العالم - عند العقلاء - ليس جزرا منعزلة، فقد صار العالم بفضل وسائل الاتصال المتقدمة، قرية كونية. وما يحدث في أي بقعة له صدي في شتي أرجاء الأرض. وعندما ننظر إلي أحداث الدنيا، نتأمل صلابة الشعوب وقدرتها علي المواجهة خصوصا إذا تعلق الأمر بالكوارث الطبيعية التي تحصد الأرواح وتشرد الناس، أنا اعتقد أن هذه الكوارث لها وجه ايجابي وهو هذه الدروس المستفادة من التجربة. إن الله - عز وجل - رحيم ببلادنا في مصر وكوارثنا - ولنكن صرحاء - نتيجة الاهمال في كل الحالات مهما دافع المهملون عن وقائع الكارثة، لكن كوارث العالم الناتجة عن تغير المناخ مخيفة، منها علي سبيل المثال كوارث الفيضانات في باكستان، هذا البلد الذي تعصف به العواصف السياسية من كل جانب، تسببت في تشريد أكثر من أربعة ملايين انسان وشردت قري بكاملها ولا يمكن - بالمنطق - أن نقول أن الفيضانات جاءت نتيجة إهمال ولكنها غضب الطبيعة وللطبيعة مخالبها ومآسيها. ناس بباكستان المشردون تقبلوا الأمر بالتسليم ولم يجلدوا أنفسهم ولم يتهموا المعارضة بإحداث الفيضانات وربما كان صوتهم خافتا فلم يتحرك العالم لتقديم مساعدات عاجلة رغم ضحايا الفيضان من الشيوخ والأطفال، خصوصا أن كوارث الطبيعة مؤخرا من زلازل وبراكين وغبار بركاني وهواء ملوث وقد أعلنت موسكو متعددة لمواطنيها ضرورة البقاء في بيوتهم ونصحتهم بالسفر إلي مناطق أخري علي السواحل والأخطر أن تصاب الزراعات في موسكو وتهدد الاقتصاد الروسي وهذه كارثة أخري. وأصل إلي المضمون الذي أريد ان أطرحه: أين نحن في مصر من مثل هذه الكوارث؟ إن سيول أسوان لم يكن لها مصائب ضخمة ولم تشرد الناس، وحوادث الطرق علي الأسفلت هي اهمال بشري. نعم، الله - عز وجل - رحيم ببلادنا حتي في حادث تصدع جبل المقطم عند الدويقة ولكن عمق ذلك أننا اكتشفنا بعد "كارثة" الدويقة أن هناك شخصية مهمة في حياتنا لا نهتم بها ولا نعطيها حق قدرها وهي "الجيلوجي"، تلك المهنة .. التي تحذر من سقوط صخور الجبل.. ولو سمعنا نصائح علم الجيولوجيا لما كانت هناك كارثة بشرط ترحيل الناس وتسكينهم في بيوت لائقة وليس مجرد إيواء في خيام مؤقتة، اننا نصرخ ونجلد أنفسنا ونشتم بلادنا ونتصور أن نهاية العالم مرهونة بأحداث معيشية مثل اختفاء أنبوبة بوتاجاز أو سوء رغيف عيش أو جريمة أرحام أو استهتار شاب! كل هذه أشياء لا تدخل في ملف كلمة كارثة وربما كانت "رفاهية حياتية" مع تسليمي بأن قضايا الصحة والتعليم كوارث معنوية. انظروا لفيضانات باكستان واحمدوا ربنا، فالعالم ليس جزرا منعزلة، إننا - بالمقارنة - مع غيرنا نعيش أفضل رغم الصياح المفتعل!