العميقة: "السيدة أم كلثوم بجلال قدرها لم تكن ترتدي حجابًا، والكل يشهد بأنها كانت مثالاً للاحترام والاحتشام والوطنية، وما أكثر ما خدمت البلد، فهل أخطأت الست؟ والله الإخوان لا يعرفون شيئًا.. العالم يتقدم ويقتحم الفضاء كما يقولون في الراديو، ونحن نريد إعادة عصر الحريم.. ما الذي يحدث في البلد يا جماعة؟ الله يرحمك يا ست!". "203"
ازدراء المرأة من ثوابت وركائز التطرف، والنموذج الذي تقدمه أم كلثوم كفيل بالرد العملي على المتشنجين الذين يعيشون خارج العصر ومتغيراته. حسنين مسلم متدين بلا تعصب مقيت، وأم كلثوم "بجلال قدرها" تنهض عنده دليلاً على الاحترام والحشمة والوطنية، فهل تنطبق عليها مقولات كالتي يرددها الإخوان؟!. لا أحد يستطيع أن يزايد على أم كلثوم واحتشامها والتزامها وتدينها البسيط السمح، مثلها في ذلك مثل ملايين المصريين الذين يجمعون بين الدين والدنيا بلا عناء. أمثال سيد ابن حسنين، بكل ما يتسم به من جهل وتطرف بغيض، لا يعبرون عن الروح المصرية الوسطية، وأفكارهم بدوية وافدة لا جذور لها.
بعد مناقشة تدور بين الأصدقاء عن الابن المتطرف وأفكاره المتخلفة المفارقة لروح العصر، يسود الصمت أجواء القهوة للحظات: "عندما ارتفع صوت أم كلثوم منشدًا (ولد الهدى فالكائنات ضياء). ولمعت السماء ببرق متقطع يخطف الأبصار". "403"
كيف لمن تتغنى بقصيدة كهذه أن تُتهم في دينها؟!. كلمات شوقي، التي تغنت بها كوكب الشرق، بمثابة الدفاع الفني عن الإسلام بما يفوق عشرات الدعاة، أما عن مهاويس التطرف فلا متسع لمجرد المقارنة بين السخافات التي يرددونها وجلال الإبداع الكلثومي المتميز.
عبر نصف قرن من الإبداع، قدمت أم كلثوم شهادة ناضجة عميقة عن كل ما عاصرته من أحداث وحوادث، ولأن السلطة تعي قدرتها الفائقة على التأثير والإقناع، فإنها تلجأ إليها لتسييد توجهات سياسية لا علاقة لها بما تغنيه. يتجلى ذلك عندما قام السادات بزيارة إسرائيل، وترددت أقاويل عن السلام وضرورته!. في طريقه إلى القهوة، يستمع الأستاذ جرجس إلى صوت أم كلثوم: "ينطلق من راديو محل الحلاقة وهي تترنم (بالسلام احنا بدينا بالسلام)، فتعجب من مقدرة السلطة على تزييف وعي الناس، وهمس: تذكروا الآن أغنية كوكب الشرق. ألا ما أحقر السياسة، وما أبشع السياسيين". "78"
السلام الذي تغني له أم كلثوم لا صلة له بسلام السادات، واعتماد السلطة على ضعف الذاكرة من ناحية وسحر الصوت العبقري الذي قد يقنع من لا يعرفون ملابسات الأغنية وسياقها التاريخي من ناحية أخرى.
.........


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.