"قدم المرأ يجب أن تكون مغروسة في وطنه، أما عيناه فيجب أن تستكشف العالم". بهذه الكلمات يختصر الفليسوف جورج سانتيانا حياته، فهو المولود في 16 ديسمبر 1836 في مدريد، ورغم رحيله مع والدته إلى الولاياتالمتحدة وهو في عمر الثامنة وتعريفه لنفسه على أنه أمريكي، فإنه ظل دائمًا يحتفظ بجواز سفر إسباني. بعد رحيله إلى بوسطن، درس سانتيانا في المدرسة اللاتينية، ثم أكمل دراسته في جامعة هارفاردأ والتي تخرَّج فيها بتفوق عام 1886، وبعد عامين قضاهما في جامعة برلين عاد إلى هارفارد لاستكمال الدكتوراه، وصار عضوًا في هيئتها التدريسية عام 1889، إلا أنه في الثامنة والأربعين من عمره، ترك سانتيانا منصبه في جامعة هارفارد وعاد إلى أوروبا، ولم يعد للولايات المتحدة أبدًا رغم العروض من جامعته وجامعة أكسفورد، واختار التفرغ للتأمل والتأليف، واستقر في روما بدءًا من عام 1924. لعل طبيعة سانتيانا الروحية لم تتوافق مع الطبيعة المادية للولايات المتحدة، وهو ما انعكس في كتابه "الهيمنة والقوة"، الذي يقوم على تحليل دور الإنسان والتناقضات في المجتمع الأمريكي (1951). كما كانت الفلسفة النظرية محور فكره في حقبة ما بين الحربين العالميتين، وجاء مؤلفه "الريبيّة والإيمان الروحي" ليعكس رؤيته حول التوصل للإيمان عن طريق الحس مقتربًا فيه من فلسفة سويدنبورك إلى حد كبير، بأسلوب جمع بين الدقة في الصنعة والعمق في التحليل. ولعل فلسفة عزوفه عن الحياة المادية تتجلى في مؤلفه الأهم "أنواع الوجود" المدوَّن في أربعة مجلدات، والذي يعكس مرحلة النضج الفلسفي لسانتيانا، ويركز فيه على كون المعرفة قائمة على فرضية وجود الروح، ومن ثم أمكن التعالي على الأمور المادية، وقد حذا فيه حذو أرسطو في التركيز على الدور الرئيس للمادة (الطبيعة) وكونها سابقة على كل شيء، وعليها يقوم الإيمان الروحي أو الحسِّي. لم يقتصر منجز سانتيانا على الفلسفة، فهو الشاعر وكاتب المقالات والروائي، وإن كانت رواية واحدة عرفت باسم "البيوريتاني الأخير" وقد حازت على رضا النقاد والقراء، وقد أهّله منجزه الثقافي للحصول على العديد من الجوائز والأوسمة، منها وسام بنسون من الجمعية الملكية للآداب عام 1925، كما حصل على درجة فخرية من جامعة وسنكنسون عام 1911. ولد سانتيانا في 16 ديسمبر 1863، وتوفي 26 سبتمبر 1952، عن عمر ناهز 89 عامًا، بعد إصابته بسرطان المعدة.