من أعقد وأخطر القضايا التي عاني منها الاقتصاد المصري علي مدي نصف عقد مضي توفير احتياجات المصريين من القمح، وظهرت القضية بقوة في منتصف الستينيات، وعبرت عن نفسها عبر العقود المتتالية في اكثر من شكل وعلي اكثر من مستوي لتدبير هذه الاحتياجات من سلعة استراتيجية بحجم القمح. ووسط الأزمات وتزايد الاحتياجات ظهرت قبل سنوات فكرة زراعة القمح في الخارج، وخرج علينا اكثر من سيناريو طرحته الحكومة لزراعة واستصلاح مساحات من الاراضي بالدول الخارجية، وكانت البداية في كندا ثم نامت واستيقظت الفكرة مرة أخري في السودان واصبحت مشروعا تتم دراسته في أوغندا بخلاف عدد من الدول المرشحة بقوة لتطبيق ذلك السيناريو مثل أثيوبيا واستراليا ورومانيا وكازاخستان. وقد أثار هذا الاتجاه العديد من علامات الاستفهام، وتباين الآراء حول مدي امكانية الاستفادة من زراعة القمح بالدول الخارجية، أو العمل علي استنفاد الفرص الداخلية أولا، في ظل توافر الاراضي والاستفادة من كميات المياه المتوافرة. ربما علي حد قول الخبراء فإن التجربة بالزراعة في الخارج محفوفة بالمخاطر، ولها مشاكلها العديدة سواء كانت بسبب الاوضاع السياسية غير المستقرة أو ارتفاع تكاليف النقل إلا ان ما يضطر الحكومة للاتجاه لذلك ان عملية الاستصلاح، وجني الثمار قد تتطلب فترة تصل إلي 6 سنوات، وهو ما لا تريده الحكومة. السؤال المنطقي ربما كان السؤال الذي طرحه الدكتور أحمد جويلي وزير التموين الاسبق يحمل اكثر من مدلول وهو هل نحن في حاجة ملحة لزراعة مساحات قمح بدول خارجية؟ وهل استنفدنا كل الفرص الداخلية حتي نلجأ للخارج؟ مجموعة تساؤلات بدأ بها للوقوف علي مدي الاستفادة من ذلك أو عدمه، فالامر علي حد قوله يتطلب تحديد مجموعة من الأولويات، في مقدمتها العمل علي استثمار الفرص الداخلية، والاستفادة من المساحات الشاسعة سواء في توشكي أو الساحل الشمالي، أو أرض سيناء، والعوينات وكل منطقة تتمتع بقدر كبير من المياه التي يمكن من خلالها زراعة عشرات الآلاف من الافدنة، ولكن الواقع غير ذلك تماما، وإذا كانت النظرة للحكومة هي العمل علي توفير سلعة سريعة، لا تتطلب الوقت أو الجهد، فان التوجه للزراعة بالخارج محفوف بالمخاطر ايضا، في ظل عدم استقرار الاوضاع علي المستويات السياسية والاقتصادية. ويكفي حسبما قال التواترات التي تشهدها العديد من الدول المستهدفة للزراعة فيها، هذا بالاضافة إلي تكلفة الانتاج، حتي تتحول المساحات إلي أراض منتجة سواء من جانب تكلفة المستلزمات والمدخلات أو تكلفة النقل. واضاف انه في حالة استنفاد الفرص الداخلية يكون التوجه نحو الخارج، علي ان يكون للدول المجاورة، خاصة دول حوض النيل سواء كانت السودان أو اثيوبيا أو أوغندا، نظرا لخصوبة الارض، وتوافر الامطار، وايضا قلة تكلفة النقل نسبيا. وعلينا وضع خطة شاملة للاستفادة من المساحات الشاسعة لزيادة الانتاج، في ظل الاستثمار المناسب لمفيض توشكي وترعة السلام في سيناء، ودار السلام، والاستفادة بالمياه الجوفية، هذا بالاضافة إلي الحرص علي التنوع في الأغذية المختلفة. مشاكل ومخاطر "يا مربي في غير ولدك.. يا باني في غير ملكك" بهذا المثل الشعبي بدأ الدكتور عبد العظيم طنطاوي مدير مركز البحوث الزراعية سابقا معلقا علي سياسة الحكومة في الاصرار علي الاستثمار في الدول الخارجية من خلال استزراع مساحات كبيرة من الاراضي. وقال إن "المحاصيل الزراعية بما فيها القمح شهدت في الفترة الاخيرة عدم استقرار نتيجة لمجموعة من المشاكل منها زيادة الطلب العالمي علي القمح كغذاء وطاقة وحيوية إلا ان هذا لا يعني الاتجاه للاستفادة الخارجية فالعديد من الدول المستهدفة للزراعة تعاني عدم استقرار من شأنه إفشال التجربة، خاصة إذا ما حدثت أي أزمة بين البلدين. ولم يستبعد رئيس مركز البحوث ارتفاع تكلفة الشحن والنقل التي سيكون لها الدور الاكبر في زيادة المصروفات والانتاج، وكذلك ضعف العمالة هناك بل وحصول حكومات هذه الدول علي جزء من الانتاج. وقال إن "تكلفة استصلاح الفدان بالاراضي الصحراوية الجديدة لا تتجاوز 3 آلاف جنيه، وهذه تكلفة متدنية للغاية، تسهم في قيام الحكومة بزراعة الاراضي الصحراوية خاصة بالساحل الشمالي". كما ان هناك المساحات الواسعة بمنطقة الدلتا التي يمكن استغلالها في حالة العمل علي تحسين حالة الصرف، والعمل علي رفع انتاجية الفدان إلي 18.25 أردب خاصة ان احتياجاتنا من القمح تبلغ نحو 14 مليون طن نستورد منها نحو 9 ملايين طن، وهذا أمر مزعج، كما انه علي القطاع الخاص المشاركة والدخول بقوة لاستصلاح هذه الأراضي.