كانت الأسرة تنتظر هذا الخطاب بفارغ الصبر، أم لم ينقطع دعاؤها طوال تلك الأيام التى «حسبتهم وعدتهم عدًا»، وأشقاء ملأ الانتصار أنصاف قلوبهم، بينما النصف الآخر سكنه القلق وبقيت عيونهم حائرة بين دموع الفرح والخوف. وقتها لم يكن هناك صوت، يعلو فوق صوت المعركة، الكل مشغول بها، ليس لأحد هم سواها، فالخلاص من ذل الهزيمة بحلاوة الانتصار، هو المراد، وإن كان الثمن مئات أو آلاف الشهداء. لكن إذا أراد الله لهم السعادة الحقيقية، يتحقق النصر، ويعود الابن سالمًا، وقتها ستنذر الأم نذرًا، ويوزع الأشقاء شربات الفرح، ويرتاح الأب فى قبره، بنصر عزيز حققه ابنه البطل. أما البطل فكان مثل بقية الأبطال، لا تعنيه الحياة، وإن كانت لها حلاوة، فالعودة بمفاتيح الأمل، وأثواب العزة والكرامة، أمنية غالية، لطالما حلموا بها، حلموا بحضن دافئ يعوضهم تلك الليالى الموحشة، ويد تطبطب وتحن وتكفكف دموعهم على زملاء ماتوا بين أيديهم وفوق صدورهم، وأكتاف ترفعهم أحياء، وتغنى لهم وتتغنى بهم. جلس البطل، مفكرًا فى أسرته، مخاوفه تزداد عليهم، كلما زاد البعاد يومًا، وبقى الخوف والقلق عليهم كغول ينهش فى لحمه، فقرر على الفور، أن يكتب خطابًا، لم يعنه أصوات طيارات العدو التى تحلق فوق رأسه، لم يخافها، كما لم يخف الموت، فالموت مع النصر أشرف وأجل من موت الهزيمة، وقتها ستكون لحياته التى ضحى بها قيمة. وبعد أن تحقق النصر، وعبر القناة، مع من عبروا، وهو يردد «الله أكبر»، ورفع علم مصر عاليًا، مثلما رفع الجميع رؤوسهم المحنية بعد ذل الهزيمة وانكسارها.. لم يشغله هاجس الموت.. أشعل سيجارة قبل أن يسحب ورقة بيضاء وقلمًا ليخط سطورها، ليطمئن عائلته ويطالبها بخطاب ليطمئن عليهم، ويفرغ من داخله وحشة كبيرة يحملها لهم.. كتب وكأنه يخاطبهم: «من أرض سيناء الحبيبة، بسم الله الرحمن الرحيم، أخوانى وأخواتى الأعزاء، والدتى العزيزة، أقبل أيديكم جميعًا، وأحمد الله عز وجل لما تسمعونه الآن عنا، نحن الآن فى صحة عال العال، وكل اللى أحنا عايزينه أنكم تدعوا لنا وأنتوا بتصلوا فى كل وقت، وأنا بصراحة مش مشغول على نفسى قد ما أنا مشغول عليكم، والله أنا فى صحة جيدة، وأحمد الله على ذلك، يا أخى كل رجائى أن تطمنى على أخى أحمد، وأنا بأحمد الله أيضًا على عبور قناة السويس، وأكتب رسالتى هذه من داخل حفرة وسط رمال الصحراء التى تسيل الدماء فى سبيل تحريرها.. وقهر العدو الظالم». انتهت الرسالة، والحكاية لم تنته، فالخطاب الذى بين أيدينا، لم يذيله صاحبه البطل بتوقيع، كما لم يضعه فى مظروف ويكتب عليه عنوان أسرته، لأن صاحبه غالبًا.. لم يستطع استكماله، إذ جاءت سطوره الأخيرة بيد مرتعشة، وكأن صاحبه مات قبل أن يكمله، أو مات وهو مُصر أن يستكمله، ليموت معه أمل أهله فى تسلم الخطاب، الذى انتظروه ليالى وأيامًا، سهرت الأم خلالها تفكر وتصلى وتدعو أن يدلها الله على طريق ولدها، لكنهم لم يتسلموا الخطاب أبدًا، وأغلب الظن أن ما تسلموه كان جثة شهيدهم وشهيد مصر. ولأن الأرض، كتومة، لا تبوح بخباياها، فإنها مليئة بملايين الأسرار والخبايا، ومن ينقب بداخلها ويفتش أسرارها، سيجد الكثير، مثلما وجد عمال شركة «بتروجيت» هذا الخطاب، فى موقع حفر قرب معدية سرابيوم بمشروع قناة السويس الجديدة، الخطاب كان فى مخبأ أفراد، يختبئ به الجنود إبان حرب 1973، وكان بجواره «مخلة» خاصة بالجندى البطل الذى كان بالمخبأ بمفرده، وبفتح المخلة، وجدوا ملابس وأغراض الجندى، صاحب الرسالة وهى عبارة عن «ملاءة سرير، أفرول القوات المسلحة المصرية، كاب، قناع واق، 4 خزائن رشاش وغيار داخلى نظيف، وقصاصة من جريدة الجمهورية بتاريخ 12 أكتوبر 1973، علاوة على فرشاة ومعجون للأسنان، وآخر للحلاقة وعلبة سجائر كليوباترا مغلقة كما هى، ومشط كبريت ماركة النيل، و4 باكوات من البسكويت، ومنشورات حماسية لرفع الروح المعنوية للجنود. الغريب أن جميع الأشياء التى عثر عليها داخل المخلة كانت فى حالة جيدة، وكأن الحرب لم يمر عليها سوى أيام أو أسابيع على الأكثر، احتفظت بها الأرض الطيبة، كأنها أمانة أودعت عند أرض لا تضيع بها الودائع، لتكون ذكرى عطرة من صاحبها، ليتسلمها جيل جديد لم يعرف أهوال الحرب، ومرارة هزيمتها وحلاوة انتصارها، جيل جديد.. لا يعرف عن 6 أكتوبر سوى أنه كوبرى عتيق، ومدينة سكنية مزدحمة.