تراجع نوري المالكي قبل نهاية يولية الحالي عن موقف سابق رفض فيه إبرام اتفاق أمني مع إدارة بوش إلا إذا تضمن جدولة زمنية لانسحاب القوات الأمريكية من أرض الرافدين وعليه وبعد أن صرح بأن الطرفين قد وصلا إلي طريق مسدود عاد ليقول إن أمريكا والعراق سيتوصلان إلي مذكرة تفاهم أطلقا عليها مصطلح أفق زمني.. وهي في مجملها عبارة غامضة حيث إنها لا تتحدث صراحة عن أي جدول زمني يتعلق بالانسحاب من العراق ولم تحدد تاريخا لسحب هذه القوات وإنما تحدثت عن تنظيم تواجد القوات الأمريكية. الأفق من أجل مشروعية الاحتلال يبدو أن المالكي قد تفهم الظرف الذي يمر به بوش مع اقتراب موعد الانتخابات في الولاياتالمتحدة حيث إن المناسبة لا تسمح لبوش بتلبية المطلب الذي طرحه المالكي في البداية حول ضرورة ان يتضمن أي اتفاق أمني يبرم بين العراق وأمريكا جدولة للانسحاب ومن ثم تراجع المالكي عن مطلبه تعاطفا مع بوش في الظرف الزمني الذي يمر به ولا شك أن الحديث عن أفق زمني بالنسبة للوجود العسكري الأمريكي في العراق من شأنه أن يضفي المشروعية علي هذا الوجود ويخدم بذلك الرغبة الأمريكية أكثر من الرغبة العربية، فالحديث عن أفق زمني ليس إلا كلاما فضفاضا وغير قانوني ولا يرتب أي جدولة للانسحاب الأمريكي الأمر الذي سيترتب عليه بقاء القوات الأمريكية في العراق إلي أجل غير محدود! مخالفة اتفاقية فينا ولاشك أن هذا الاتفاق الغامض يحمل في طياته مخالفة صريحة لاتفاقية فينا لقانون المعاهدات التي اعتمدت من قبل الأممالمتحدة في مايو 1969 والتي تؤكد ضرورة توافر عنصر التكافؤ بين الأطراف الموقعة علي أي اتفاق وهو ما لا ينطبق علي اتفاق الأفق الزمني الذي تم اقراره من قبل المالكي وبوش وبالتالي يعد غير قانوني نظرا لأنه بين طرفين غير متكافئين فأمريكا طرف قوي والعراق طرف ضعيف قابل لأن يذعن وعليه يكون الاتفاق وفقا لقواعد القانون الدولي غير جائزة لأنه ليس إلا اتفاقية إذعان تكرس الاحتلال وتصبح بذلك مختلفة كلية عن اتفاقيات تمت عبر التاريخ مثل المعاهدة التي وقعت بين بريطانيا والعراق 1922 والتي تضمنت شروطا أقل إذلالا وكذلك ميثاق حلف بغداد 1955 الذي يمكن القول إنه لم يتضمن قواعد إذلال علي النحو الذي تعكسه اتفاقية الأفق الزمني. تكريس الاحتلال لقد سارعت أمريكا إلي إبرام هذا الاتفاق لكي تسبغ علي وجودها في العراق الوضع القانوني ومن ثم يتم تكريس الاحتلال للحصول علي امتيازات نفطية وعسكرية تحقيقا للمشروع الامبراطوري في المنطقة وهو أمر يضمن لأمريكا فرض الهيمنة علي سياسات العراق الداخلية والخارجية بحيث يصبح العراق مرتهنا للولايات المتحدةالأمريكية أمنيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا، بل إن أحد المثالب الكبري للاتفاقية تتمثل في انها تعطي لأمريكا الحق في القيام بأعمال سيادية علي أرض العراق دون الحاجة إلي الحصول علي رأي الحكومة العراقية وكأن الاتفاق بمعني آخر يقرب العراق من أن تكون محمية وهو ما يمثل خللا رئيسيا وكبيرا. أمريكا ومحور الاعتدال لعل زيارة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية للامارات مؤخرا واللقاء الذي عقدته مع ما يسمي بمجموعة دول الاعتدال والتي تضم مصر، الأردن، دول الخليج الست بالاضافة الي العراق إنما يأتي في إطار دعم السياسة الأمريكية في العراق وتعبئة تلك الدول ضد ايران أي أن أمريكا بهذا النوع من اللقاءات أرادت للدول العربية أن تكون المظلة التي يمكن بواسطتها للولايات المتحدة ترسيخ وجودها في العراق إلي أبعد مدي زمني والهدف الهيمنة علي ثرواته النفطية وجز عنق ايران وابعادها عن الساحة العراقية بعد أن استشري نفوذها بيد أن أمريكا هنا تغيب عنها حقيقة مفادها أنه من الصعب ايقاف نفوذ يستمد قوته من التاريخ والمذهب وتشعبات المال والمخابرات. فتح السفارات وشطب الديون حرصت رايس في زيارتها الأخيرة علي اقناع الدول المذكورة بدعم حكومة المالكي لاسيما وهي الحكومة التي تكرس وجود الاحتلال وتعمل علي إبقائه من خلال ما سمي باتفاق الأفق الزمني لوجود القوات الأمريكية في العراق.. ويبدو ان أمريكا لم تجد أمامها سوي العودة الي قضية العراق والتركيز عليها بعد ان فشلت في إحراز أي نجاح في عملية السلام الفلسطينية الاسرائيلية ولم تأل أمريكا جهدا في أن تملي علي العرب ما تريد تنفيذه ونجحت بالفعل في أن تظفر باستجابة دول محور الاعتدال لها في شطب ديون العراق بل ومبادرة أكثر من دولة الأردن، الامارات، البحرين، الكويت، باعلان عزمها علي فتح السفارات دون النظر الي الوضع في العراق وما إذا كان المناخ الأمني والسياسي مواتيا لذلك أم لا. نحو صفقة مزدوجة لا شك ان الولاياتالمتحدةالأمريكية تطالب العرب بذلك من أجل مصالحها في أرض الرافدين التي تعتزم البقاء فيها كاحتلال إلي أمد غير معلوم.. ومن ثم تتطلع إلي العرب كي يخدم تواجدهم صفقة مزدوجة تظفر من خلالها بتقليص النفوذ الايراني في العراق من ناحية ومن ناحية أخري يكون تواجدهم بمثابة مظلة تمنح المشروعية لبقاء أمريكا في العراق والهيمنة علي مقدراته بيد أنه يغيب عن أمريكا ان دخول العرب العراق لتعزيز تواجدهم الدبلوماسي لن يحل المشكلات التي تجابهها أرض الرافدين وان كان سيساعد فقط علي اعطاء العراق البعد العربي الذي افتقده خلال السنوات الخمس الماضية والذي كانت أمريكا هي المتسببة في اقصائه كما كانت حكومة نوري المالكي الطائفية سببا في عزوف العرب عن التواجد إذ كيف يمكن التعامل مع حكومة فتحت الأبواب علي مصاريعها للموساد وللنفوذ الاسرائيلي حكومة كانت وتظل تصر علي بقاء الاحتلال؟! قرار عربي في يد من؟! أخشي ما يخشاه المرء أن تلوم بعض الدول العربية نفسها لمسارعتها بتلبية دعوة أمريكا والترحيب بها وأخذ القرار بايفاد السفراء إلي بغداد وكأن القرار العربي قد بات في يد أمريكا بدلا من أن يعبر عن هوية عربية حقيقية وكأن أمريكا تريد بذلك ان يكون العرب غطاء لها لفرض سيادتها علي العراق للأبد لاسيما ان السوابق تشهد علي مواقف عربية مهدت الأرضية لأمريكا من قبل وشجعتها ودعمتها في احتلال العراق وغزوه من الممكن للأنظمة العربية الإقدام علي فتح السفارات وتوثيق العلاقات وتعزيزها شريطة ان يتم ذلك من خلال مشروع عربي تتحدد في إطاره جدولة لانسحاب أمريكي من العراق وعندئذ فقط يمكن للدور العربي أن يملأ الفراغ الذي سينجم عن انسحاب الاحتلال أما اليوم فلقد ظهر للعيان ان أمريكا لا تلوي علي شيء ولا تري سوي مصالحها ومن ثم تستخدم العرب كورقة في صراعها مع إيران داخل العراق وبمعني آخر تريد العرب كبش فداء ليس إلا.